16 يونيو, 2026 | | هذا المنشور متوفر أيضاً باللغة : الإنجليزية

ع دخول سوريا مرحلة سياسية جديدة، انتقلت أسئلة العدالة الانتقالية من نطاق النقاش النظري إلى حيز التطبيق العملي الملح. فمن سيُحاسب على الانتهاكات التي شهدتها البلاد خلال العقد الماضي؟ وما هي الآليات القادرة على توفير جبر ضرر حقيقي وفعّال؟ والأهم، هل ستقتصر المساءلة على الأفراد المتورطين مباشرة في الانتهاكات، أم ستمتد أيضاً إلى الجهات الاقتصادية التي ساهمت في تمكينها وتمويلها والاستفادة منها خلال السنوات الخمس عشرة الماضية؟
هذه الأسئلة ليست جديدة. فقد واجهت المجتمعات الخارجة من النزاعات، من نورمبرغ إلى بوغوتا، تحديات مماثلة تتعلق بدور الشركات في إدامة العنف، وكانت النتائج في كثير من الأحيان مخيبة للآمال. ففي وقت سابق من هذا العام، أدانت المحكمة الجنائية في باريس شركة الإسمنت العملاقة “لافارج” بتمويل الإرهاب وانتهاك العقوبات الدولية خلال عملياتها في سوريا، في حكم تاريخي يعكس تنامياً في الاعتراف بمسؤولية الشركات عن التواطؤ في الانتهاكات الجسيمة. ومع ذلك، تبقى قضية لافارج استثناءً أكثر من كونها قاعدة. إذ تكشف مراجعة مقارنة لخمسة سياقات للعدالة الانتقالية — ألمانيا، وجنوب أفريقيا، والبوسنة والهرسك، وكولومبيا، وسيراليون — عن نمط متكرر يتمثل في أن أطر العدالة الانتقالية، رغم اعترافها المتزايد بدور الجهات الاقتصادية في النزاعات، فشلت إلى حد كبير في ترجمة هذا الاعتراف إلى مساءلة قابلة للتنفيذ. وبالنسبة لسوريا، فإن استيعاب دروس هذه التجارب ليس خياراً، بل ضرورة أساسية عند تصميم أي إطار للعدالة الانتقالية.
فجوة تتكرر باستمرار
تعكس “فجوة مساءلة الشركات” هيمنة النماذج القانونية التقليدية التي تركز على الدولة أو على المسؤولية الجنائية الفردية. وغالباً ما يُشار إلى محاكمات نورمبرغ العسكرية باعتبارها سابقة تأسيسية في هذا المجال، إلا أن السجل التاريخي أكثر تعقيداً مما يوحي به هذا التصور. فبينما لم تُحاكم الشركات كأشخاص اعتباريين بصورة رسمية، جرت محاكمة عدد من كبار الصناعيين بسبب تمويل قوات الأمن الخاصة النازية (SS)، والاستفادة من العمل القسري، ودعم الاقتصاد الحربي النازي. كما أن تفكيك شركة IG Farben شكّل دليلاً على إمكانية إخضاع الكيانات الاقتصادية لإجراءات عقابية حتى في غياب إدانة جنائية مباشرة.
ولا تكمن أهمية تجربة نورمبرغ في إثبات استحالة مساءلة الشركات قانونياً، بل في إظهار أن هذه المساءلة تحتاج إلى أدوات قانونية مصممة خصيصاً لضمان فعاليتها. ففي غياب هذه الأدوات، ستقوض الضغوط السياسية والاقتصادية أي مكاسب يتم تحقيقها. وقد خُففت بالفعل العديد من الأحكام الصادرة بحق الصناعيين أو أُلغيت لاحقاً عندما أعطت القوى الغربية الأولوية لإعادة الإعمار والاستقرار الجيوسياسي. وبالنسبة لسوريا، فإن أوجه الشبه واضحة؛ إذ إن مقاومة الضغوط الرامية إلى تطبيع العلاقات الاقتصادية على حساب المساءلة تتطلب إدراج ضمانات قانونية صريحة منذ البداية.
المشاركة الطوعية ليست كافية
اعترفت لجنة الحقيقة والمصالحة في جنوب أفريقيا، من خلال جلسات الاستماع الخاصة بالأعمال التجارية والعمل عام 1997، بالدور الذي لعبته الشركات في دعم نظام الفصل العنصري. إلا أن مشاركة الشركات جاءت على أساس طوعي، كما أن اللجنة لم تمتلك صلاحيات تنفيذية، الأمر الذي جعل نتائجها غير ملزمة ولم يترتب عليها أي شكل من أشكال المساءلة أو التعويضات.
كما أظهرت قضية “خولوماني” القضائية الإمكانات والقيود الكبيرة للاعتماد على المحاكم الأجنبية لسد فجوات المساءلة المحلية. فعندما تدخلت حكومتا جنوب أفريقيا والولايات المتحدة لإعاقة القضية، أدى ذلك إلى تعطيل جهود المساءلة وحرمان الضحايا من سبل الانتصاف الفعالة.
وتؤكد التجربة الكولومبية الأحدث الدرس ذاته. فرغم امتلاك كولومبيا نظاماً متقدماً للعدالة الانتقالية يقوم على ثلاثة أركان، ما تزال الجهات الاقتصادية خاضعة لمشاركة طوعية فقط. وقد وثق التقرير النهائي للجنة الحقيقة كيف ساهمت جهات اقتصادية في تسهيل العنف من خلال الاستيلاء على الأراضي وإبرام عقود لتأمين الحماية العسكرية للبنية التحتية التابعة للشركات. ومع ذلك، لم تتحول هذه التوثيقات إلى مساءلة فعلية بسبب غياب الاختصاص الإلزامي.
أما الحكم الصادر عام 2024 ضد شركة “تشيكيتا براندز”، والذي مثّل أول مرة تُحمّل فيها هيئة محلفين أمريكية شركة مسؤولية عن انتهاكات حقوق الإنسان في الخارج، فقد استغرق سبعة عشر عاماً من التقاضي. ويُظهر ذلك بوضوح أن الإجراءات القضائية الأجنبية لا يمكن أن تكون بديلاً عن آليات وطنية قوية وفعالة.
تجاهل الفاعلين المحليين
وتقدم تجربة البوسنة والهرسك مثالاً تحذيرياً آخر، ذا أهمية خاصة بالنسبة للمشهد الاقتصادي السوري المتشظي. فقد أولت المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بيوغوسلافيا السابقة اهتماماً كبيراً بالمساءلة الجنائية الفردية، لكنها تجاهلت بالكامل الاقتصاد السياسي للنزاع. كما أعطى اتفاق دايتون الأولوية لإعادة بناء الاقتصاد والأسواق على حساب المساءلة، ما سمح للنخب التي راكمت نفوذها أثناء الحرب بترسيخ قوتها الاقتصادية خلال مرحلة ما بعد النزاع.
والأهم من ذلك أن أوجه القصور في هذا الإطار لم تقتصر على الشركات الكبرى، بل شملت أيضاً الجهات الاقتصادية المحلية المتجذرة في المجتمع، والتي ساهمت مادياً في تمكين العنف خلال الحرب دون أن تخضع لأي تدقيق أو مساءلة. وبالنسبة لسوريا، حيث لعبت شبكات الأعمال المحلية دوراً مهماً في دعم انتهاكات النظام واستدامتها، فإن أي إطار يركز حصراً على الفاعلين الكبار أو الشخصيات البارزة يخاطر بالإبقاء على البنى الاقتصادية التي مكّنت النزاع واستفادت منه.
ما الذي تحتاجه سوريا؟
تشير التجارب المقارنة إلى مجموعة من المتطلبات الأساسية التي ينبغي أخذها في الاعتبار عند تصميم إطار العدالة الانتقالية في سوريا.
ويتمثل أول هذه المتطلبات في إخضاع الجهات الاقتصادية لاختصاص إلزامي وواضح. ففي جميع الحالات التي تمت دراستها، أسفرت المشاركة الطوعية عن النتيجة ذاتها: توثيق الانتهاكات دون أن يقابله أي شكل حقيقي من أشكال المساءلة. لذلك، ينبغي أن يتضمن أي إطار سوري ولاية إلزامية على الكيانات الاقتصادية والأفراد الذين يتصرفون بصفتهم التجارية، مع توفير ضمانات تحمي هذه الآليات من التدخلات السياسية.
كما يجب أن يعالج الإطار مختلف أشكال التواطؤ الاقتصادي. فتجربة سيراليون في تمويل النزاعات عبر تجارة الألماس توضح أن اقتصادات الحرب تعمل من خلال شبكات متداخلة ومعقدة، بينما تكشف تجربة البوسنة عن مخاطر تجاهل الفاعلين المحليين بالكامل.
كما ينبغي تمكين المجتمع المدني بصورة مؤسسية تتجاوز المشاركة الرمزية أو الشكلية. فقد أظهرت منظمات كولومبية مثل “ديجوستيسيا Dejusticia” و”مختبر مساءلة الشركات Corporate Accountability Lab” كيف يمكن للضغط الحقوقي المستمر أن يحقق نتائج ملموسة. وفي السياق السوري، ينبغي منح منظمات المجتمع المدني، بما في ذلك منظمات الشتات التي تمتلك خبرات قانونية كبيرة، دوراً رسمياً داخل آليات العدالة الانتقالية، مع توفير صلاحيات تضمن أن تكون مشاركتها مؤثرة وفاعلة.
لا تزال ملامح العدالة الانتقالية في سوريا قيد التشكّل. والقرارات التي تُتخذ اليوم بشأن تصميم المؤسسات والتعامل مع الجهات الاقتصادية ستحدد ما إذا كانت المساءلة ستتحقق فعلاً أم ستُؤجَّل مرة أخرى لصالح أولويات إعادة الإعمار والاعتبارات السياسية الآنية. إن معالجة فجوة مساءلة الشركات ليست مسألة ثانوية أو هامشية، بل عنصر أساسي في تحديد ما إذا كانت العدالة الانتقالية في سوريا ستفضي إلى مساءلة حقيقية أم ستتحول إلى مجرد عملية لإدارة الماضي دون محاسبة فعلية.
إعداد: عليا خلوف
متدربة قانونية في وحدة حقوق الإنسان والأعمال (HRBU)
خريجة بكالوريوس القانون (LLB) – كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية (LSE)
