15 مارس, 2026 | | هذا المنشور متوفر أيضاً باللغة : الإنجليزية

بعد عقود من الحكم السلطوي في ظل نظام الأسد تواجه سوريا مهمة هائلة تتمثل في إعادة بناء مؤسسات أضعفتها سنوات من الفساد الممنهج، وانعدام الشفافية في الحكم، وانتشار الجرائم الاقتصادية على نطاق واسع. بالنسبة لكثير من السوريين، لا تمثل المرحلة الانتقالية الجارية مجرد نقطة تحول سياسية، بل فرصة لبناء مؤسسات عامة تتسم بالشفافية والمساءلة والاستجابة لاحتياجات المواطنين. ولذلك، يحتل القضاء على الفساد، ومنع ترسخه في الهياكل العامة والخاصة الجديدة، موقعاً متقدماً على أجندة المجتمع المدني وصنّاع السياسات على حد سواء.
فالفساد ليس مجرد خلل في الحوكمة؛ بل هو في جوهره قضية تتعلق بحقوق الإنسان. فعندما تُستنزف الموارد العامة عبر الرشوة أو الاختلاس أو منح العقود على أساس المحسوبية، تظهر آثار ذلك بشكل مباشر في حياة الناس اليومية. إذ تُحوَّل الأموال المخصصة للمدارس والمستشفيات والبنية التحتية والخدمات الاجتماعية، مما يضعف قدرة الدولة على الوفاء بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية. وغالباً ما تكون الفئات المهمشة هي الأكثر تضرراً، إذ يحدد الفساد من يحصل على الخدمات العامة والفرص ومن يُحرم منها. وفي سوريا، ساهم الفساد أيضاً في تغذية العنف، من خلال تمويل شبكات مسلحة وتعزيز البنى الاقتصادية التي تُبقي حالة عدم الاستقرار قائمة.
ومع بدء سوريا مساراً طويلاً من إعادة الإعمار والإصلاح المؤسسي، يبرز أحد الأدوات التي يُناقش استخدامها بشكل متزايد لمعالجة الفساد وإعادة بناء الثقة، وهو الحوكمة الرقمية — أي رقمنة السجلات والبيانات، واستخدام التكنولوجيا الرقمية لتحسين العمليات والخدمات الحكومية. فإذا ما طُبِّقت هذه الأنظمة الرقمية بعناية، يمكنها أن تسهم في تعزيز الشفافية، وتمكين المواطنين من الرقابة، وتقوية المساءلة داخل المؤسسات العامة. ومع ذلك، فإن هذه العمليات تنطوي أيضاً على مخاطر إذا جرى إدخالها من دون ضمانات مناسبة، وأطر قانونية واضحة، وتصميم شامل يراعي جميع فئات المجتمع.
من الرقمنة إلى التحول الرقمي
غالباً ما يُنظر إلى الحوكمة الرقمية على أنها مفهوم واحد، إلا أنها في الواقع تشمل عمليتين مختلفتين.
تشير الرقمنة إلى تحويل المعلومات المادية إلى صيغ رقمية، مثل مسح السجلات الورقية ضوئياً، أو إنشاء قواعد بيانات إلكترونية، أو رقمنة الأرشيفات. فعلى سبيل المثال، يمكن أن تقلل رقمنة سجلات الأراضي أو عقود المشتريات العامة من مخاطر ضياع الوثائق أو تعديلها أو إتلافها. كما تسمح هذه العملية بالبحث في السجلات ومراجعتها بسهولة أكبر، مما يمكّن هيئات الرقابة من رصد أنماط الفساد.
ومع ذلك، فإن الرقمنة وحدها لا تؤدي بالضرورة إلى تغيير جوهري في أساليب الحوكمة. فإذا ظل المسؤولون أنفسهم يتحكمون في الوصول إلى قواعد البيانات، فقد تبقى ديناميكيات السلطة القائمة على التقدير الشخصي والسرية دون تغيير.
أما التحول الرقمي، فيعني استخدام التقنيات الرقمية لإحداث تغيير أعمق في كيفية عمل المؤسسات العامة وتقديمها للخدمات. ويمكن لهذا التحول أن يقلل فرص الفساد من خلال أتمتة الإجراءات، وتعزيز إمكانية تتبع العمليات، وفتح البيانات الحكومية أمام التدقيق العام.
وباختصار، بينما تساعد الرقمنة على حفظ السجلات والأدلة بشكل آمن، يمكن للتحول الرقمي أن يعيد تشكيل آليات العمل داخل الإدارة العامة ويحد من المساحات التي ينشأ فيها الفساد. وفي الحالة السورية، ستكون العمليتان معاً ضروريتين، إلا أن أثرهما سيعتمد إلى حد كبير على كيفية تصميمهما وتنفيذهما.
الشفافية في المشتريات العامة
تُعد المشتريات العامة تاريخياً من أكثر القطاعات عرضة للفساد، خاصة في البيئات الخارجة من النزاعات حيث تُمنح عقود إعادة الإعمار الكبيرة. ويمكن أن تبدأ الرقمنة بمسح عقود المشتريات السابقة ضوئياً وإنشاء قواعد بيانات قابلة للبحث تضم وثائق المناقصات والمشاريع التي تم ترسيتها. ومن شأن ذلك حفظ السجلات لعمليات التدقيق المستقبلية وجعل إخفاء العقود المبالغ في قيمتها أو الأموال المفقودة أكثر صعوبة.
لكن التحول الرقمي يمكن أن يذهب أبعد من ذلك. إذ يمكن لمنصة إلكترونية للمشتريات العامة أن تنشر إعلانات المناقصات، وقوائم المتقدمين، ومعايير التقييم، وقيم العقود، وقرارات الترسية عبر الإنترنت. كما يمكن لأنظمة متابعة تنفيذ العقود أن تراقب تقدم مشاريع إعادة الإعمار بشكل مستمر، في حين تسمح بوابات البيانات المفتوحة لمنظمات المجتمع المدني بتحليل أنماط المشتريات العامة.
إن مثل هذا المستوى من الشفافية يجعل من الصعب بدرجة كبيرة على شبكات الفساد التلاعب بعمليات التعاقد أو إخفاء تضارب المصالح.
تتبع المالية العامة
يمكن للأدوات الرقمية أيضاً أن تعزز الشفافية في إدارة المالية العامة. إذ إن رقمنة موازنات الوزارات، وإيصالات الدفع، وسجلات الرواتب من شأنها إنشاء أرشيفات رقمية موثوقة وتمكين مراجعة الإنفاق الحكومي.
أما التحول الرقمي، فيمكن أن يوسع نطاق الرقابة العامة. إذ يمكن للحكومات نشر تقارير شهرية عن الإنفاق، والتحويلات إلى البلديات، وصرف أموال إعادة الإعمار عبر منصات إلكترونية باستخدام بيانات قابلة للقراءة الآلية. وهذا من شأنه أن يسمح لمنظمات المجتمع المدني والباحثين وهيئات الرقابة المستقبلية بتتبع كيفية استخدام الأموال العامة ورصد أنماط مريبة، مثل المشاريع الوهمية أو فجوات الإنفاق غير المبررة.
وفي بلد من المرجح أن تلعب فيه أموال إعادة الإعمار الدولية دوراً كبيراً، ستكون الأنظمة المالية الشفافة ضرورية للحفاظ على ثقة الجمهور وثقة الجهات المانحة.
مخاطر التحول الرقمي
على الرغم من هذه الفوائد المحتملة، فإن الحوكمة الرقمية ليست حلاً سحرياً. فإدخال الأنظمة الرقمية من دون معالجة الهياكل المؤسسية التي تسمح بالفساد قد يؤدي ببساطة إلى نقل الفساد إلى أشكال تكنولوجية جديدة.
ومن أبرز التحديات المباشرة الفجوة الرقمية. فليس جميع السوريين يمتلكون اتصالاً موثوقاً بالإنترنت أو المهارات الرقمية اللازمة لاستخدام الخدمات الإلكترونية. ومن دون تصميم شامل وإبقاء بدائل غير رقمية متاحة، قد تؤدي الأنظمة الرقمية إلى استبعاد سكان المناطق الريفية وكبار السن والفئات المهمشة من الوصول إلى الخدمات الأساسية أو المشاركة في صنع القرار.
كما تطرح قضايا الأمن السيبراني وحماية البيانات تحديات كبيرة. فكثيراً ما تحتوي قواعد البيانات الحكومية على معلومات شخصية حساسة، مثل سجلات الهوية أو البيانات المالية أو المعلومات الصحية، مما يجعلها أهدافاً محتملة للهجمات الإلكترونية. وقد تؤدي الأطر الأمنية الضعيفة إلى تعريض المواطنين لإساءة استخدام بياناتهم الشخصية.
وربما الأهم من ذلك أن الأنظمة الرقمية نفسها يمكن أن تتحول إلى أدوات للسيطرة إذا جرى تنفيذها من دون ضمانات قائمة على حقوق الإنسان. وتوضح التجربة السابقة في سوريا مع القمع الرقمي حجم هذه المخاطر. ففي ظل نظام الأسد، استُخدمت القوانين الرقمية مراراً لمراقبة المواطنين، وقمع الأصوات المعارضة، واستغلال البيانات الشخصية. ومن دون حماية قانونية قوية للخصوصية وحرية التعبير وحماية البيانات، يمكن أن تتحول الأدوات الرقمية الجديدة إلى وسائل للمراقبة بدلاً من تمكين المواطنين.
بناء مستقبل رقمي قائم على الحقوق
لكي تدعم الحوكمة الرقمية الانتقال الديمقراطي في سوريا، يجب أن تكون جزءاً من إصلاح مؤسسي أوسع. فالتكنولوجيا وحدها لا تستطيع القضاء على الفساد؛ بل يجب أن تقترن بوجود هيئات رقابة مستقلة، وأطر قانونية شفافة، ومشاركة مدنية حقيقية.
وقد يكون من الضروري اعتماد نهج مرحلي. ففي المراحل الأولى، يمكن التركيز على رقمنة الأرشيفات الأساسية، مثل سجلات الأراضي وعقود المشتريات العامة، من أجل حفظ الأدلة ومنع التلاعب بها. أما في المراحل اللاحقة، فيمكن إدخال منصات رقمية للمشتريات العامة، وبوابات شفافية للمالية العامة، وأنظمة بيانات مفتوحة تمكّن المواطنين من مراقبة عمل الحكومة.
ومن الأهمية بمكان أيضاً أن تكون الأنظمة الرقمية متمحورة حول المواطن. فواجهات الاستخدام السهلة وبرامج تعزيز الثقافة الرقمية يمكن أن تساعد في ضمان قدرة جميع السوريين — وليس فقط من يمتلكون اتصالاً رقمياً — على الوصول إلى الخدمات الحكومية والمشاركة في الحوكمة.
كما سيكون للتعاون الدولي دور مهم في هذا المسار. إذ يمكن للشراكات مع خبراء التكنولوجيا والمنظمات الدولية ومنظمات المجتمع المدني أن تسهم في تطوير بنية تحتية رقمية آمنة، وتبادل أفضل الممارسات، وتعزيز القدرات داخل المؤسسات السورية.
التكنولوجيا كأداة للمساءلة
مع دخول سوريا مرحلة جديدة من تاريخها، سيكون إعادة بناء الثقة بين المواطنين والدولة أحد أكبر التحديات في السنوات المقبلة. فالمؤسسات الشفافة، والحكم الخاضع للمساءلة، والمشاركة العامة الفاعلة تشكل ركائز أساسية لمستقبل مستقر قائم على احترام الحقوق.
ورغم أن الحوكمة الرقمية لا تمثل حلاً شاملاً، فإنها تتيح فرصة لبناء إدارة عامة أكثر شفافية ومساءلة، وأكثر قدرة على خدمة الشعب السوري.
ففي مواجهة الفساد، يمكن للحوكمة الرقمية أن تسهم في إنشاء مؤسسات يصعب التلاعب بها، ويسهل مراقبتها، وتكون أكثر استجابة لاحتياجات المواطنين.
بقلم: الريم كمال، مسؤولة قانونية، وحدة حقوق الإنسان والأعمال التجارية
