15 اغسطس, 2026 | | هذا المنشور متوفر أيضاً باللغة : الإنجليزية

بينما تسعى سوريا في المرحلة الانتقالية إلى إعادة بناء مؤسساتها وسياساتها، عاد تنظيم نقل الملكية العقارية إلى واجهة النقاش. فبعد سنوات ارتبط فيها بيع العقارات ونقلها بالحصول على موافقة أمنية، أصدرت وزارة المالية في 30 تموز/يوليو 2025 التعميم رقم 135 الذي ألغى، من حيث التسمية، شرط “الموافقة الأمنية” للحصول على براءة الذمة المالية، واستبدله بوثيقة “لا مانع من إتمام المعاملة العقارية” صالحة لثلاثة أشهر.
لكن تغيير الاسم لا يحسم طبيعة الإجراء الجديد. فالمعلومات الرسمية المتاحة تؤكد أن وزارة الداخلية وقوائم المنع من التصرف ما تزالان جزءاً من منظومة التدقيق، وأن وثيقة “لا مانع” تصدر عبر ما تسميه الجهات الرسمية “منصة الموافقات الأمنية”. وفي المقابل، لا توجد معلومات منشورة كافية حول قاعدة البيانات التي تعتمد عليها المنصة، أو المعايير التي تحدد من يُمنع من التصرف، أو الجهة التي تتخذ قرار الرفض، أو طريق الاعتراض عليه.
لذلك، لا تكمن المشكلة فقط فيما إذا كانت “لا مانع” اسماً جديداً للموافقة الأمنية القديمة، بل في استمرار إخضاع حق التصرف بالملكية لإذن إداري مسبق لا تزال قواعده وضماناته وحدود تدخل الأجهزة الأمنية فيه غير واضحة.
من إرث الموافقات الأمنية إلى “لا مانع”
في عهد الأسد، توسع استخدام الموافقات الأمنية تدريجياً ليشمل معاملات مدنية وعقارية متعددة. وفي عام 2015، فُرضت الموافقة الأمنية المسبقة على البيوع العقارية وفروغ المحلات في المناطق المنظمة وغير المنظمة. وعملياً، أصبح إنجاز معاملة قانونية متوقفاً على قرار أمني لا يستند إلى معايير منشورة ولا يخضع لمسار واضح للطعن، ما حوّل الموافقة إلى أداة لتقييد قدرة المواطنين، ولا سيما المعارضين والملاحقين والمهجّرين، على إدارة ممتلكاتهم والتصرف بها.
بعد سقوط النظام، لم تنتقل المعاملات العقارية مباشرة إلى نموذج مدني خالٍ من التدقيق الأمني. فقد أوقفت وزارة المالية منح براءات الذمة اللازمة لنقل الملكية، ثم أصدرت في حزيران/يونيو 2025 التعميم رقم 87، الذي برر التعليق بالخوف من تهريب أملاك مسؤولين ومتورطين مع النظام السابق. ونص التعميم على أن وزارة الداخلية أعدت قوائم بأسماء أشخاص وأقارب لهم محرومين من التداول، وأن استئناف منح براءات الذمة سيستثني الأسماء الموجودة على تلك القوائم.
بعد ذلك، جاء التعميم 135 ليعلن إلغاء “الموافقة الأمنية” كشرط لبراءة الذمة واستبدالها بوثيقة “لا مانع”. وأوضحت الهيئة العامة للضرائب والرسوم أن الوثيقة مطلوبة في طيف واسع من التصرفات، بما فيها البيع والهبة والمبادلة وانتقال الإرث وبعض الوكالات وتأسيس الشركات، وأنها تصدر عن منصة الموافقات الأمنية وتبقى نافذة ثلاثة أشهر.
هذه الوقائع تجعل من الصعب التعامل مع “لا مانع” باعتبارها إجراءً مالياً بحتاً. لكنّها، في الوقت نفسه، لا تكفي لإثبات أن المنصة تستخدم قاعدة البيانات الأمنية نفسها التي استخدمها نظام الأسد، أو أن معايير الرفض الحالية هي ذاتها معايير الملاحقة السياسية السابقة. وهذه نقطة مهمة: التشابه المؤسسي والإجرائي يثير أسئلة جدية، لكنه لا يغني عن الدليل.
ما الذي نعرفه عن التدقيق الحالي؟
في حزيران/يونيو 2026، أعلنت وزارة الداخلية أن «إدارة المعلومات»، بالتعاون مع جهات حكومية أخرى، أنهت دراسة وتدقيق أكثر من 850 ألف قيد مرتبط بإجراءات نقل الملكية، وأنها استكملت بيانات ناقصة في القواعد المركزية للنظام البائد، ورفعت قيوداً وإشارات منع عن عدد كبير من أصحابها، مع حصر قائمة المنع من التصرف بالأشخاص “المشمولين إجرائياً”.
هذا الإعلان يقدّم معلومة مهمة لم تكن واضحة عند صدور التعميم 135: وزارة الداخلية ليست بعيدة عن عملية نقل الملكية، بل تقوم جهة تابعة لها بتدقيق بيانات وقيود مرتبطة بها، وتوجد قائمة منع من التصرف يجري تحديثها. لكنه لا يجيب عن الأسئلة الأساسية: ما المقصود بـ”المشمولين إجرائياً”؟ ما السند القانوني لإدراج شخص على القائمة؟ هل يستند المنع إلى حكم أو قرار قضائي، أم إلى قرار إداري؟ ما البيانات التي تستخدمها إدارة المعلومات؟ وهل يستطيع المواطن معرفة سبب منعه والطعن فيه أمام جهة مستقلة؟
غياب هذه المعلومات ليس مسألة تقنية. فخلال عام 2026 ظهرت حالات تأخرت فيها وثائق «لا مانع» أشهراً، وحالات طُلب فيها من أصحاب العلاقة مراجعة الأمن الداخلي قبل استكمال البيع. وفي ظل غياب مهلة معلنة وملزمة للبت بالطلب، وأسباب مكتوبة للرفض، ومسار اعتراض واضح، يمكن أن يتحول الإجراء إلى عائق فعلي أمام التصرف بالملكية، حتى عندما يكون الهدف المعلن منه مشروعاً، مثل منع تهريب أصول أشخاص متورطين في جرائم أو فساد.
حقوق الملكية لا تُحمى بالغموض
ينص الإعلان الدستوري لعام 2025 على أن الملكية الخاصة مصونة، ويضمن حق التقاضي والطعن ويحظر تحصين القرارات الإدارية من رقابة القضاء. والأهم أن المادة 48 تلزم الدولة بإلغاء “الإجراءات الأمنية الاستثنائية المتعلقة بالوثائق المدنية والعقارية” التي استخدمها النظام السابق لقمع السوريين.
لا يعني ذلك تلقائياً أن كل تدقيق مرتبط بوزارة الداخلية غير دستوري. فقد تكون للدولة مصلحة مشروعة في تجميد أصول أشخاص محددين، أو منع تهريب ممتلكات محل تحقيق أو نزاع. لكن مثل هذه القيود يجب أن تستند إلى قانون واضح، وأن تكون محددة ومتناسبة، وأن يعرف الشخص سببها، وأن تتاح له إمكانية الاعتراض عليها أمام جهة قضائية مستقلة. أما إخضاع جميع المعاملات لآلية غير معلنة المعايير، بسبب وجود قائمة منع تستهدف فئة محددة، فينقل عبء الحماية من الدولة إلى عموم المواطنين.
وتتجاوز الآثار حق الملكية بمعناه الضيق. فسوريا طرف في العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، الذي يحمي الحق في السكن الملائم، بما يشمل الأمن القانوني للحيازة، كما يحمي العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الخصوصية والمساواة أمام القانون. وتكتسب هذه الضمانات أهمية خاصة للاجئين والنازحين وورثة المفقودين، الذين تعتمد قدرتهم على العودة أو الاستقرار أو استرداد ممتلكاتهم على إجراءات عقارية قابلة للتوقع والوصول والمراجعة. كما تؤكد مبادئ بينهيرو، بوصفها معايير دولية إرشادية غير ملزمة، أهمية توفير آليات عادلة وشفافة لاسترداد المساكن والأراضي والممتلكات.
ما الذي ينبغي أن يتغير؟
إذا كان الهدف الحقيقي من “لا مانع” هو منع مجموعة محددة من الأشخاص من تهريب أصولهم، فلا ينبغي أن يبقى عموم المالكين أمام إجراء لا يعرفون قواعده. المطلوب هو نشر الأساس القانوني للمنع، وتحديد الجهة صاحبة القرار واختصاصها، والمعايير التي تسمح بإدراج الأسماء ورفعها، والبيانات التي يجري الاعتماد عليها، والمدة القصوى للبت بالطلب، مع إلزام الإدارة بإبلاغ الشخص بسبب الرفض وإتاحة طريق سريع وفعّال للطعن.
كما ينبغي التمييز بين القيود القانونية الموضوعة على عقار بعينه وبين التدقيق في شخص المالك. فإذا كانت هناك أسباب جدية لتجميد أصول شخص مشتبه بارتكابه جرائم أو فساد، فالأصل أن تُترجم إلى إجراء قانوني محدد وقابل للمراجعة، لا إلى قيد عام يمر عبره كل من يريد بيع منزل أو نقل إرث.
إن إصلاح المنظومة العقارية لا يتطلب تجاهل مخاطر تهريب الأموال أو الملكيات، لكنه يتطلب معالجة هذه المخاطر بأدوات دولة القانون. والقطيعة مع إرث الموافقات الأمنية لا تتحقق بمجرد تغيير اسم الوثيقة، كما لا يجوز افتراض فشلها لمجرد التشابه مع الماضي. معيار القطيعة الحقيقي هو أن يعرف المواطن من يقيّد حقه، وبأي قانون، ولأي سبب، ولمدة كم، وأمام أي جهة يستطيع الاعتراض. وما دامت هذه الإجابات غير متاحة بوضوح، تبقى “لا مانع” قضية شفافية وسيادة قانون قبل أن تكون مجرد إجراء عقاري.
إعداد: آلاء يونس، باحثة في وحدة حقوق الإنسان والأعمال التجارية، البرنامج السوري للتطوير القانوني.









