1 سبتمبر, 2026 | | هذا المنشور متوفر أيضاً باللغة : الإنجليزية

لا تكتمل العدالة بمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات وحدها. فالضحايا يحتاجون أيضاً إلى ما يساعدهم على استعادة حقوقهم وإعادة بناء حياتهم. من هنا، تأتي أهمية إنشاء صندوق للضحايا في سوريا، وضرورة دعم جهود الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية في هذا الاتجاه. لكن نجاح الصندوق يتوقف على المبدأ الذي ينطلق منه: الضحايا ليسوا متلقّين للمساعدة، بل أصحاب حقوق. ويجب أن تكون لهم كلمة في إدارته، وأن يعرفوا من أين تأتي أمواله، وكيف تُنفق، ومن يستفيد منها.
الحاجة إلى هذا الصندوق واضحة في حياة السوريين اليومية. فبعد مقتل وإخفاء مئات الآلاف وتهجير الملايين، لا تزال آثار الانتهاكات حاضرة. يحتاج الناجون من المعتقلات إلى العلاج والدعم النفسي، بينما تبحث الأسر عن أبنائها المختفين، ويحاول مهجّرون إثبات ملكيتهم لمنازل فقدوا وثائقها، كما تواجه نساء فقدن أزواجهن صعوبات في تأمين السكن والدخل والخدمات لأسرهن. لم تنتهِ هذه المعاناة بسقوط نظام الأسد، وهي تؤثر في قدرة الضحايا على المشاركة في بناء مستقبل البلاد.
أكثر من مساعدات
ما الفرق بين صندوق للضحايا وبرنامج للمساعدات الإنسانية؟ تستجيب المساعدات الإنسانية للحاجة، بينما يقوم جبر الضرر على الاعتراف بأن شخصاً تعرّض لانتهاك، وأن له حقاً في معالجة آثاره. فالعلاج الذي يحصل عليه ناجٍ من التعذيب، مثلاً، ليس مجرد خدمة صحية، بل جزء من حقه في جبر ما لحق به من أذى.
ولا يقتصر جبر الضرر على التعويض المالي. فقد يشمل إعادة الممتلكات، والعلاج وإعادة التأهيل، وكشف الحقيقة، والاعتراف بمعاناة الضحايا، واتخاذ خطوات تمنع تكرار الانتهاكات. لن يستطيع الصندوق تحقيق ذلك كله، لكنه يمكن أن يكون جزءاً أساسياً من هذا المسار.
في البداية، ينبغي أن يقدّم الصندوق دعماً عاجلاً وبرامج تخدم مجموعات من الضحايا، دون انتظار الانتهاء من دراسة كل مطالبة فردية. ويمكن أن يشمل ذلك الرعاية الصحية والنفسية، والمساعدة القانونية، والتعليم، ودعم سبل العيش، وخدمات لأسر المفقودين والمختفين قسراً. ويجب أن ترتبط هذه البرامج بالأضرار الناتجة عن الانتهاكات، وألّا تتحوّل إلى بديل عن الخدمات العامة أو المساعدات الإنسانية.
ينبغي إعطاء الأولوية للضحايا الأشد حاجة، مع ضمان ألّا يُستبعد أحد بسبب هوية الجهة التي انتهكت حقوقه أو مكان إقامته الحالي. فحق الضحية لا يتغيّر باختلاف مرتكب الانتهاك، ولا يسقط بسبب اللجوء أو النزوح.
وفي الوقت نفسه، لا يجوز أن يصبح الدعم العاجل بديلاً عن الحقوق الأوسع. فالمساعدة في تكاليف العلاج لا تعوّض عن كشف مصير مختفٍ، ودعم الإيجار لا يُسقط الحق في استعادة منزل. لذلك، يجب أن يعمل الصندوق ضمن سياسة وطنية لجبر الضرر، تربط تلبية الاحتياجات الحالية باستعادة الحقوق على المدى الطويل.
لن يكون الصندوق متمحوراً حول الضحايا إذا اقتصر دورهم على الإجابة عن أسئلة بعد اتخاذ القرارات. يجب أن تشارك روابط الضحايا ومنظمات المجتمع المدني السوري في تحديد الأولويات، ومتابعة البرامج، وتقييم النتائج، وأن تكون لها أدوار رسمية في تقديم المشورة والرقابة.
كما يجب نشر معلومات واضحة عن الأموال التي يتلقّاها الصندوق، وأوجه إنفاقها، ومعايير الاستفادة منها واختيار الجهات المنفّذة. وتحتاج هذه العملية إلى رقابة مستقلة، ومساحة لمراجعة الأولويات مع تغيّر الاحتياجات والموارد. هذه الضمانات ضرورية لحماية الصندوق من التدخّل السياسي والمحسوبية وسوء استخدام الأموال، ولبناء ثقة الضحايا به.
من أين يأتي التمويل؟
لا ينبغي أن يعتمد الصندوق على تبرّعات المانحين وحدها. فهناك أموال جُمعت خارج سوريا من غرامات ومصادرات في قضايا تتعلّق بانتهاك العقوبات، ومخالفات ضوابط التصدير، وجرائم مرتبطة بسوريا. وهناك أيضاً أصول يمكن استردادها من رجال أعمال دعموا حرب نظام الأسد وانتهاكاته أو استفادوا منها، إذا ثبتت مصادرها غير المشروعة عبر إجراءات قانونية.
لكن الأموال المحصّلة في الخارج تبقى عموماً في خزائن الدول التي جمعتها، بينما قد تذهب الأصول المستردّة داخل سوريا إلى الموازنة العامة أو مؤسسات حكومية أخرى. والمطلوب هو وضع قواعد تضمن تخصيص حصة مناسبة من هذه الموارد للضحايا مباشرة، بدلاً من أن تبقى معاناتهم منفصلة عن الأموال الناتجة عن محاسبة المسؤولين عنها.
تقدّم أصول رفعت الأسد مثالاً مهماً. فقد أمرت المحاكم الفرنسية بمصادرة عقارات تُقدّر قيمتها بنحو 90 مليون يورو، فيما قُدّرت ممتلكاته في فرنسا وإسبانيا والمملكة المتحدة بمئات الملايين. وفي تموز/يوليو 2026، اتفقت فرنسا وسوريا على البدء بإعادة 51 مليون يورو من الأصول المصادَرة، عبر أنشطة تعاون وتنمية لصالح السوريين. هذه خطوة إيجابية، لكن ينبغي توجيه الأموال المستردّة إلى صندوق الضحايا، ضمن عملية شفافة تعترف بحقوقهم وتشاركهم في تحديد استخدامها.
وتفتح قضايا الشركات المرتبطة بالانتهاكات باباً آخر. ففي نيسان/أبريل 2026، أدانت محكمة فرنسية شركة لافارج بتمويل الإرهاب وانتهاك العقوبات الدولية، وفرضت عليها غرامة قدرها 1.125 مليون يورو. كما أُلزمت الشركة وعدد من المتهمين، بصورة مشتركة، بغرامة جمركية تقارب 4.57 مليون يورو. وفي الولايات المتحدة، أقرّت لافارج بالذنب عام 2022 بتقديم دعم مادي لمنظمات مصنّفة إرهابية، ووافقت على دفع 777.78 مليون دولار من الغرامات والمصادرات.
لم تُنشأ هذه القضايا لتعويض الضحايا السوريين، لكنها تطرح سؤالاً مباشراً: لماذا لا يُخصّص جزء من الأموال الناتجة عنها لمن تضرّروا من الأفعال المرتبطة بها؟ يتطلّب ذلك مسارات قانونية تراعي الأحكام القضائية وحقوق أصحاب المطالبات، إلى جانب بحث مصادر أخرى، مثل عائدات قضايا التهرّب من العقوبات، والفوائد على الأصول المجمّدة حيث يسمح القانون، والتبرّعات.
داخل سوريا، ينبغي أن تسهم الأموال المصادَرة قانوناً من أصحاب الثروات غير المشروعة في دعم الضحايا، لا أن تُنقل حصراً إلى الصندوق السيادي. وقد يشمل ذلك أصولاً مرتبطة بمحمد حمشو وسامر فوز ورامي مخلوف وحسام قاطرجي وغيرهم، إذا أثبتت الجهات المختصة أنها ناتجة عن فساد أو إثراء غير مشروع أو أفعال غير قانونية أخرى.
لكن تجميد الأموال لا يعني جواز مصادرتها تلقائياً، والارتباط بالنظام السابق لا يغني عن إثبات الأساس القانوني للمصادرة. يجب أن تخضع الإجراءات للمراجعة القضائية، وأن تتاح لأصحاب الحقوق فرصة الاعتراض. كما لا يجوز تحويل أموال سبق الحكم بها لضحايا محدّدين إلى الصندوق. فلا يمكن بناء عدالة للضحايا عبر تجاوز الحقوق التي يُفترض أن تحميها.
ينبغي أن تقود الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية وضع سياسة جبر الضرر، مع تعاون دولي لاسترداد الموارد الموجودة في الخارج. ويمكن إنشاء آلية دولية مساندة تتلقّى الأموال المرتبطة بسوريا من الدول المشاركة، وتوجّهها إلى برامج تُعدّ بالتعاون مع الهيئة والضحايا والمجتمع المدني. وقد يوفّر الاتحاد الأوروبي أو الأمم المتحدة أو اتفاق بين دول داعمة إطاراً لهذا العمل، مستفيداً من خبرات المنظمات السورية وتوثيقها.
إن قيمة صندوق الضحايا تُقاس بما يغيّره في حياتهم. فالمحاسبة التي تنتج أموالاً للحكومات ولا تترك للمتضرّرين علاجاً أو تعويضاً أو فرصة لاستعادة حقوقهم تظلّ ناقصة. ويمكن للصندوق أن يصل بين المساءلة والإنصاف، وأن يجعل العدالة الانتقالية أقرب إلى الناس الذين تُقام باسمهم.
بقلم: إياد حميد
مدير وحدة حقوق الإنسان والأعمال التجارية – البرنامج السوري للتطوير القانوني (SLDP)
