يونيو 5, 2024 | مشاهدات [jp_post_view] | تحميل التقرير PDF | هذا المنشور متوفر أيضاً باللغة: الإنجليزية
دراسة
ردًا على حملة القمع العنيفة التي شنها نظام الأسد على الانتفاضة المدنية السلمية في عام 2011 ، والتي تطورت من الرصاص إلى القنابل، فُرضت على سوريا عقوبات أحادية الجانب. هدفت هذه العقوبات إلى إعاقة قدرة النظام على ارتكاب المزيد من الانتهاكات من خلال حرمانه من الموارد التي يحتاجها. ومع ذلك، لا تزال العقوبات تعيق عمليات الإغاثة وتترك السوريين البسطاء يتحملون وطأتها، مما ينتهك تمتُّعهم بمجموعة من حقوق الإنسان. وعلى هذا النحو، ناقش أعضاء المجتمع المدني ومجتمع الإغاثة والمؤسسات متعددة الأطراف العقوبات المفروضة على سوريا باستفاضة في العديد من المحافل.
لكن ما ينقص هذه المناقشات العامة هو نقاش الالتزامات القانونية الدولية المترتبة على الدول التي تفرض العقوبات، وكيف يمكن للامتثال لهذه الواجبات أن يمنع أو يخفف من الآثار السلبية على حقوق الإنسان للسكان في الدولة المستهدفة.
وفي حين أن وحشية النظام السوري وفساده الراسخَين هما المسؤولان الأساسيان عن أي حرمان من حقوق الإنسان للسوريين، فإن هذا الخطاب يدفعنا إلى إعادة النظر في الالتزامات التي يفرضها القانون الدولي على الدول التي تفرض العقوبات. وقد درس البرنامج السوري للتطوير القانوني الالتزامات القانونية الدولية المترتبة على الدول بموجب العقوبات هنا.
العقوبات والقانون الدولي:
بصرف النظر عن واجبات النظام السوري بموجب القانون الدولي في ما يتعلق بتخفيف أثر العقوبات على السوريين، فإن الدول التي تفرضالعقوبات، عليها التزام قانوني دولي بعدم انتهاك حقوق الإنسان للسكان في الدولة المستهدفة.
وفي هذا الصدد، من المهم الإشارة إلى وجود إجماع متزايدٍ على أنَّ الدول عليها التزامات في مجال حقوق الإنسان خارج حدودها الإقليمية تقتضي منها الامتناع عن الأفعال وأوجه التقصير التي تتسبب في خطر حقيقي يتمثل في إبطال أو إعاقة التمتع بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية خارج الحدود الإقليمية. وتنشأ هذه المسؤولية عندما يكون هذا الإبطال أو الإعاقة نتيجة متوقعة لسلوكها.
وفي تعليقها العام لعام 1997 ، أكدت لجنة الأمم المتحدة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية على أنه ”مثلما يُصِرّ المجتمع الدولي على وجوب احترام الحقوق المدنية والسياسية لمواطني أيّ دولة مستهدَفة، يجب على تلك الدولة والمجتمع الدولي نفسه أن يبذلوا كلّ ما في وسعهم لحماية المضمون الأساسي على الأقل للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للشعوب المتضررة في تلك الدولة“.
وفي هذا الصدد، حددت اللجنة ثلاث مسؤوليات تقع على عاتق الدول التي تفرضالعقوبات. الأولى هي وجوب مراعاة الحقوق المنصوص عليها في العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية مراعاة تامة عند تصميم نظام العقوبات. ثانياً، ينبغي إجراء رصد فعال طوال فترة سريان العقوبات. وكما أوضحت اللجنة، فإن الدول التي تفرضالعقوبات تتحمل حتماً مسؤولية بذل كل ما في وسعها لحماية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للسكان المتضررين في الدولة المستهدفة. وأخيراً، يقع على عاتق الدولة الخاضعة للعقوبات التزامٌ ”باتخاذ الخطوات، بشكل فردي ومن خلال المساعدة والتعاون الدوليين، لا سيما الاقتصادية والتقنية“ للاستجابة لأي معاناة غير متناسبة تتعرضلها الفئات الضعيفة داخل الدولة المستهدفة.
وإلى جانب القانون الدولي لحقوق الإنسان، يحدد القانون الإنساني الدولي أيضًا القواعد المتعلقة بتطبيق العقوبات في حالات النزاع المسلح. وفي حين أن هذا الأخير، كما تُلاحظ سيغال، لا يشير تحديداً إلى العقوبات ولا يتناول آثارها على السكان المدنيين، إلَّا أن القواعد العامة المتعلقة بحماية المدنيين من آثار سير الأعمال العدائية تنطبق.
ويترتب على ذلك أنّ قرار فرض العقوبات يجب أن يأخذ قواعد الحرب في الحسبان، لا سيما في ما يتعلق بالإمدادات الطبية والغذائية. فالدول ملزمة بمراعاة الحق في المساعدة الإنسانية. وعلى هذا النحو، يجب أن تنصأنظمة العقوبات على استثناءات إنسانية فعالة. كما يجب رصد هذه الاستثناءات باستمرار لتقييم آثارها على المديَيْن القصير والطويل. وإذا كان من المحتمل أن يؤدي نظام العقوبات إلى مشقة على السكان المدنيين، فيجب أن يتطلب قراره توفير مساعدات إنسانية كافية لضمان عدم تهديد حياة السكان وصحتهم.
الأثر غير المقصود للعقوبات على سوريا
ما لم تُحترم هذه الالتزامات، فإن الدول التي تستهدف سوريا بالعقوبات تخاطر بعدم الوفاء بالتزامها بالامتناع عن التسبب في آثار سلبية على حقوق الإنسان للسكان. ووفقًا لمنظمة هيومن رايتس ووتش، فإنه على الرغم من الاستثناءات الإنسانية، بما في ذلك الإعفاءات الدائمة، فإن العقوبات التي لا تُطبّق بشكل فعال قد تستمر في التأثير سلبًا على العمليات الإنسانية في سوريا وتُفاقم الأزمة الاقتصادية في البلاد.
كما كان للتقييد وعدم الوضوح المحيط بالاستثناءات تأثير مُفزِع، مما دفع المؤسسات المالية إلى إنهاء أو تقييد العلاقات مع الأفراد أو الكيانات السورية، حتى في ما يتعلق بالقطاعات غير الخاضعة للعقوبات. وقد جعل هذا الأمر من الصعب على مجموعات الإغاثة إدارة برامج في سوريا وتحويل الأموال إلى البلاد، حتى حينما يكون غرَضُالمعاملات دعم الأنشطة المعفاة من العقوبات. يجب على الدول التي تفرض العقوبات أن تضمن معالجة الإفراط في الامتثال من قِبل القطاع الخاص معالجة ناجعة كجزء من التزامها باحترام حقوق الإنسان للسكان في الدولة المستهدفة.
الخلاصة
تشير العقوبات في كثير من الأحيان إلى عدم موافقة الدول على سلوك معيَّن، أي انتهاكات القانون الدولي، وبالتالي قد تكون بمثابة أداة استراتيجية لثني الدول المستهدَفة عن ارتكاب أفعال غير مشروعة دوليًا وحثّها على الامتثال لالتزاماتها القانونية الدولية. ومع ذلك، عندما تُصمم العقوبات وتُنفّذ بطريقة تتجاهل حقوق الإنسان للسكان المدنيين المتضررين، فإن الدول التي تفرضالعقوبات تُخاطر بانتهاك المعايير الدولية نفسها.
لا يمكن إنكار أنّ النظام السوري يتلاعب بالعقوبات ويستخدمها بشكل عقابيٍّ كذريعة لزيادة حرمان السوريين من احتياجاتهم الأساسية. وفي الوقت الذي يُدين فيه نظام الأسد العقوبات الأحادية الجانب باعتبارها مصدر المشاكل الاقتصادية التي تعاني منها البلاد، فإنه يتباهى بنجاحه في الالتفاف عليها.
وفي الوقت نفسه، من الواضح أن العقوبات ضاعفت الأزمة الاقتصادية في سوريا وأعاقت بشكل غير مباشر عمليات الإغاثة. لكنّ مثل هذه الآثار السلبية ليست حتمية؛ فقد خلُصت دراسة رئيسية أُعِدّت للأمم المتحدة إلى أنه ”يمكن اتخاذ قرارات للحدّ من معاناة الأطفال أو التقليل من العواقب السلبية الأخرى مِن دون تعريضأهداف السياسة العامة للعقوبات إلى الخطر“.
وبالتالي، من الأهمية بمكان أن تراعي جميع الدول المعنية التزاماتها القانونية الدولية في هذا الصدد، وأن تعمل على ضمان حماية حقوق الإنسان للسكان المدنيين في سوريا.