15 يوليو, 2026    |      |    هذا المنشور متوفر أيضاً باللغة : الإنجليزية

شهدت سوريا الشهر الماضي موجةً من الإضرابات في عدد من شركات القطاع الخاص. بدأت هذه التحركات في مصنع زنوبيا للسيراميك جنوب دمشق، حيث لم يقتصر مطلب العمال على زيادة الأجور، بل شمل أيضاً تحسين الرعاية الطبية، وتأمين التأمين الصحي، وتوفير خدمات الإسعافات الأولية، ووجود طبيب داخل المنشأة.

وسرعان ما تجاوزت الاحتجاجات حدود المصنع، لتظهر إضرابات واعتصامات مماثلة في شركات أخرى، من بينها شركة الحافظ وشركة مدار. والرسالة التي حملتها هذه التحركات واضحة: لا ينبغي التعامل مع حماية حقوق العمال باعتبارها قضية ثانوية، بل بوصفها عنصراً أساسياً في قوة واستدامة تعافي سوريا.

التزامات سوريا الدولية

بصفتها الجهة الأساسية المسؤولة عن ضمان حقوق الإنسان، يقع على عاتق الحكومة الانتقالية طيف واسع من الالتزامات بموجب القانون الدولي. فقد انضمت سوريا إلى العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية عام 1969. وتنص المادة السادسة من العهد على حق كل إنسان في العمل، بما يشمل حقه في كسب رزقه من خلال عمل يختاره أو يقبله بحرية، مع التزام الدولة باتخاذ التدابير المناسبة لحماية هذا الحق. أما المادة السابعة فتذهب أبعد من ذلك، إذ تقر بحق كل فرد في التمتع بشروط عمل عادلة وملائمة، تشمل الأجر المنصف وضمان تساوي الأجور مقابل الأعمال ذات القيمة المتكافئة، ومستوى معيشي لائق للعامل وأسرته، وظروف عمل آمنة وصحية، وتكافؤ الفرص في الترقية، والراحة، وساعات العمل المعقولة، والإجازات المدفوعة.

وعند قراءة هذه الأحكام إلى جانب ما يقرره العهد من حق في مستوى معيشي لائق والحق في الصحة، يتضح أنها تعكس بدقة المطالب التي رفعها عمال مصنع زنوبيا.

وعلاوة على ذلك، تُعد سوريا عضواً قديماً في منظمة العمل الدولية، وقد صدّقت على الاتفاقيات الأساسية للمنظمة، بما فيها اتفاقيتا الحرية النقابية والحق في التنظيم والمفاوضة الجماعية (رقما 87 و98)، واتفاقية المساواة في الأجور (رقم 100)، واتفاقية منع التمييز في الاستخدام والمهنة (رقم 111)، واتفاقيتا القضاء على العمل الجبري (رقما 29 و105)، إضافة إلى اتفاقية تفتيش العمل (رقم 81)، والأهم اتفاقية السلامة والصحة المهنية (رقم 155)، وكانت من أوائل الدول العربية التي صادقت عليها. ومن ثم، فإن ظروف العمل الآمنة والصحية التي طالب بها عمال زنوبيا ليست مطلباً جديداً، بل التزاماً قانونياً قائماً على الدولة.

وعليه، فإن المشكلة لا تكمن في غياب التصديق على الاتفاقيات، بل في الفجوة بين التصديق والتنفيذ. فما زال العمال يضطرون إلى وقف الإنتاج للمطالبة بتوفير الإسعافات الأولية، ووجود طبيب في موقع العمل، وتأمين صحي أساسي، رغم أن اتفاقية رقم 155 تُلزم الدولة أصلاً بضمان هذه الحقوق.

وتزداد هذه الفجوة اتساعاً لأن سوريا لم تصادق بعد على اتفاقية الإطار الترويجي للسلامة والصحة المهنية (رقم 187)، ولا اتفاقية الضمان الاجتماعي (المعايير الدنيا) (رقم 102)، ولا اتفاقية تحديد الحد الأدنى للأجور (رقم 131)، وهي اتفاقيات من شأنها أن تؤسس لنظام حماية اجتماعية متكامل ولحد أدنى للأجور يتماشى مع تكاليف المعيشة. ولذلك، ينبغي أن يُنظر إلى التصديق على هذه الاتفاقيات، والأهم من ذلك تنفيذها، باعتباره جزءاً محورياً من عملية الإصلاح.

ومع ذلك، فإن تأخر الدولة في إصلاح منظومة الحماية العمالية وتعزيزها وتطبيقها لا ينبغي أن يُفهم من قبل الشركات على أنه غياب لمسؤولياتها. فوفقاً للمبادئ التوجيهية للأمم المتحدة بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان، تتحمل الشركات مسؤولية مستقلة عن الدولة في احترام حقوق الإنسان، بما في ذلك الحقوق المنصوص عليها في العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية واتفاقيات منظمة العمل الدولية.

إشكالية “الامتثال”

عندما أضرب عمال مصنع زنوبيا مطالبين بتعزيز حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية، وتأمين أجور تكفل حياة كريمة في ظل تدهور الظروف المعيشية، وتحسين بيئة العمل، وتوفير الحماية الاجتماعية، والتأمين الصحي، والإسعافات الأولية، جاء رد الشركة بالإشارة إلى أنها ملتزمة بقانون العمل السوري.

وهنا تكمن المشكلة.

فإذا كان قانون العمل ذاته غير كافٍ ولا يعكس المعايير الدولية، فإن “الامتثال” له قد يتحول إلى ستار يحجب أوجه القصور الحقيقية. وعندما يكون القانون أدنى من المعايير الدولية، فإن الالتزام به لا يعفي الدولة من مسؤوليتها عن الإخفاق في الوفاء بالتزاماتها القانونية الدولية، بما في ذلك ضمان الحق في ظروف عمل عادلة وملائمة، والحق في مستوى معيشي لائق، والحق في الصحة، وغيرها من الحقوق الأساسية.

إن نموذجاً اقتصادياً يقوم على إبقاء العمال دون مستوى الكفاف ليس نموذجاً مستداماً، كما أن إطاراً قانونياً يسمح بذلك لا يمكن أن يشكل أساساً للتعافي الذي يتطلع إليه السوريون. فالإصلاح الحقيقي يتطلب وضع حد أدنى للأجور قابل للتنفيذ ويتناسب مع تكاليف المعيشة، وتفعيل نظام منتظم لتفتيش العمل، وفرض التزامات حقيقية في مجال السلامة والصحة المهنية، وإنشاء آليات فعالة وموثوقة لتلقي شكاوى العمال ومعالجتها.

إن حماية حقوق العمال ليست عقبة في طريق تعافي سوريا، بل هي أحد أهم المسارات المؤدية إليه.

اختبار لسوريا الجديدة

ينبغي للحكومة والقطاع الخاص ألا يغفلا حقيقة أن العمال ليسوا عنصراً هامشياً في عملية إعادة الإعمار، بل هم أساسها. فالتعافي الحقيقي يجب أن يحمي أولئك الذين يقوم على جهودهم. واحترام حقوق العمال لا يفرض أعباءً غير مبررة على أصحاب العمل، بل يسهم في استدامة النشاط الاقتصادي والتعافي على المدى الطويل، من خلال بناء اقتصاد قادر على الاستمرار، لا اقتصاد يقوم على استنزاف من يحملونه على أكتافهم.

ولا تقتصر هذه القضية على بعدها الاقتصادي فحسب. فالمطالبة بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وبالكرامة، وبالأجور العادلة، وبحياة لا يحكمها الحرمان، كانت من بين الدوافع الأساسية التي أشعلت الثورة السورية. ومن ثم، فإن الإخفاق في إنصاف العمال في هذه المرحلة المفصلية من تاريخ البلاد سيكون إخفاقاً في الوفاء بالقيم التي ناضل من أجلها وضحّى بحياته كثير من السوريين، وكان العمال في مقدمتهم.

وإذا كانت سوريا تسعى إلى بناء دولة ديمقراطية عادلة تحترم حقوق الإنسان، ويُعامل فيها جميع المواطنين على قدم المساواة، فإن إصلاح قانون العمل ليس مسألة فنية أو هامشية، بل جزء جوهري من هذا المشروع الوطني، وأحد المعايير التي سيُقاس بها مدى وفاء سوريا الجديدة بالوعود التي قُدمت باسم من ناضلوا من أجلها.

إعداد: الريم كمال، مسؤولة قانونية، وحدة حقوق الإنسان والأعمال التجارية، البرنامج السوري للتطوير القانوني.

إصلاح قانون العمل ركيزة أساسية لتعافي سوريا

15 يوليو, 2026    |      |    هذا المنشور متوفر أيضاً باللغة : الإنجليزية

شهدت سوريا الشهر الماضي موجةً من الإضرابات في عدد من شركات القطاع الخاص. بدأت هذه التحركات في مصنع زنوبيا للسيراميك جنوب دمشق، حيث لم يقتصر مطلب العمال على زيادة الأجور، بل شمل أيضاً تحسين الرعاية الطبية، وتأمين التأمين الصحي، وتوفير خدمات الإسعافات الأولية، ووجود طبيب داخل المنشأة.

وسرعان ما تجاوزت الاحتجاجات حدود المصنع، لتظهر إضرابات واعتصامات مماثلة في شركات أخرى، من بينها شركة الحافظ وشركة مدار. والرسالة التي حملتها هذه التحركات واضحة: لا ينبغي التعامل مع حماية حقوق العمال باعتبارها قضية ثانوية، بل بوصفها عنصراً أساسياً في قوة واستدامة تعافي سوريا.

التزامات سوريا الدولية

بصفتها الجهة الأساسية المسؤولة عن ضمان حقوق الإنسان، يقع على عاتق الحكومة الانتقالية طيف واسع من الالتزامات بموجب القانون الدولي. فقد انضمت سوريا إلى العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية عام 1969. وتنص المادة السادسة من العهد على حق كل إنسان في العمل، بما يشمل حقه في كسب رزقه من خلال عمل يختاره أو يقبله بحرية، مع التزام الدولة باتخاذ التدابير المناسبة لحماية هذا الحق. أما المادة السابعة فتذهب أبعد من ذلك، إذ تقر بحق كل فرد في التمتع بشروط عمل عادلة وملائمة، تشمل الأجر المنصف وضمان تساوي الأجور مقابل الأعمال ذات القيمة المتكافئة، ومستوى معيشي لائق للعامل وأسرته، وظروف عمل آمنة وصحية، وتكافؤ الفرص في الترقية، والراحة، وساعات العمل المعقولة، والإجازات المدفوعة.

وعند قراءة هذه الأحكام إلى جانب ما يقرره العهد من حق في مستوى معيشي لائق والحق في الصحة، يتضح أنها تعكس بدقة المطالب التي رفعها عمال مصنع زنوبيا.

وعلاوة على ذلك، تُعد سوريا عضواً قديماً في منظمة العمل الدولية، وقد صدّقت على الاتفاقيات الأساسية للمنظمة، بما فيها اتفاقيتا الحرية النقابية والحق في التنظيم والمفاوضة الجماعية (رقما 87 و98)، واتفاقية المساواة في الأجور (رقم 100)، واتفاقية منع التمييز في الاستخدام والمهنة (رقم 111)، واتفاقيتا القضاء على العمل الجبري (رقما 29 و105)، إضافة إلى اتفاقية تفتيش العمل (رقم 81)، والأهم اتفاقية السلامة والصحة المهنية (رقم 155)، وكانت من أوائل الدول العربية التي صادقت عليها. ومن ثم، فإن ظروف العمل الآمنة والصحية التي طالب بها عمال زنوبيا ليست مطلباً جديداً، بل التزاماً قانونياً قائماً على الدولة.

وعليه، فإن المشكلة لا تكمن في غياب التصديق على الاتفاقيات، بل في الفجوة بين التصديق والتنفيذ. فما زال العمال يضطرون إلى وقف الإنتاج للمطالبة بتوفير الإسعافات الأولية، ووجود طبيب في موقع العمل، وتأمين صحي أساسي، رغم أن اتفاقية رقم 155 تُلزم الدولة أصلاً بضمان هذه الحقوق.

وتزداد هذه الفجوة اتساعاً لأن سوريا لم تصادق بعد على اتفاقية الإطار الترويجي للسلامة والصحة المهنية (رقم 187)، ولا اتفاقية الضمان الاجتماعي (المعايير الدنيا) (رقم 102)، ولا اتفاقية تحديد الحد الأدنى للأجور (رقم 131)، وهي اتفاقيات من شأنها أن تؤسس لنظام حماية اجتماعية متكامل ولحد أدنى للأجور يتماشى مع تكاليف المعيشة. ولذلك، ينبغي أن يُنظر إلى التصديق على هذه الاتفاقيات، والأهم من ذلك تنفيذها، باعتباره جزءاً محورياً من عملية الإصلاح.

ومع ذلك، فإن تأخر الدولة في إصلاح منظومة الحماية العمالية وتعزيزها وتطبيقها لا ينبغي أن يُفهم من قبل الشركات على أنه غياب لمسؤولياتها. فوفقاً للمبادئ التوجيهية للأمم المتحدة بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان، تتحمل الشركات مسؤولية مستقلة عن الدولة في احترام حقوق الإنسان، بما في ذلك الحقوق المنصوص عليها في العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية واتفاقيات منظمة العمل الدولية.

إشكالية “الامتثال”

عندما أضرب عمال مصنع زنوبيا مطالبين بتعزيز حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية، وتأمين أجور تكفل حياة كريمة في ظل تدهور الظروف المعيشية، وتحسين بيئة العمل، وتوفير الحماية الاجتماعية، والتأمين الصحي، والإسعافات الأولية، جاء رد الشركة بالإشارة إلى أنها ملتزمة بقانون العمل السوري.

وهنا تكمن المشكلة.

فإذا كان قانون العمل ذاته غير كافٍ ولا يعكس المعايير الدولية، فإن “الامتثال” له قد يتحول إلى ستار يحجب أوجه القصور الحقيقية. وعندما يكون القانون أدنى من المعايير الدولية، فإن الالتزام به لا يعفي الدولة من مسؤوليتها عن الإخفاق في الوفاء بالتزاماتها القانونية الدولية، بما في ذلك ضمان الحق في ظروف عمل عادلة وملائمة، والحق في مستوى معيشي لائق، والحق في الصحة، وغيرها من الحقوق الأساسية.

إن نموذجاً اقتصادياً يقوم على إبقاء العمال دون مستوى الكفاف ليس نموذجاً مستداماً، كما أن إطاراً قانونياً يسمح بذلك لا يمكن أن يشكل أساساً للتعافي الذي يتطلع إليه السوريون. فالإصلاح الحقيقي يتطلب وضع حد أدنى للأجور قابل للتنفيذ ويتناسب مع تكاليف المعيشة، وتفعيل نظام منتظم لتفتيش العمل، وفرض التزامات حقيقية في مجال السلامة والصحة المهنية، وإنشاء آليات فعالة وموثوقة لتلقي شكاوى العمال ومعالجتها.

إن حماية حقوق العمال ليست عقبة في طريق تعافي سوريا، بل هي أحد أهم المسارات المؤدية إليه.

اختبار لسوريا الجديدة

ينبغي للحكومة والقطاع الخاص ألا يغفلا حقيقة أن العمال ليسوا عنصراً هامشياً في عملية إعادة الإعمار، بل هم أساسها. فالتعافي الحقيقي يجب أن يحمي أولئك الذين يقوم على جهودهم. واحترام حقوق العمال لا يفرض أعباءً غير مبررة على أصحاب العمل، بل يسهم في استدامة النشاط الاقتصادي والتعافي على المدى الطويل، من خلال بناء اقتصاد قادر على الاستمرار، لا اقتصاد يقوم على استنزاف من يحملونه على أكتافهم.

ولا تقتصر هذه القضية على بعدها الاقتصادي فحسب. فالمطالبة بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وبالكرامة، وبالأجور العادلة، وبحياة لا يحكمها الحرمان، كانت من بين الدوافع الأساسية التي أشعلت الثورة السورية. ومن ثم، فإن الإخفاق في إنصاف العمال في هذه المرحلة المفصلية من تاريخ البلاد سيكون إخفاقاً في الوفاء بالقيم التي ناضل من أجلها وضحّى بحياته كثير من السوريين، وكان العمال في مقدمتهم.

وإذا كانت سوريا تسعى إلى بناء دولة ديمقراطية عادلة تحترم حقوق الإنسان، ويُعامل فيها جميع المواطنين على قدم المساواة، فإن إصلاح قانون العمل ليس مسألة فنية أو هامشية، بل جزء جوهري من هذا المشروع الوطني، وأحد المعايير التي سيُقاس بها مدى وفاء سوريا الجديدة بالوعود التي قُدمت باسم من ناضلوا من أجلها.

إعداد: الريم كمال، مسؤولة قانونية، وحدة حقوق الإنسان والأعمال التجارية، البرنامج السوري للتطوير القانوني.

Advisory Services Enquiry


Please enable JavaScript in your browser to complete this form.
Preferred Mode of Consultation:

This will close in 0 seconds

استفسار عن خدمات الاستشارات


Please enable JavaScript in your browser to complete this form.
طريقة التواصل المفضلة

This will close in 0 seconds