إصلاح قانون العمل ركيزة أساسية لتعافي سوريا

15 يوليو, 2026    |      |    هذا المنشور متوفر أيضاً باللغة : الإنجليزية

شهدت سوريا الشهر الماضي موجةً من الإضرابات في عدد من شركات القطاع الخاص. بدأت هذه التحركات في مصنع زنوبيا للسيراميك جنوب دمشق، حيث لم يقتصر مطلب العمال على زيادة الأجور، بل شمل أيضاً تحسين الرعاية الطبية، وتأمين التأمين الصحي، وتوفير خدمات الإسعافات الأولية، ووجود طبيب داخل المنشأة.

وسرعان ما تجاوزت الاحتجاجات حدود المصنع، لتظهر إضرابات واعتصامات مماثلة في شركات أخرى، من بينها شركة الحافظ وشركة مدار. والرسالة التي حملتها هذه التحركات واضحة: لا ينبغي التعامل مع حماية حقوق العمال باعتبارها قضية ثانوية، بل بوصفها عنصراً أساسياً في قوة واستدامة تعافي سوريا.

التزامات سوريا الدولية

بصفتها الجهة الأساسية المسؤولة عن ضمان حقوق الإنسان، يقع على عاتق الحكومة الانتقالية طيف واسع من الالتزامات بموجب القانون الدولي. فقد انضمت سوريا إلى العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية عام 1969. وتنص المادة السادسة من العهد على حق كل إنسان في العمل، بما يشمل حقه في كسب رزقه من خلال عمل يختاره أو يقبله بحرية، مع التزام الدولة باتخاذ التدابير المناسبة لحماية هذا الحق. أما المادة السابعة فتذهب أبعد من ذلك، إذ تقر بحق كل فرد في التمتع بشروط عمل عادلة وملائمة، تشمل الأجر المنصف وضمان تساوي الأجور مقابل الأعمال ذات القيمة المتكافئة، ومستوى معيشي لائق للعامل وأسرته، وظروف عمل آمنة وصحية، وتكافؤ الفرص في الترقية، والراحة، وساعات العمل المعقولة، والإجازات المدفوعة.

وعند قراءة هذه الأحكام إلى جانب ما يقرره العهد من حق في مستوى معيشي لائق والحق في الصحة، يتضح أنها تعكس بدقة المطالب التي رفعها عمال مصنع زنوبيا.

وعلاوة على ذلك، تُعد سوريا عضواً قديماً في منظمة العمل الدولية، وقد صدّقت على الاتفاقيات الأساسية للمنظمة، بما فيها اتفاقيتا الحرية النقابية والحق في التنظيم والمفاوضة الجماعية (رقما 87 و98)، واتفاقية المساواة في الأجور (رقم 100)، واتفاقية منع التمييز في الاستخدام والمهنة (رقم 111)، واتفاقيتا القضاء على العمل الجبري (رقما 29 و105)، إضافة إلى اتفاقية تفتيش العمل (رقم 81)، والأهم اتفاقية السلامة والصحة المهنية (رقم 155)، وكانت من أوائل الدول العربية التي صادقت عليها. ومن ثم، فإن ظروف العمل الآمنة والصحية التي طالب بها عمال زنوبيا ليست مطلباً جديداً، بل التزاماً قانونياً قائماً على الدولة.

وعليه، فإن المشكلة لا تكمن في غياب التصديق على الاتفاقيات، بل في الفجوة بين التصديق والتنفيذ. فما زال العمال يضطرون إلى وقف الإنتاج للمطالبة بتوفير الإسعافات الأولية، ووجود طبيب في موقع العمل، وتأمين صحي أساسي، رغم أن اتفاقية رقم 155 تُلزم الدولة أصلاً بضمان هذه الحقوق.

وتزداد هذه الفجوة اتساعاً لأن سوريا لم تصادق بعد على اتفاقية الإطار الترويجي للسلامة والصحة المهنية (رقم 187)، ولا اتفاقية الضمان الاجتماعي (المعايير الدنيا) (رقم 102)، ولا اتفاقية تحديد الحد الأدنى للأجور (رقم 131)، وهي اتفاقيات من شأنها أن تؤسس لنظام حماية اجتماعية متكامل ولحد أدنى للأجور يتماشى مع تكاليف المعيشة. ولذلك، ينبغي أن يُنظر إلى التصديق على هذه الاتفاقيات، والأهم من ذلك تنفيذها، باعتباره جزءاً محورياً من عملية الإصلاح.

ومع ذلك، فإن تأخر الدولة في إصلاح منظومة الحماية العمالية وتعزيزها وتطبيقها لا ينبغي أن يُفهم من قبل الشركات على أنه غياب لمسؤولياتها. فوفقاً للمبادئ التوجيهية للأمم المتحدة بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان، تتحمل الشركات مسؤولية مستقلة عن الدولة في احترام حقوق الإنسان، بما في ذلك الحقوق المنصوص عليها في العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية واتفاقيات منظمة العمل الدولية.

إشكالية “الامتثال”

عندما أضرب عمال مصنع زنوبيا مطالبين بتعزيز حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية، وتأمين أجور تكفل حياة كريمة في ظل تدهور الظروف المعيشية، وتحسين بيئة العمل، وتوفير الحماية الاجتماعية، والتأمين الصحي، والإسعافات الأولية، جاء رد الشركة بالإشارة إلى أنها ملتزمة بقانون العمل السوري.

وهنا تكمن المشكلة.

فإذا كان قانون العمل ذاته غير كافٍ ولا يعكس المعايير الدولية، فإن “الامتثال” له قد يتحول إلى ستار يحجب أوجه القصور الحقيقية. وعندما يكون القانون أدنى من المعايير الدولية، فإن الالتزام به لا يعفي الدولة من مسؤوليتها عن الإخفاق في الوفاء بالتزاماتها القانونية الدولية، بما في ذلك ضمان الحق في ظروف عمل عادلة وملائمة، والحق في مستوى معيشي لائق، والحق في الصحة، وغيرها من الحقوق الأساسية.

إن نموذجاً اقتصادياً يقوم على إبقاء العمال دون مستوى الكفاف ليس نموذجاً مستداماً، كما أن إطاراً قانونياً يسمح بذلك لا يمكن أن يشكل أساساً للتعافي الذي يتطلع إليه السوريون. فالإصلاح الحقيقي يتطلب وضع حد أدنى للأجور قابل للتنفيذ ويتناسب مع تكاليف المعيشة، وتفعيل نظام منتظم لتفتيش العمل، وفرض التزامات حقيقية في مجال السلامة والصحة المهنية، وإنشاء آليات فعالة وموثوقة لتلقي شكاوى العمال ومعالجتها.

إن حماية حقوق العمال ليست عقبة في طريق تعافي سوريا، بل هي أحد أهم المسارات المؤدية إليه.

اختبار لسوريا الجديدة

ينبغي للحكومة والقطاع الخاص ألا يغفلا حقيقة أن العمال ليسوا عنصراً هامشياً في عملية إعادة الإعمار، بل هم أساسها. فالتعافي الحقيقي يجب أن يحمي أولئك الذين يقوم على جهودهم. واحترام حقوق العمال لا يفرض أعباءً غير مبررة على أصحاب العمل، بل يسهم في استدامة النشاط الاقتصادي والتعافي على المدى الطويل، من خلال بناء اقتصاد قادر على الاستمرار، لا اقتصاد يقوم على استنزاف من يحملونه على أكتافهم.

ولا تقتصر هذه القضية على بعدها الاقتصادي فحسب. فالمطالبة بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وبالكرامة، وبالأجور العادلة، وبحياة لا يحكمها الحرمان، كانت من بين الدوافع الأساسية التي أشعلت الثورة السورية. ومن ثم، فإن الإخفاق في إنصاف العمال في هذه المرحلة المفصلية من تاريخ البلاد سيكون إخفاقاً في الوفاء بالقيم التي ناضل من أجلها وضحّى بحياته كثير من السوريين، وكان العمال في مقدمتهم.

وإذا كانت سوريا تسعى إلى بناء دولة ديمقراطية عادلة تحترم حقوق الإنسان، ويُعامل فيها جميع المواطنين على قدم المساواة، فإن إصلاح قانون العمل ليس مسألة فنية أو هامشية، بل جزء جوهري من هذا المشروع الوطني، وأحد المعايير التي سيُقاس بها مدى وفاء سوريا الجديدة بالوعود التي قُدمت باسم من ناضلوا من أجلها.

إعداد: الريم كمال، مسؤولة قانونية، وحدة حقوق الإنسان والأعمال التجارية، البرنامج السوري للتطوير القانوني.

السويداء بعد مرور عام: لماذا تعتبر الحاجة إلى استجابة تركز على الضحايا في مواجهة عنف الدولة بعد التحرير في غاية الأهمية؟

14 يوليو, 2026    |      |    هذا المنشور متوفر أيضاً باللغة : الإنجليزية

قبل عام، اندلعت أعمال العنف في محافظة السويداء. وما بدأ كمواجهة محلية في حي المقواس بمدينة السويداء سرعان ما تصاعد ليصبح أحد أكثر حوادث العنف دموية منذ سقوط الأسد. واستناداً إلى توثيق لجنة التحقيق، قُتل أكثر من 1,700 شخص في غضون ثلاثة أيام، كانت الغالبية العظمى منهم من الطائفة الدرزية. وشملت الانتهاكات المرتكبة ضدهم أيضًا تدمير قرى ومنازل بأكملها وما تبع ذلك من نزوح جماعي واسع النطاق، والتعذيب والاعتداءات على الكرامة الشخصية، والعنف الجنسي والعنف القائم على النوع الاجتماعي، واحتجاز المدنيين واختفائهم على أيدي كل من القوات الحكومية ومقاتلي العشائر، وهو ما تفاقم بسبب الطابع الطائفي الحاد لهذه الجرائم. كما تعرض المدنيون البدو للقتل والحرمان التعسفي من الحرية وانتهاكات جسيمة أخرى لحقوقهم على أيدي الجماعات المسلحة الدرزية، بما في ذلك التهجير القسري من ديارهم.

وإلى جانب الخسائر البشرية المدمرة، أدى العنف إلى تعميق انعدام الثقة بين الطوائف وتجاه الدولة، وزاد من تآكل النسيج الاجتماعي في سوريا، وجعل مجتمعات درزية بأكملها تعيش في خوف على حاضرها ومستقبلها ـ وهو تأثير مدمر لم تكن سوريا وجميع السوريين قادرين على تحمله في تلك الفترة من المرحلة الانتقالية.

ووفقاً لالتزاماتها بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان، يتعين على الدولة السورية احترام حقوق الإنسان، ومنع الانتهاكات، وحماية سكانها. وخلال أعمال العنف، كانت القوات الحكومية متورطة بشكل مباشر في ارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان، ولم تتمكن، بشكل عام، من الوفاء بتلك الالتزامات فيما يتعلق بالانتهاكات التي ارتكبتها جهات فاعلة أخرى بما فيها مسلحي العشائر. وبعد مرور عام، أدى غياب استجابة جادة تركز على الضحايا إلى تفاقم ذلك الفشل الأولي.

في هذه المرحلة من الانتقال السياسي، لا تعد الاستجابة التي تركز على الضحايا مسألة تقدير سياسي. بل إنها تعكس الالتزامات الناشئة عن معاهدات حقوق الإنسان الدولية الملزمة لسوريا، والمعترف بها في المادة 12(2) من الإعلان الدستوري السوري لما بعد الأسد. وهذا يتطلب من سوريا ضمان أن تشكل كرامة جميع الضحايا وحقوقهم في العدالة والحقيقة والتعويضات وضمانات عدم التكرار أساس الاستجابة لأحداث العنف في السويداء.

ولكن الأهم من ذلك أن أحداث السويداء تثير سؤالاً جوهرياً يتجاوز مسألة المساءلة عن حالة محددة واحدة: ما معنى إصلاح عنف الدولة عندما يُرتكب هذا العنف بعد التحرير؟

إن أعمال العنف التي شهدتها السويداء في يوليو/تموز 2025، والانتهاكات اللاحقة التي تلتها، والطبيعة المستمرة لهذا الضرر، بما في ذلك عدم القدرة على العودة، كلها وقعت بعد التحرير – في لحظة كان يُتوقع فيها أن تجسد الحكومة الجديدة قطيعة حاسمة مع أنماط العنف التي مارستها الدولة في الماضي، لا سيما بعد مذبحة الساحل. وهذا يغير بشكل جذري الأهمية القانونية والسياسية لاستجابة الدولة. في هذا السياق، تخدم الاستجابة التي تركز على الضحايا غرضين مترابطين. فهي تعيد الحق والكرامة للمتضررين، بينما تبرهن على أن الدولة السورية الجديدة تقبل بصدق المسؤولية القانونية عن العنف الذي ارتُكب باسمها. وبهذا المعنى، يصبح إعمال حقوق الضحايا مقياساً ليس فقط للعدالة للأفراد، بل للطابع الدستوري والقائم على الحقوق لعملية الانتقال نفسها.

الحق في العدالة والحق في معرفة الحقيقة: المساءلة والحقيقة كاعتراف

بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان، تُعد عمليات المساءلة والكشف عن الحقيقة جزءاً من حق أوسع في الانتصاف، وهو ما يتطلب أن تكون هذه العمليات مستقلة ونزيهة، ومتاحة للجميع وتشاركية، وفعالة بشكل عام بحيث تكون قادرة على تجسيد التجربة الكاملة للضرر الذي عانى منه الضحايا، وأن تؤدي إلى نتائج ملموسة من حيث العقاب والكشف والإصلاح. كما أنها تشكل اعترافاً رسمياً من الدولة بوقوع الانتهاكات وبأن الضحايا هم أصحاب حقوق ومواطنون متساوون أمام القانون.

وكخطوة مهمة، بدأت مؤخراً الإجراءات القضائية؛ ومع ذلك، تُعتبر المحاكم العسكرية باستمرار غير ملائمة هيكلياً لإقامة العدل في قضايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان المرتكبة ضد المدنيين. فاختصاصها وتكوينها والغرض المؤسسي منها لا يتوافق بسهولة مع متطلبات الاستقلالية والحياد والرقابة العامة ومشاركة الضحايا التي ينص عليها القانون الدولي لحقوق الإنسان. وقد أكدت هيئات المعاهدات التابعة للأمم المتحدة والمحاكم الإقليمية لحقوق الإنسان باستمرار على ضرورة التحقيق في الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان ومقاضاة مرتكبيها أمام المحاكم المدنية العادية.

كما تتطلب الاستجابة التي تركز على الضحايا وجود مؤسسات وإجراءات قادرة على تحقيق العدالة بطريقة تمكن الضحايا من رؤية العدالة تتحقق، والتأكد من أنها تُنفذ لصالحهم. ومع ذلك، لا تزال المعلومات المتاحة للجمهور بشأن التحقيقات الجارية محدودة، بما في ذلك التحقيقات ضد أي وحدات أو قادة تنظيميين، وتتأثر سلبًا بالتقارير التي تشير إلى احتمال منح عفو عام للجناة. وهذا يجعل من الصعب على الضحايا والجمهور عمومًا تقييم ما إذا كانت الإجراءات حقيقية وشاملة ونزيهة. ويُعد الوصول إلى المعلومات في حد ذاته عنصراً أساسياً من عناصر الحق في الانتصاف الفعال بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان، وهو ما يضمن قدرة الضحايا على الوصول إلى حقهم في الانتصاف وممارسته بشكل فعال.

ويتطلب النهج الذي يركز على الضحايا كذلك توضيح جميع الادعاءات المتعلقة بالانتهاكات الجسيمة التي ارتكبت خلال أعمال العنف والتحقيق فيها، بغض النظر عن هوية الجناة المزعومين أو دورهم أو انتمائهم. ويشمل ذلك فحص مسؤولية أولئك الموجودين على جميع مستويات سلسلة القيادة. ويشمل ذلك تقييم كل من المسؤولية الجنائية المباشرة ومسؤولية الرؤساء، بما في ذلك الأفراد داخل القوات الحكومية الذين ربما أمروا بارتكاب هذه الانتهاكات أو خططوا لها أو أذنوا بها أو، عند الاقتضاء، فشلوا في منعها أو معاقبة مرتكبيها، بما في ذلك أولئك الذين ربما سمحوا لقوات غير نظامية بمرافقة عناصر الدولة في العمليات العسكرية.

وبالإضافة إلى مسؤولية الدولة، تتطلب الاستجابة التي تركز على الضحايا أيضاً معالجة كامل نطاق العنف الذي عانى منه الضحايا في السويداء. ولذلك، فإنها تتطلب التحقيق في الانتهاكات التي ارتكبها مقاتلو العشائر ضد المدنيين الدروز، سواء كانت تتصرف تحت سيطرة القوات الحكومية أو بموافقة الدولة أو بشكل مستقل عنها. بالإضافة إلى ذلك، يتطلب الأمر أيضًا ضمان بذل كل جهد ممكن لضمان أن تشمل التحقيقات والملاحقات القضائية أيضًا الأفراد المرتبطين بجهات فاعلة غير تابعة للدولة من المسؤولين عن الانتهاكات المرتكبة ضد مجتمع البدو وغيرهم من المدنيين، بما في ذلك في الفترة التي أعقبت المجزرة. وفي هذا الصدد، من الضروري ضمان ألا يحل أي اتفاق سياسي مستقبلي مع الأطراف المعنية محل حقوق الضحايا في العدالة.

إن هذا الاعتراف هو أوسع من الحقيقة المكشوفة عبر الإجراءات القضائية. فالضحايا لهم الحق في معرفة الحقيقة حول الظروف التي وقعت فيها الانتهاكات، بما في ذلك كيف ومتى ولماذا ومن ارتكبها. علاوة على ذلك، تعتمد التحولات الديمقراطية على استبدال الروايات التي تسيطر عليها الدولة بمؤسسات قادرة على إنتاج حقيقة عامة ذات مصداقية. وفي هذا الصدد، للمجتمع السوري ككل مصلحة في ضمان وجود سجل عام للعنف قادر على منع الإنكار والتحريف التاريخي، لا سيما في ظل المناخ الحالي الذي يشهد انتشار خطاب الكراهية والتحريض الطائفي ضد الدروز.

ورغم أن تشكيل لجنة تقصي الحقائق في السويداء، بما في ذلك تعاون الحكومة مع لجنة التحقيق، يمثل خطوة أولية إيجابية وهامة، فإن قيمة عملية تقصي الحقائق المحلية تعتمد في نهاية المطاف على مصداقية نتائجها واكتمالها وإمكانية الوصول إليها. وفي هذا الصدد، فإن التناقضات بين تقرير لجنة التحقيق الدولية والتقرير المحلي – الذي لا يبدو أنه يعكس بشكل كامل دور الجهات الفاعلة الخاصة التي تعمل جنباً إلى جنب مع قوات الدولة ومستوى التنسيق الذي استندت إليه العملية العسكرية – قد تنطوي على خطر تقويض حق الضحايا في معرفة الحقيقة بدلاً من إعماله. كما أن الكشف المحدود عن التقرير المحلي للجمهور يقوض الوفاء بهذا الالتزام، حيث إن النشر الفني وحده لا يمكن أن يحل محل الكشف العام الفعّال عن الحقيقة والوصول إلى المعلومات، والتواصل مع المجتمعات المتضررة وإشراكها.

ومع ذلك، يظل التعبير الأكثر إلحاحاً عن الحق في معرفة الحقيقة بالنسبة للعديد من العائلات هو معرفة مصير أقاربهم المختفين. وقد تم الإبلاغ عن عدة حالات احتجاز واختفاء قسري لرجال وفتيان على يد الحكومة الانتقالية السورية، بما في ذلك أفراد يُزعم احتجازهم في سجن عدرا وسجن المزة العسكري، بينما لا يزال آخرون في عداد المفقودين عقب حرمانهم من حريتهم على يد قوات تابعة للهجري. وبغض النظر عن السياق العسكري الذي وقعت فيه حالات الحرمان من الحرية هذه، فإن القانون الدولي لحقوق الإنسان يُلزم الدولة السورية بتوضيح مصير ومكان وجود جميع الأشخاص المختفين بشكل كامل ودون تأخير، ووضع حد فوري لأي احتجاز تعسفي، والتحقيق ومقاضاة أي فرد أو كيان مسؤول عن حالات الاحتجاز التعسفي والاختفاء القسري هذه. إن الاختفاء القسري والاحتجاز التعسفي وفصل العائلات عن أحبائها مثّل الشكل الأساسي للعنف المجتمعي الذي مارسه نظام الأسد ضد الشعب السوري. ولا يمكن لأي ترتيبات سياسية أو عسكرية، خاصة بعد التحرر من الأسد، أن تحل محل أو تستبدل التزام الدولة بحماية الحقوق الأساسية لكل مواطن سوري في الحرية والكرامة والتحرر من التعذيب وسوء المعاملة.

الحق في التعويضات والضمانات القانونية بعدم التكرار: الإصلاح والاعتراف عنصران أساسيان لإعادة بناء الثقة بين الدولة ومواطنيها

تتطلب الاستجابة التي تركز على الضحايا تقديم تعويضات لجميع ضحايا العنف في السويداء تكون كافية وفعالة ومتناسبة مع جسامة الانتهاكات التي تعرضوا لها. ويجب أن يرافق ذلك إصلاحات يمكن أن تؤدي بشكل ملموس إلى الوقاية الفعالة من الانتهاكات وضمان عدم تكرارها، سواء فيما يتعلق بالأفعال نفسها أو بالظروف والـأوضاع المؤسسية التي ربما تكون قد ساهمت في حدوث هذه الانتهاكات. وتشكل هذه الإصلاحات التزاماً قانونياً ناشئاً عن القانون الدولي لحقوق الإنسان، وتهدف إلى استعادة كرامة الضحايا، والاعتراف بالضرر الذي لحق بهم، وتغيير الظروف المؤسسية التي سمحت بوقوع الانتهاكات وفشلت في حماية المدنيين من الانتهاكات.

وفي حالة السويداء، تتجاوز التعويضات مجرد جبر الضرر الفردي. فأي عنف وقع بعد تحرير سوريا يمثل شرخاً عميقاً في مسيرة الانتقال في البلاد. بالنسبة للعديد من السوريين، حلت تجارب متجددة من العنف الذي تمارسه الدولة والعنف بين الطوائف محل التوقعات بأن التحرير سيبشر بعلاقة جديدة بين المواطنين والدولة، وبين المجتمعات المحلية نفسها. وبالتالي، فإن الضرر الناجم ليس جسديًا أو ماديًا فحسب، بل هو ضرر جماعي وسياسي عميق. ويتطلب إصلاح هذا الضرر أكثر من أشكال التعويضات التقليدية؛ فهو يتطلب إعادة بناء علاقة الثقة بين المواطنين والدولة التي فشلت في حمايتهم بعد التحرير، وبين المجتمعات المحلية. بهذا المعنى، ليست الثقة مجرد طموح سياسي، بل هي نتاج مؤسسات تحترم الحقوق.

أولاً، تتطلب الاستجابة التي تركز على الضحايا أن تكمل الحكومة الانتقالية السورية المساءلة الجنائية بمساءلة مؤسسية قادرة على معالجة الأسباب الأوسع نطاقاً للانتهاكات. وبموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان، تشكل ضمانات عدم التكرار أحد مكونات الحق في الانتصاف الفعال، مما يتطلب إصلاحات هيكلية في الحالات التي تكشف فيها الانتهاكات عن إخفاقات مؤسسية بدلاً من سوء سلوك منفرد. وهذا يتطلب عملية أوسع نطاقاً من المراجعة الذاتية المؤسسية، بما في ذلك فحص وتحديد الأفراد ضمن القيادة الذين ربما سمحوا بوقوع مثل هذه الانتهاكات أو نظموها، أو ربما كانوا على الأقل مسؤولين عن فقدان السيطرة على قواتهم أو عن السماح لجهات غير نظامية بمرافقتهم. وتكتسي هذه المراجعة المؤسسية أهمية كبيرة، بما في ذلك كاستجابة للمخاوف التي أثارتها لجنة التحقيق من أن الهجمات ربما كانت جزءاً «من هجوم واسع النطاق ومنهجي ضد السكان المدنيين في السويداء على يد مجموعة فرعية من قادة القوات الحكومية».

والأمر الهام هو أن الأمر يتطلب أيضاً تقييماً جاداً للتعبئة القبلية والمخاطر التي يشكلها تورط مواطنين عاديين في أعمال العنف ضد أبناء وطنهم السوريين، وهو أمر ضروري لحماية عملية الانتقال السياسي الأوسع نطاقاً، والحفاظ على وحدة الشعب السوري، وضمان عدم حدوث مثل هذه التعبئة في المستقبل، ومنعها بفعالية. وينبغي إجراء هذه التقييمات والإصلاحات بشفافية، مع إشراك الضحايا والمجتمعات المتضررة.

ثانياً، يظل الاعتراف بمعاناة جميع المواطنين السوريين، بما في ذلك التزام الدولة بالاعتراف، علانية وبشكل قاطع، بالانتهاكات التي وقعت وتقديم اعتذار علني للمجتمعات المتضررة، شريطة أن يكون ذلك مصحوباً بتدابير ملموسة للحقيقة والعدالة والإصلاح موضحة أعلاه، أمراً ضرورياً لضمان أن يشعر جميع السوريين بأنهم جزء من الدولة الجديدة. ويُعتبر الاعتراف الرسمي بالمسؤولية والاعتذارات الرسمية أشكالاً معترف بها من أشكال التعويض وشكلاً من أشكال الانتصاف للضحايا بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان.

وفي نهاية المطاف، فإن الاستجابة لما حدث في السويداء هي جزء من الذاكرة المجتمعية والسياسية لعملية الانتقال في سوريا. ولن تُقاس شرعية الدولة السورية الجديدة في نهاية المطاف بالوعود التي قُطعت لحظة التحرير، بل باستعدادها للاعتراف بحقوق أولئك الذين تضرروا من جراء العنف الذي مارسته الدولة بعد التحرير. ولا تثبت الدولة طابعها التحرري عبر ادعاء العصمة من الخطأ، بل بقبول المسؤولية القانونية عندما تفشل في حماية مواطنيها، واتخاذ خطوات فعالة لتعويض هذا الضرر بما يحقق حقوق الضحايا بشكل ملموس. وبهذا المعنى، فإن سؤال ما إذا كان الضحايا الذين تضرروا سيرون الدولة الجديدة كضامن حقيقي للحقوق أم كمصدر آخر للعنف أو الإنكار أو التهميش، سيعتمد على استعداد المؤسسات الحكومية للاعتراف الكامل بالمسؤولية، وتعويض الأضرار التي لحقت بجميع الضحايا، وإصلاح الهياكل التي جعلت من هذه الانتهاكات أمراً ممكناً مرة أخرى.

الأحياء غير المنظمة ليست حقوقاً غير منظمة: لماذا يجب أن تضمن إعادة إعمار سوريا حقوق السكن والأرض والملكية لجميع السوريين على قدم المساواة

1 يوليو, 2026    |      |    هذا المنشور متوفر أيضاً باللغة : الإنجليزية

مع دخول سوريا مرحلة جديدة من التعافي وإعادة الإعمار، تبرز قضية الأحياء العشوائية بوصفها واحدة من أكثر القضايا حساسية وتأثيراً على مستقبل البلاد. فعلى امتداد سوريا، عاش ملايين السوريين لعقود في أحياء صُنِّفت بأنها “عشوائية” أو “غير منظمة”. وغالباً ما تُقدَّم هذه المناطق باعتبارها نتاجاً لفشل التخطيط العمراني، أو مخالفات قانونية، أو عقبة أمام التنمية الحضرية الحديثة. إلا أن هذا التصور يغفل حقيقة أساسية، وهي أن الأحياء العشوائية لم تكن نتيجة أخطاء فردية، بل جاءت ثمرة عقود من إخفاق الدولة في توفير السكن الميسور، والتخطيط العمراني الفعّال، وإدارة الأراضي بصورة عادلة ومتاحة.

إن التعامل مع سكان هذه المناطق باعتبارهم أصحاب حقوق ملكية من الدرجة الثانية لا يمثل ظلماً فحسب، بل يقوض أيضاً الأسس التي ينبغي أن تقوم عليها عملية إعادة إعمار مستدامة تحترم حقوق الإنسان.

العشوائيات نتاج سياسات الدولة

قبل اندلاع الثورة، كانت المساكن العشوائية تشكل ما بين 30 و50 بالمئة من المخزون السكني في سوريا. فقد نشأت أحياء كاملة في دمشق، وحلب، وحمص، وغيرها من المدن خارج الأطر الرسمية للتخطيط العمراني، وأصبحت موطناً لملايين السوريين، ولا سيما الأسر محدودة الدخل التي بحثت عن مساكن قريبة من فرص العمل وبتكاليف يمكن تحملها.

ولم ينشأ هذا الواقع لأن السوريين رفضوا احترام القانون، وإنما لأن الحكومات المتعاقبة في ظل نظام الأسد أخفقت في توفير مساكن ميسورة التكلفة، وأوجدت منظومة تخطيط عمراني جامدة وغير فعالة لم تستطع مواكبة النمو السكاني والهجرة من الريف إلى المدن. وقد دفعت سياسات الأراضي المقيدة، وإجراءات التخطيط البيروقراطية، وضعف القدرات التنفيذية، والفساد، شرائح واسعة من السكان إلى اللجوء إلى حلول سكنية غير رسمية.

وفي الوقت نفسه، قامت الدولة تدريجياً بإضفاء نوع من الشرعية العملية على هذه المناطق من خلال إيصال الكهرباء والمياه والطرق والمدارس والخدمات العامة إليها. فقد كانت الأحياء العشوائية خاضعة للضرائب، وتتلقى الخدمات، وأصبحت جزءاً من النسيج السياسي والاجتماعي للدولة. كما اشترى سكانها منازلهم، واستثمروا فيها مدخرات حياتهم، وربوا أبناءهم، وبنوا مجتمعات مستقرة عبر أجيال متعاقبة. وكان كثير منهم يمتلك أشكالاً مختلفة من وثائق إثبات الملكية، حتى وإن لم تكن العقارات مسجلة رسمياً في السجل العقاري. ولذلك، فإن وصف هذه المناطق بأنها “عشوائية” لا يعني غياب المشروعية الاجتماعية أو انعدام الحقوق العقارية الحقيقية.

غير أن التحدي الذي تواجهه سوريا اليوم يتمثل في أن العديد من مبادرات إعادة الإعمار ما تزال تنظر إلى الأحياء العشوائية باعتبارها مشكلة تخطيطية ينبغي معالجتها، بدلاً من النظر إلى سكانها باعتبارهم أصحاب حقوق يجب حمايتها.

ويمثل هذا النهج خطراً حقيقياً، لأنه قد يعيد إنتاج أحد أبرز مظالم مرحلة النزاع، والمتمثل في استخدام أدوات التخطيط العمراني وإعادة التطوير لنزع ملكيات الفئات الأكثر ضعفاً. فقد أظهرت مشاريع ماروتا سيتي وباسيليا سيتي، التي أُنشئت بموجب المرسوم التشريعي رقم 66 لعام 2012 والقانون رقم 10 لعام 2018، كيف استُخدمت الأدوات القانونية والتخطيطية لتسهيل مصادرة الممتلكات، والتهجير القسري، وإحداث تغييرات ديموغرافية. فقد هُدمت أحياء كاملة تحت شعار “إعادة التطوير”، بينما لم يحظَ العديد من سكان هذه الأحياء بحماية أو تعويض فعليين.

وإذا ما اعتبرت سلطات إعادة الإعمار اليوم أن سكان الأحياء العشوائية يستحقون تعويضاً أقل لمجرد أن منازلهم تقع خارج المناطق المنظمة، فإنها بذلك تعاقب مجتمعات بأكملها على واقع صنعته عقود من الإخفاقات والسياسات الحكومية.

فالوضع التنظيمي لأي حي لا ينبغي أن يحدد قيمة كرامة الإنسان أو أمنه أو انتمائه.

المساواة في التعويض هي مسألة عدالة

إن حقوق السكن والأرض والملكية لا تقتصر على من يمتلكون وثائق ملكية مكتملة أو يقيمون داخل أحياء منظمة رسمياً. فالمعايير الدولية باتت تعترف بطيف واسع من أشكال الاستملاك، وتؤكد ضرورة حماية الأفراد من الإخلاء أو التهجير التعسفي.

ويعني ذلك عملياً أن سكان الأحياء العشوائية يجب أن يتمتعوا بآليات تعويض مماثلة لتلك المتاحة لسكان المناطق المنظمة، عندما تُصادر ممتلكاتهم أو تُهدم أو تُعاد تطويرها.

ولا يعني مبدأ المساواة في التعويض بالضرورة اعتماد معادلات حسابية متطابقة، فقد يستلزم الأمر مراعاة اختلاف أشكال الملكية وأنظمة الإثبات. إلا أن المبدأ الأساسي يجب أن يبقى واضحاً: لا يجوز أن يحصل أي شخص على حماية قانونية أقل لمجرد أنه كان يعيش في حي عشوائي.
فأسرة تقيم منذ عقود في أحد الأحياء العشوائية في حمص أو دمشق أو حلب أو دير الزور أو غيرها، واستثمرت كل ما تملك في منزلها، لا تقل خسارتها الاقتصادية، ولا حجم الضرر الاجتماعي أو الارتباط الوجداني بالمكان، عن خسارة أسرة تعيش في حي منظم. بل إن غالبية هذه الأحياء كانت تضم مجتمعات محدودة الدخل، ما يجعل التمييز في التعويض سبباً في تعميق أوجه عدم المساواة، ومضاعفة تهميش الفئات التي تحملت بالفعل العبء الأكبر من النزاع والنزوح.

كما أن العديد من هذه المجتمعات كانت في طليعة الحراك الشعبي السوري، وتعرضت لاحقاً لأشد أشكال العقاب الجماعي على يد نظام الأسد. فقد شهدت هذه الأحياء حصاراً وقصفاً وتهجيراً قسرياً، وسياسات إعادة تطوير جردت السكان من مساكنهم وحقوقهم في الملكية. وبالنسبة لكثير من الأسر، لم يكن فقدان المنزل مجرد نتيجة للحرب، بل جزءاً من سياسة انتقام سياسي ممنهجة.

وأي إطار لإعادة الإعمار لا يعيد هذه الحقوق، أو يمنح سكان هذه المناطق حماية أقل من تلك التي يحصل عليها سكان المناطق المنظمة، فإنه يخاطر بترسيخ هذه المظالم بدلاً من معالجتها. وإلى جانب الاعتبارات القانونية والأخلاقية، فإن مثل هذا النهج قد يؤدي إلى تجدد التوترات الاجتماعية، وإضعاف الثقة بمؤسسات الدولة، وتقويض مصداقية السلطات الحاكمة في مرحلة تحتاج فيها سوريا أكثر من أي وقت مضى إلى الثقة، والشمول، والمصالحة الوطنية.

نجاح إعادة الإعمار مرهون بالاعتراف بحقوق هذه المجتمعات

لا يتعلق هذا النقاش بالعدالة وحدها، بل يرتبط أيضاً بفرص نجاح إعادة الإعمار نفسها.

فالتعافي السوري يتطلب عودة المهجرين، واستعادة ثقة المواطنين، وإعادة دمج المجتمعات التي مزقها النزاع. ولن يكون تحقيق أي من هذه الأهداف ممكناً إذا شعر ملايين السوريين بأن إعادة الإعمار ستتحول إلى وسيلة جديدة للإقصاء أو نزع الملكية.

وتبين تجارب العديد من الدول أن محاولات إزالة الأحياء العشوائية عبر مشاريع إعادة تطوير تُفرض من أعلى غالباً ما تؤدي إلى مقاومة مجتمعية، وتفكك اجتماعي، ونزاعات طويلة الأمد. وعلى العكس من ذلك، تكون فرص نجاح التعافي الحضري أكبر عندما تعترف السلطات بالمجتمعات القائمة، وتعمل على تسوية أوضاع الحيازة حيثما أمكن، وتشرك السكان في اتخاذ القرارات المتعلقة بمستقبل أحيائهم.

وبالنسبة لسوريا، فإن ذلك يعني تجاوز التصنيف التقليدي بين “منظم” و”عشوائي”. فالسؤال الحقيقي ليس ما إذا كان الحي قد التزم بأنظمة التخطيط قبل عقود، وإنما ما إذا كانت سياسات إعادة الإعمار تحترم حقوق ومصالح السكان الذين يعيشون فيه اليوم.

طريق قائم على الحقوق

ينبغي لإطار إعادة إعمار قائم على حقوق الإنسان أن يستند إلى مجموعة من المبادئ الأساسية.

أولاً، يجب الاعتراف بالأحياء العشوائية باعتبارها سمة هيكلية من سمات التطور العمراني في سوريا، لا مجرد مخالفات قانونية معزولة.

ثانياً، ينبغي أن يتمتع سكان هذه المناطق بحقوق متساوية في استرداد الممتلكات، والحصول على التعويض، والوصول إلى آليات تسوية المنازعات.

ثالثاً، يجب أن تراعي برامج التعويض تنوع وسائل إثبات الملكية أو الإشغال، بما في ذلك الأعراف المحلية، والسجلات البلدية، وفواتير الخدمات، وشهادات الشهود، وغيرها من وسائل الإثبات المقبولة.

رابعاً، ينبغي أن تعطي مشاريع إعادة التطوير العمراني الأولوية لتأهيل الأحياء القائمة وتسوية أوضاعها القانونية كلما كان ذلك ممكناً، بدلاً من اللجوء إلى التهجير واسع النطاق، شريطة إجراء مشاورات حقيقية مع المجتمعات المحلية قبل تصميم هذه المشاريع أو تنفيذها.

وأخيراً، يجب إشراك المجتمعات المتأثرة بصورة فعالة وذات معنى في جميع مراحل التخطيط وإعادة الإعمار.

بناء مدن بلا إقصاء

ستفرض إعادة إعمار المدن السورية حتماً قرارات صعبة تتعلق باستخدام الأراضي، والبنية التحتية، والتنمية الحضرية. إلا أن هناك مبدأ ينبغي ألا يكون محل تفاوض: لا يجوز أن تتحول صفة “العشوائية” إلى مبرر للتمييز في الحقوق.
فالأحياء العشوائية كانت نتيجة عقود من الإهمال، والإخفاقات التخطيطية، والاختلالات البنيوية. ولا ينبغي لسكانها أن يتحملوا مرة أخرى ثمن تلك الإخفاقات.

وإذا كانت إعادة الإعمار تهدف فعلاً إلى تحقيق العدالة، وترسيخ الاستقرار، ودعم التعافي طويل الأمد، فإن عليها أن تعترف بأن حقوق السكن والأرض والملكية هي حقوق لجميع السوريين، وليس فقط لأولئك الذين حالفهم الحظ بالعيش داخل حدود المخططات التنظيمية. فمستقبل المدن السورية لن يُبنى بإزالة المجتمعات العشوائية، بل بإدماجها باعتبارها شريكاً متساوياً في عملية تعافي البلاد وإعادة بنائها.

بقلم: إياد حميد
مدير وحدة حقوق الإنسان والأعمال التجارية – البرنامج السوري للتطوير القانوني (SLDP)

بيان منظمات المجتمع المدني والأفراد الموقّعون/ات بشأن توقيف ممثلي المتضررين من المرسوم 66

16 يونيو, 2026    |    

تعرب منظمات المجتمع المدني والأفراد الموقّعون/ات أدناه عن قلقهم/ن إزاء المسار القضائي الذي طال كلاً من السيد ياسر عباس “أبو وسيم”، الناطق باسم رابطة إسقاط المرسوم 66، والمهندس إبراهيم شيخ الشباب، ممثل لجان أهل المزة، على خلفية نشاطهما العلني المتصل بملف المرسوم التشريعي رقم 66 لعام 2012، وباعتراضات المتضررين على مقاربة محافظة دمشق لملف التعويضات وجبر الضرر. وتشير الوقائع المتاحة إلى أن هذه القضية جاءت بعد توقيف سابق لياسر عباس مرتبط بأنشطة احتجاجية سلمية بتاريخ 8 أيار/مايو 2026، قبل أن يتم توقيف ياسر عباس وإبراهيم شيخ الشباب بتاريخ 2 حزيران/يونيو 2026، ثم إطلاق سراحهما بكفالة بتاريخ 9 حزيران/يونيو 2026، مع استمرار الملاحقة القضائية وتحديد الجلسة القادمة في 18 حزيران/يونيو 2026. ولا يغيّر إطلاق سراحهما بكفالة من جوهر المخاوف الحقوقية التي تثيرها القضية، إذ إن التوقيف والملاحقة استُخدما في سياق الرد على انتقادات مشروعة ومطالبات علنية بحقوقهما وحقوق المجتمعات المتضررة التي يمثلانها، بما قد يحوّل المسار الجزائي إلى أداة ضغط ذات أثر رادع بدلاً من أن يكون ضمانة للإنصاف وسيادة القانون.

بحسب الوثائق القضائية والأمنية المتاحة، تستند الشكاوى والادعاءات إلى قانون مكافحة الجرائم المعلوماتية رقم 20 لعام 2022، وقانون العقوبات العام، وقانون التظاهر رقم 54 لعام 2011. وتنسب محافظة دمشق وإدارة قضايا الدولة إلى ياسر عباس وإبراهيم شيخ الشباب أفعالاً من قبيل “التحريض الممنهج”، و”التشهير”، و”نشر أخبار كاذبة عبر الشبكة والقنوات الفضائية”، و”النيل من سمعة وهيبة إدارة عامة”، و”التحريض على تظاهرات الشغب”. وتقوم الوقائع المعروضة في الملفات، في جوهرها، على تصريحات إعلامية، وتسجيلات صوتية، ومنشورات على فيسبوك، ومجموعات واتساب، وانتقادات علنية لبيان محافظة دمشق حول المرسوم 66، ودعوات لتنظيم المتضررين والمطالبة بحقوقهم. ولا يظهر من مضمون الوثائق، بحسب ما ورد فيها، أن جوهر الملاحقة يستند إلى فعل عنيف أو دعوة مباشرة ووشيكة إلى العنف، بل إلى نشاط أهلي ورقمي مرتبط بالمطالبة بحقوق السكن والملكية والتعويض.

إن خطورة هذه القضية لا تنبع فقط من توقيف سابق أو استمرار دعوى جزائية، بل من الرسالة التي يمكن أن توجهها إلى المتضررين من المرسوم 66 في المزة وغيرها من المناطق: أن الاعتراض على السياسات العامة، أو انتقاد مقاربة المحافظة، أو تنظيم الأهالي للمطالبة بحقوقهم، قد يتحول إلى ملف جزائي قائم على نصوص فضفاضة. وبشكل عام، يشير تسلسل الأحداث، بدءاً من قرار محافظة دمشق معالجة ملف المرسوم 66 بوصفه مسألة تنظيمية وإدارية لا بوصفه ملفاً مرتبطاً بالانتصاف وجبر الضرر، مروراً بحرمان المتضررين من مسار فعال وشفاف للمطالبة بحقوقهم، وانتهاءً بالتوقيفات والملاحقات المرتبطة بالتجمع السلمي والتعبير العلني، إلى نمط مقلق من القيود على الحقوق الأساسية. وتثير هذه الوقائع مخاوف جدية من أن يكون توقيف واحتجاز ممثلي المتضررين تعسفياً، بالنظر إلى أن حرمانهم من الحرية يبدو مرتبطاً مباشرة بممارستهم لحقوقهم في حرية التعبير والتجمع السلمي والمطالبة بالانتصاف، وهي حقوق مكفولة بموجب الإعلان الدستوري والتزامات سوريا الدولية، ولا سيما العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. كما أن الاستناد إلى نصوص جزائية فضفاضة، ولا سيما من قانون الجرائم المعلوماتية وقانون التظاهر، لتجريم النقد العام والتنظيم الأهلي والمطالبة بحقوق السكن والملكية والتعويض، يثير إشكالية جدية بشأن مدى وجود أساس قانوني صحيح ومشروع للتوقيف، وبشأن توافق هذه النصوص وتطبيقها مع المعايير الدولية المتعلقة بحظر الاحتجاز التعسفي.

ويزداد القلق لأن هذا المسار لا ينفصل عن الإطار الأوسع للعدالة الانتقالية. فالمرحلة الانتقالية تتطلب مراجعة القوانين والممارسات التي أضرت بالسوريين، لا إعادة توظيفها في مواجهة المجتمعات المتضررة وممثليها. كما أن تعرّض ضحايا الانتهاكات أو ممثليهم لخطر التوقيف أو إجراءات قد تدفعهم إلى الإحجام عن المطالبة بحقوقهم المشروعة يثير مخاوف جدية بشأن فرص بناء عدالة انتقالية عادلة وشاملة ومتمحورة حول الضحايا في سوريا. إن استخدام قوانين صادرة في الحقبة السابقة، ولا سيما قانون الجرائم المعلوماتية، لملاحقة خطاب عام يتعلق بحقوق السكن والملكية والتعويض، يعكس استمراراً مقلقاً لتوظيف أدوات قانونية ارتبطت سابقاً بتقييد الحريات العامة، في وقت يفترض فيه أي انتقال سياسي حقيقي وضع حد لاستخدام البنية القانونية القمعية السابقة ضد المتضررين منها، وفتح مسار واضح للإنصاف وجبر الضرر.

كما تؤكد المنظمات والأفراد الموقّعون/ات أن اعتراض السكان المتضررين من المرسوم 66 لا يتعلق بتفاصيل تنظيمية أو إدارية محايدة، بل بنموذج قانوني وعمراني أنتجه النظام السابق في سياق انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان، وأعاد تشكيل الملكية والحيز العمراني بما يهدد حقوق السكن والملكية والعودة والانتصاف. فالمرسوم 66 لا يمكن التعامل معه كمجرد أداة تنظيم عمراني، كما يُروَّج له أحياناً، إذ ارتبط تطبيقه منذ بداياته بمناطق تضررت بشدة خلال النزاع وكانت تُنظر إليها من قبل النظام السابق بوصفها حواضن اجتماعية معارضة، ما يجعل آثاره السكنية والملكية جزءاً من إرث أوسع من التهجير والإقصاء، لا مجرد نتيجة لإجراءات تخطيطية محايدة. فقد أسس المرسوم 66 لمشروعي ماروتا سيتي وباسيليا سيتي في دمشق، بما شمل مناطق من المزة وكفرسوسة والقدم ونهر عيشة والعسالي ضمن نطاق التنظيم، ثم وسّع القانون رقم 10 لعام 2018 هذا النموذج على المستوى الوطني، بما يفتح الباب أمام تحويل الملكيات الفردية إلى أسهم داخل مشاريع إعادة تطوير قد تؤدي، في غياب ضمانات حقوقية واضحة، إلى نزع ملكية غير عادل، وتعويضات غير كافية، وإقصاء النازحين واللاجئين والسكان الذين لا يملكون وثائق ملكية رسمية كاملة أو يعيشون في أوضاع سكنية غير رسمية. ولا تقف خطورة هذا النهج عند المزة وكفرسوسة والقدم ونهر عيشة والعسالي، بل تمتد إلى مستقبل إعادة الإعمار في سوريا، بما في ذلك أحياء مثل جوبر والقابون وتشرين وغيرها من المناطق المدمرة، حيث يمكن أن تتحول المقاربات القانونية والتنظيمية ذاتها إلى سابقة لإعادة إنتاج الإقصاء بدل جبر الضرر. إن أي إعادة إعمار مشروعة لا بد أن تُبنى على أولوية جبر الضرر، ورد الحقوق، وضمان التعويض العادل، والسكن الملائم، والشفافية، والمشاركة الفعلية للسكان المتضررين.

المطالب العاجلة

تؤكد المنظمات والأفراد الموقّعون/ات أن الإفراج بكفالة لا ينهي المخاوف الحقوقية التي تثيرها هذه القضية، ما دامت الملاحقة قائمة وما دام بإمكان هذه السابقة أن تخلق أثراً ترهيبياً لدى المجتمعات المتضررة في المزة وجوبر والقابون وتشرين وغيرها من المناطق. كما تؤكد أن احترام الحقوق وجبر الضرر هما الأساس لأي إعادة إعمار عادلة ومستدامة، بما يتيح تحويل ماروتا سيتي وباسيليا سيتي من نموذج للإقصاء والنزاع إلى نموذج وطني لإعادة الإعمار بعد النزاع. إن الطريق إلى إعادة إعمار عادلة لا يبدأ بإسكات المتضررين، بل بالاعتراف بحقوقهم، وضمان مشاركتهم، ووضع مسار وطني للإنصاف وجبر الضرر يحول دون تكرار المظالم ذاتها بأدوات قانونية جديدة أو موروثة. وبناءً عليه، تطالب المنظمات والأفراد الموقّعون/ات بما يلي:

ضمان ألا تُستخدم الملاحقة الجزائية أو التوقيف أو التهديد بهما كوسيلة لإدارة الخلافات المدنية والعقارية أو لتقييد المطالبة السلمية بالحقوق، ومراجعة وإسقاط أي اتهامات تستند إلى ممارسة الحق في حرية التعبير أو التجمع السلمي، بما في ذلك الانتقاد العلني لسياسات محافظة دمشق أو المشاركة في التنظيم الأهلي المرتبط بالمطالبة بحقوق المتضررين من المرسوم 66، وضمان ألا تتحول هذه الأفعال إلى أساس للملاحقة الجزائية.

الامتناع عن توسيع تفسير نصوص قانون الجرائم المعلوماتية وقانون العقوبات وقانون التظاهر بما يؤدي إلى تجريم النقد العام أو النقاش المتعلق بالمصلحة العامة وحقوق السكن والملكية والتعويض. والعمل على مراجعة هذه النصوص بما ينسجم مع القانون الدولي لحقوق الإنسان ومتطلبات المرحلة الانتقالية، وبما يضمن عدم استمرار توظيف أدوات قانونية ارتبطت بالحقبة السابقة في تقييد الحريات العامة أو إسكات المطالبة السلمية بالحقوق.

دعوة محافظة دمشق، بالتعاون مع الوزارات المعنية والهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، إلى اعتماد خطة متكاملة وشفافة للتعويض وجبر الضرر في مناطق المرسوم 66، تُعد بالتشارك الفعلي مع تجمعات السكان المتضررين، وتراعي حق الملكية، والحق في السكن الملائم، والبدائل السكنية، والتعويض العادل، ورد الحقوق حيثما أمكن.

المنظمات الموقعة

1. البرنامج السوري للتطوير القانوني (SLDP)
2. اليوم التالي (TDA)
3. رابطة إسقاط المرسوم 66 واسترداد الحقوق
4. لجنة المزة
5. مؤسسة رياض سيف لحقوق الإنسان
6. المركز السوري للإعلام وحرية التعبير (SCM)
7. منظمة حراس الحقيقة
8. النساء الآن للتنمية
9. دولتي
10. مواطنون لأجل سوريا
11. جمعية بدايتنا – سوريا للجميع
12. سوريون من أجل الحقيقة والعدالة (STJ)
13. مكتب التنمية المحلية ودعم المشاريع الصغيرة (LDSPS)
14. العدالة من أجل الحياة (JFL)
15. بدائل
16. سين للسلم الأهلي
17. بيل – الأمواج المدنية
18. رابطة عائلات من أجل الحرية
19. رابطة عائلات قيصر
20. تنسيقية مدينة الباب وضواحيها
21. كش ملك
22. Action for Sama
23. متحف سجون سوريا
24. حملة من أجل سوريا
25. مركز المجتمع المدني والديمقراطية
26. عدالتي
27. مسارات إبدالية
28. مؤسسة شبكة الصحفيات السوريات
29. حقوقيات
30. جمعية ليلون للضحايا
31. مبادرة تعافي
32. عائلات من أجل العدالة والحقيقة
33. مركز أمل للمناصرة والتعافي
34. فريق ورشة
35. نوفوتوزون
36. حُماة حقوق الإنسان
37. MDP- MADAD for Development and Peacebuilding
38. جمعية Yekpar للثقافة والفن والتنمية
39. Dozana
40. المؤسسة السورية للأبحاث والتنمية المستدامة
41. بيتنا
42. منظمة الرسالة الإنسانية المستقلة
43. منظمة لأجل النسوية
44. Syrian Missing Families Networking
45. مركز عدل لحقوق الإنسان
46. نساء الغد
47. مؤسسة التعاون الإنساني والإنمائي
48. مركز المواطنة المتساوية
49. فريق تطوّع لنبني
50. جمعية ضمة النسائية
51. اللجنة السورية للمعتقلين والمعتقلات (SCD)
52. الحركة السياسية النسوية السورية
53. شبكة الصحفيين الكورد في سوريا
54. منظمة روز للدعم والتمكين
55. ملتقى شمس
56. مؤسسة من حقي
57. تجمع إنصاف ضحايا قوانين غصب العقارات
58. Urban beyond
59. جمعية الملاكين في سوريا

الأفراد الموقّعون/ات

1. زياد خياطة
2. طارق حمدان
3. الدكتور حمزة الخطيب
4. خلود حلمي
5. شذا كيلو
6. أيمن أبو هاشم
7. جلال كامل نوفل
8. بشرى خضير
9. فاروق الحبيب
10. ريما دالي
11. مريم حلاق
12. بولس الحلاق
13. نورا غازي
14. فدوى محمود
15. منى الفريج
16. لبنى قنواتي
17. م. إبراهيم شيخ الشباب
18. رضوان الغفير
19. إياد حميد
20. محمد يزن دويدري
21. هبة بريص
22. سهيل الغازي
23. أمل النعسان
24. خديجة حسين حليمة
25. أبي كرد علي
26. آلاء يونس
27. ملك شنواني
28. ثريا حجازي
29. ليندا عثمان
30. جنى سلطاني
31. هادي مدور
32. لنا أنطاكي
33. باري عبد اللطيف
34. سعاد خبية
35. يوسف بكداش
36. خالد الحاجي
37. محمد كنجو
38. سوزان سليمان
39. عبد الغفار البواب
40. محمد نبهان
41. زهرة الفريج
42. سهير عمر
43. إيمان عبد العليان
44. ساشا أيوب
45. رامز يوسفان
46. رانيا مصطفى
47. ختام غبش
48. عفاف الكوجك
49. الدكتور محمد كريمه
50. شفاء العبد
51. رشا الطبشي
52. أحمد حسن عبيد
53. أحمد حداد
54. ريباز تحسين العلي
55. فراس حاج يحيى
56. عبد الخالد
57. محمد عبد اللطيف الغفير
58. طارق قادري
59. رشيد عياش
60. محمد أيمن معتوق
61. يوسف الخطيب
62. عامر عبد الحفيظ مناوي
63. مصطفى الحمامي
64. هيفاء الغفير
65. عبد الرزاق المصري
66. مهند الغفير
67. بشار حسن حجيج
68. علا حسان المصري
69. محمد السليم
70. أيمن معتوق
71. محمد بلال معتوق
72. مروان العش
73. إنعام الغفير
74. صفاء الإمام ربة
75. فاطمة الإمام
76. علا حسان المصري
77. محمد مازن
78. الدكتور أنس كيال
79. محمد الحبال
80. علاء الجلدة
81. نزار علاء الدين
82. منصور دردار
83. مهدي عبد العزيز الفا
84. محمد زين
85. صبحي أحمد بعلبكي
86. ساره إسماعيل أبو الهوا
87. عمر عرابي
88. نور خمم
89. بلال المعلم
90. محمد ياسر عجاجة
91. منى خانم
92. نبيل محفوض
93. جهاد مختار خمم
94. محمد إياد عجاجة
95. محمد فواز كامل
96. جلال الدين حسحس
97. وليد شبيب
98. محمد القبرصلي
99. مأمون الغفير
100. لجين يوسفان
101. محمد أبو اللبن
102. مها غرير
103. أمل الغفير
104. فوزية الخطيب
105. نجوى خطيب
106. محمد أبو كرش
107. رهام المرستاني
108. ماجد خلف شيف
109. إنعام ماجد يوسفان
110. أريج ماجد
111. أمل نقشبندي
112. بلال العواد
113. حسان تقي
114. واصل حميدة
115. نهلا محي الدين الحمصي
116. سمر بعلبكي
117. سامر نور الدين
118. محمد زياد خانم
119. فايز أبرش
120. المحامي محمد أيمن دحبور
121. السيد نعيم المعلم
122. أيمن رشيد قويدر المعلم
123. محمد أيمن قويدر
124. سمر ياسين عباس
125. نسرين الشعبي
126. راوية الشمر
127. فاطمة نبكي
128. ريم أبو اللبن
129. محمد فراس
130. رضا نبعة
131. ياسر الحمصي
132. نيرمين العباس
133.هنادي علوش
134.هدى سحتوت
135.باسم زهير شوربه
136.عمرو دقماق
137.طارق حبروش
138.محمد القبرصلي
139.أحمد أبازيد
140. فارس جويجاتي
141.نور الهدى علي عتمة
142.م.محمد شحادة
143.عبد الحميد حمام
144.Haya Qdeimati
145.سلوى فتوح
146.محمد أديب حجيج
147.عمار الحبال
148.وسيم محمد يوسف
149.نغم عرنوق
150. المحامية رولا باش إمام
151. دانة البوطي
152. مريانا الحنش
153. يارا عباس
154. أميرة مالك
155. محمد علي ياسين الغانم
156. سامي هدايا
157. حسين حليمة

معالجة فجوة مساءلة الشركات: دروس للعدالة الانتقالية في سوريا

16 يونيو, 2026    |      |    هذا المنشور متوفر أيضاً باللغة : الإنجليزية

ع دخول سوريا مرحلة سياسية جديدة، انتقلت أسئلة العدالة الانتقالية من نطاق النقاش النظري إلى حيز التطبيق العملي الملح. فمن سيُحاسب على الانتهاكات التي شهدتها البلاد خلال العقد الماضي؟ وما هي الآليات القادرة على توفير جبر ضرر حقيقي وفعّال؟ والأهم، هل ستقتصر المساءلة على الأفراد المتورطين مباشرة في الانتهاكات، أم ستمتد أيضاً إلى الجهات الاقتصادية التي ساهمت في تمكينها وتمويلها والاستفادة منها خلال السنوات الخمس عشرة الماضية؟

هذه الأسئلة ليست جديدة. فقد واجهت المجتمعات الخارجة من النزاعات، من نورمبرغ إلى بوغوتا، تحديات مماثلة تتعلق بدور الشركات في إدامة العنف، وكانت النتائج في كثير من الأحيان مخيبة للآمال. ففي وقت سابق من هذا العام، أدانت المحكمة الجنائية في باريس شركة الإسمنت العملاقة “لافارج” بتمويل الإرهاب وانتهاك العقوبات الدولية خلال عملياتها في سوريا، في حكم تاريخي يعكس تنامياً في الاعتراف بمسؤولية الشركات عن التواطؤ في الانتهاكات الجسيمة. ومع ذلك، تبقى قضية لافارج استثناءً أكثر من كونها قاعدة. إذ تكشف مراجعة مقارنة لخمسة سياقات للعدالة الانتقالية — ألمانيا، وجنوب أفريقيا، والبوسنة والهرسك، وكولومبيا، وسيراليون — عن نمط متكرر يتمثل في أن أطر العدالة الانتقالية، رغم اعترافها المتزايد بدور الجهات الاقتصادية في النزاعات، فشلت إلى حد كبير في ترجمة هذا الاعتراف إلى مساءلة قابلة للتنفيذ. وبالنسبة لسوريا، فإن استيعاب دروس هذه التجارب ليس خياراً، بل ضرورة أساسية عند تصميم أي إطار للعدالة الانتقالية.

فجوة تتكرر باستمرار

تعكس “فجوة مساءلة الشركات” هيمنة النماذج القانونية التقليدية التي تركز على الدولة أو على المسؤولية الجنائية الفردية. وغالباً ما يُشار إلى محاكمات نورمبرغ العسكرية باعتبارها سابقة تأسيسية في هذا المجال، إلا أن السجل التاريخي أكثر تعقيداً مما يوحي به هذا التصور. فبينما لم تُحاكم الشركات كأشخاص اعتباريين بصورة رسمية، جرت محاكمة عدد من كبار الصناعيين بسبب تمويل قوات الأمن الخاصة النازية (SS)، والاستفادة من العمل القسري، ودعم الاقتصاد الحربي النازي. كما أن تفكيك شركة IG Farben شكّل دليلاً على إمكانية إخضاع الكيانات الاقتصادية لإجراءات عقابية حتى في غياب إدانة جنائية مباشرة.

ولا تكمن أهمية تجربة نورمبرغ في إثبات استحالة مساءلة الشركات قانونياً، بل في إظهار أن هذه المساءلة تحتاج إلى أدوات قانونية مصممة خصيصاً لضمان فعاليتها. ففي غياب هذه الأدوات، ستقوض الضغوط السياسية والاقتصادية أي مكاسب يتم تحقيقها. وقد خُففت بالفعل العديد من الأحكام الصادرة بحق الصناعيين أو أُلغيت لاحقاً عندما أعطت القوى الغربية الأولوية لإعادة الإعمار والاستقرار الجيوسياسي. وبالنسبة لسوريا، فإن أوجه الشبه واضحة؛ إذ إن مقاومة الضغوط الرامية إلى تطبيع العلاقات الاقتصادية على حساب المساءلة تتطلب إدراج ضمانات قانونية صريحة منذ البداية.

المشاركة الطوعية ليست كافية

اعترفت لجنة الحقيقة والمصالحة في جنوب أفريقيا، من خلال جلسات الاستماع الخاصة بالأعمال التجارية والعمل عام 1997، بالدور الذي لعبته الشركات في دعم نظام الفصل العنصري. إلا أن مشاركة الشركات جاءت على أساس طوعي، كما أن اللجنة لم تمتلك صلاحيات تنفيذية، الأمر الذي جعل نتائجها غير ملزمة ولم يترتب عليها أي شكل من أشكال المساءلة أو التعويضات.

كما أظهرت قضية “خولوماني” القضائية الإمكانات والقيود الكبيرة للاعتماد على المحاكم الأجنبية لسد فجوات المساءلة المحلية. فعندما تدخلت حكومتا جنوب أفريقيا والولايات المتحدة لإعاقة القضية، أدى ذلك إلى تعطيل جهود المساءلة وحرمان الضحايا من سبل الانتصاف الفعالة.

وتؤكد التجربة الكولومبية الأحدث الدرس ذاته. فرغم امتلاك كولومبيا نظاماً متقدماً للعدالة الانتقالية يقوم على ثلاثة أركان، ما تزال الجهات الاقتصادية خاضعة لمشاركة طوعية فقط. وقد وثق التقرير النهائي للجنة الحقيقة كيف ساهمت جهات اقتصادية في تسهيل العنف من خلال الاستيلاء على الأراضي وإبرام عقود لتأمين الحماية العسكرية للبنية التحتية التابعة للشركات. ومع ذلك، لم تتحول هذه التوثيقات إلى مساءلة فعلية بسبب غياب الاختصاص الإلزامي.

أما الحكم الصادر عام 2024 ضد شركة “تشيكيتا براندز”، والذي مثّل أول مرة تُحمّل فيها هيئة محلفين أمريكية شركة مسؤولية عن انتهاكات حقوق الإنسان في الخارج، فقد استغرق سبعة عشر عاماً من التقاضي. ويُظهر ذلك بوضوح أن الإجراءات القضائية الأجنبية لا يمكن أن تكون بديلاً عن آليات وطنية قوية وفعالة.

تجاهل الفاعلين المحليين

وتقدم تجربة البوسنة والهرسك مثالاً تحذيرياً آخر، ذا أهمية خاصة بالنسبة للمشهد الاقتصادي السوري المتشظي. فقد أولت المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بيوغوسلافيا السابقة اهتماماً كبيراً بالمساءلة الجنائية الفردية، لكنها تجاهلت بالكامل الاقتصاد السياسي للنزاع. كما أعطى اتفاق دايتون الأولوية لإعادة بناء الاقتصاد والأسواق على حساب المساءلة، ما سمح للنخب التي راكمت نفوذها أثناء الحرب بترسيخ قوتها الاقتصادية خلال مرحلة ما بعد النزاع.

والأهم من ذلك أن أوجه القصور في هذا الإطار لم تقتصر على الشركات الكبرى، بل شملت أيضاً الجهات الاقتصادية المحلية المتجذرة في المجتمع، والتي ساهمت مادياً في تمكين العنف خلال الحرب دون أن تخضع لأي تدقيق أو مساءلة. وبالنسبة لسوريا، حيث لعبت شبكات الأعمال المحلية دوراً مهماً في دعم انتهاكات النظام واستدامتها، فإن أي إطار يركز حصراً على الفاعلين الكبار أو الشخصيات البارزة يخاطر بالإبقاء على البنى الاقتصادية التي مكّنت النزاع واستفادت منه.

ما الذي تحتاجه سوريا؟

تشير التجارب المقارنة إلى مجموعة من المتطلبات الأساسية التي ينبغي أخذها في الاعتبار عند تصميم إطار العدالة الانتقالية في سوريا.

ويتمثل أول هذه المتطلبات في إخضاع الجهات الاقتصادية لاختصاص إلزامي وواضح. ففي جميع الحالات التي تمت دراستها، أسفرت المشاركة الطوعية عن النتيجة ذاتها: توثيق الانتهاكات دون أن يقابله أي شكل حقيقي من أشكال المساءلة. لذلك، ينبغي أن يتضمن أي إطار سوري ولاية إلزامية على الكيانات الاقتصادية والأفراد الذين يتصرفون بصفتهم التجارية، مع توفير ضمانات تحمي هذه الآليات من التدخلات السياسية.

كما يجب أن يعالج الإطار مختلف أشكال التواطؤ الاقتصادي. فتجربة سيراليون في تمويل النزاعات عبر تجارة الألماس توضح أن اقتصادات الحرب تعمل من خلال شبكات متداخلة ومعقدة، بينما تكشف تجربة البوسنة عن مخاطر تجاهل الفاعلين المحليين بالكامل.

كما ينبغي تمكين المجتمع المدني بصورة مؤسسية تتجاوز المشاركة الرمزية أو الشكلية. فقد أظهرت منظمات كولومبية مثل “ديجوستيسيا Dejusticia” و”مختبر مساءلة الشركات Corporate Accountability Lab” كيف يمكن للضغط الحقوقي المستمر أن يحقق نتائج ملموسة. وفي السياق السوري، ينبغي منح منظمات المجتمع المدني، بما في ذلك منظمات الشتات التي تمتلك خبرات قانونية كبيرة، دوراً رسمياً داخل آليات العدالة الانتقالية، مع توفير صلاحيات تضمن أن تكون مشاركتها مؤثرة وفاعلة.

لا تزال ملامح العدالة الانتقالية في سوريا قيد التشكّل. والقرارات التي تُتخذ اليوم بشأن تصميم المؤسسات والتعامل مع الجهات الاقتصادية ستحدد ما إذا كانت المساءلة ستتحقق فعلاً أم ستُؤجَّل مرة أخرى لصالح أولويات إعادة الإعمار والاعتبارات السياسية الآنية. إن معالجة فجوة مساءلة الشركات ليست مسألة ثانوية أو هامشية، بل عنصر أساسي في تحديد ما إذا كانت العدالة الانتقالية في سوريا ستفضي إلى مساءلة حقيقية أم ستتحول إلى مجرد عملية لإدارة الماضي دون محاسبة فعلية.

إعداد: عليا خلوف
متدربة قانونية في وحدة حقوق الإنسان والأعمال (HRBU)
خريجة بكالوريوس القانون (LLB) – كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية (LSE)

بين الفرص والمسؤوليات: كيف يمكن للشركات أن تستثمر في سوريا بشكل مسؤول؟

1 يونيو, 2026    |      |    هذا المنشور متوفر أيضاً باللغة : الإنجليزية

مع الانفتاح الاقتصادي التدريجي في سوريا، بدأت شركات إقليمية عديدة تنظر باهتمام متزايد إلى الفرص المتاحة في قطاعات البناء، والبنية التحتية، والاتصالات، والنقل، والخدمات اللوجستية، والطاقة، والعقارات. وبالنسبة لكثير من هذه الشركات، تبدو سوريا سوقاً واعدة في مرحلة ما بعد النزاع، خصوصاً في ظل الحاجة الكبيرة إلى إعادة الإعمار والتنمية على المدى الطويل. لكن سوريا ليست بيئة استثمارية تقليدية. فسنوات الحرب، والنزوح، وتراجع مؤسسات الدولة، والتفكك الاقتصادي، جعلت أي نشاط اقتصادي يرتبط بشكل مباشر بقضايا أوسع تتعلق بحقوق الإنسان، والحوكمة، والاستقرار الاجتماعي. وهذا يضع أمام الشركات الإقليمية فرصاً مهمة، لكنه يفرض عليها أيضاً مسؤوليات ومخاطر حقيقية.

وتُظهر تجارب دول خرجت من نزاعات، مثل العراق ولبنان والبوسنة والهرسك، أن إعادة الإعمار قد تتحول أحياناً إلى عامل يزيد من عدم الاستقرار عندما تتحرك الاستثمارات بسرعة أكبر من الإصلاحات القانونية والمؤسساتية المطلوبة. ففي كثير من الحالات، ساهمت مشاريع إعادة الإعمار غير المنظمة في انتشار الفساد، واستغلال العمال، والإضرار بالبيئة، وتهميش المجتمعات المتضررة. ومن المهم أن تتجنب الشركات العاملة في سوريا تكرار هذه التجارب.

ومن هنا، تصبح العناية الواجبة في مجال حقوق الإنسان خطوة أساسية لأي شركة تفكر بدخول السوق السورية. فالشركات بحاجة إلى التدقيق في الجهات التي تتعامل معها، وفهم تأثير مشاريعها على المجتمعات المحلية، والتأكد من أن أعمالها لا تسهم في التهجير أو الاستغلال أو الإقصاء. فقد غيّرت سنوات الحرب الكثير من هياكل الملكية، وسلاسل التوريد، وموازين القوى الاقتصادية المحلية. ومن دون تقييم حقيقي للمخاطر، قد تجد الشركات نفسها لاحقاً أمام تبعات قانونية أو مالية أو تشغيلية أو حتى أضرار كبيرة على مستوى السمعة.

وتبقى قضايا السكن والأرض والملكية من أكثر الملفات حساسية في سوريا اليوم. فما يزال ملايين السوريين نازحين داخل البلاد وخارجها، بينما يواجه كثيرون نزاعات ملكية معقّدة، أو فقداناً للوثائق، أو سجلات عقارية متضررة. لذلك، ينبغي على الشركات العاملة في مشاريع الإسكان أو إعادة التطوير العمراني أو البنية التحتية أن تضمن عدم مساهمة مشاريعها في تهجير إضافي أو في حرمان الناس من العودة إلى منازلهم ومناطقهم. كما أن الشفافية والتشاور مع المجتمعات المحلية لا يمثلان فقط التزاماً حقوقياً، بل يشكلان أيضاً حماية للشركات نفسها من النزاعات والمخاطر المستقبلية.

كما يجب النظر إلى حقوق العمال باعتبارها جزءاً أساسياً من أي عملية إعادة إعمار حقيقية. فقد أدّى الانهيار الاقتصادي في سوريا إلى زيادة هشاشة العمال وتراجع ظروفهم المعيشية. وربما تستطيع بعض الشركات تحقيق أرباح سريعة عبر الاعتماد على أجور متدنية أو ظروف عمل غير آمنة أو عمالة غير منظمة، لكن ذلك يحمل في المقابل مخاطر كبيرة على المدى البعيد، سواء على مستوى السمعة أو الاستقرار والاستدامة. أما الشركات التي تستثمر في الأجور العادلة، وتحسين ظروف العمل، وخلق فرص حقيقية للعمالة المحلية، فستكون أكثر قدرة على بناء الثقة وتحقيق استقرار طويل الأمد.

ولا تقل المسؤولية البيئية أهمية عن ذلك. فالحرب خلّفت وراءها تحديات بيئية وصحية خطيرة، من التلوث إلى تضرر البنية التحتية، وصولاً إلى الإدارة غير الآمنة للأنقاض والنفايات. ولهذا، فإن الشركات التي تراعي المعايير البيئية وتدمج إجراءات الحماية ضمن مشاريعها ستكون أقل عرضة للتوترات المجتمعية والمخاطر التنظيمية مستقبلاً.

ومن المهم التأكيد على أن الالتزام بالممارسات التجارية المسؤولة لا ينبغي اعتباره عائقاً أمام الاستثمار أو سبباً لتأخير المشاريع. ففي بيئات ما بعد النزاع، أصبحت هذه الممارسات جزءاً أساسياً من نجاح الأعمال واستدامتها. فالشركات التي ترتبط بالشفافية، والشراكات المسؤولة، وحماية العمال، والتواصل مع المجتمعات المحلية، ستكون أكثر قدرة على جذب الشركاء الدوليين، والحفاظ على مصداقيتها، والتكيف مع أي تغيّرات قانونية أو تنظيمية في المستقبل.

إن إعادة إعمار سوريا لن تحدد فقط شكل الاقتصاد، بل ستساهم أيضاً في رسم مستقبل المجتمع السوري لعقود قادمة. ولذلك، فإن الشركات التي تدخل السوق السورية اليوم ليست مجرد جهات تجارية، بل أطراف فاعلة في مرحلة حساسة من تعافي البلاد. فالشركات التي تتجاهل مخاطر حقوق الإنسان قد تسهم، بشكل مباشر أو غير مباشر، في إعادة إنتاج أسباب عدم الاستقرار، كما قد تعرّض نفسها لعواقب قانونية وسياسية كبيرة. أما الشركات التي تتبنى نهجاً أكثر مسؤولية واحتراماً للمجتمعات المحلية، فستكون الأقدر على تحقيق الاستدامة والنجاح على المدى الطويل في الاقتصاد السوري المتغيّر.

بقلم: إياد حميد
مدير وحدة حقوق الإنسان والأعمال التجارية – البرنامج السوري للتطوير القانوني (SLDP)

الخصخصة وحقوق الإنسان: المخاطر في النقاش الدائر حول الرعاية الصحية في سوريا

15 مايو, 2026    |      |    هذا المنشور متوفر أيضاً باللغة : الإنجليزية

في مطلع أبريل/ نيسان 2026، أثارت تصريحات طلال الهلالي، رئيس هيئة الاستثمار السورية، موجةً من القلق الشعبي. إذ أشار الهلالي إلى أن الدولة تمتلك 71 مستشفىً حكومياً، وأنها تتجه نحو منحها للقطاع الخاص في شراكة مع الدولة، في إطار ما وصفه بمساعي تطوير القطاع الصحي وتحسين كفاءته. جاء رد الفعل سريعاً، وأعقبه توضيح فوري. إذ أكدت هيئة الاستثمار السورية أن “الصحة ليست للبيع”، مشددةً على أن التصريحات لم تكن تعني خصخصة المستشفيات، بل دراسة نماذج إدارية حديثة بالشراكة مع القطاع الخاص، مع بقاء الدولة “الضامن الأساسي للعلاج”. وأكد وزير الصحة بدوره أن الخدمات الطبية ستبقى مجانية، وأنه لا توجد خطط لخصخصة المستشفيات الحكومية.

هدأت حدة الجدل، غير أن السؤال الذي أثاره لم يهدأ. فحتى حين تكون الخصخصة الكاملة خارج النقاش، فإن الشراكات بين القطاعين العام والخاص في مجال الرعاية الصحية لا تخلو من مخاطر. وفي بلدٍ لا يزال يُعيد بناء مؤسساته وعقده الاجتماعي، فإن هذه المخاطر تستدعي تدقيقاً جدياً.

ماذا يرى السوريون؟
الرأي العام لا لبس فيه. كشف استطلاع أُجري في أبريل/ نيسان 2026 شمل دمشق وريف دمشق وحمص أن 88% من المستطلَعين يعارضون نقل المستشفيات الحكومية إلى القطاع الخاص. وهذا ليس مجرد موقف من سياسة بعينها، بل هو انعكاس لشعب عانى سنواتٍ من انهيار البنية التحتية والتهجير وتراجع الخدمات العامة، وهو يراقب عن كثب ما إذا كانت السلطات الانتقالية ستُعيد بناء الدولة أم ستُجوّفها من الداخل.

تراجع الرضا عن الخدمات العامة تراجعاً حاداً منذ فبراير/ شباط 2026، إذ انخفض من 49% إلى 25%، فيما تضاعف عدم الرضا أكثر من مرة. ويُفيد ما مجموعه 62% من المستطلَعين بصعوبة تغطية نفقات المعيشة، ولا يرى سوى 13% أن الحكومة تبذل ما يكفي لمعالجة ارتفاع الأسعار. في هذا السياق، فإنّ أي إجراء قد يرفع تكاليف الرعاية الصحية بصورة غير مباشرة، أو يُدهور جودتها، أو يُقيّد الوصول إليها، لا يمثّل مجرد قلقٍ مجرّد، بل هو مسألة بقاء.

الحق في الصحة في ضوء القانون الدولي
الرعاية الصحية حق إنساني. تُقرّ المادة 12 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بحق كل فرد في التمتع بأعلى مستوى ممكن من الصحة الجسدية والنفسية. وقد فسّرت اللجنة المعنية بهذا العهد في تعليقها العام رقم 14 هذا الحق بما يستوجب أن تكون الخدمات الصحية متاحةً، وميسورة الوصول، ومقبولة، وذات جودة كافية. والأهم أن إمكانية الوصول تشمل القدرة على التحمّل المالي: فيجب أن تكون الخدمات في متناول الجميع، بما فيهم الفئات الأشد هشاشة.

بموجب القانون الدولي، تتحمل الدولة المسؤولية الأولية عن احترام هذا الحق وحمايته وإعماله. ولا يجوز لها الإفلات من هذا الالتزام أو تفويضه إلى جهات خاصة.

مخاطر إشراك القطاع الخاص
حتى دون بلوغ الخصخصة الكاملة، تنطوي الشراكات بين القطاعين العام والخاص في مجال الرعاية الصحية على مخاطر موثّقة.

الربح على حساب الناس: حين تعمل المؤسسات الصحية وفق حوافز تجارية، تُقاس الكفاءة بمعايير مالية لا بمخرجات صحية. وتُصبح الخدمات المكلفة لكنها الأشد ضرورة للفئات الهشة، كإدارة الأمراض المزمنة أو الصحة الإنجابية، عبئاً لا أولوية.

عوائق الوصول: يُفضي إدخال آليات تحصيل التكاليف، حتى الرمزية منها، إلى خلق حواجز أمام الوصول. وقد حذّر المحللون من أنه في غياب سقوف واضحة للتكاليف التي قد تتحملها الأسر، قد يغدو “تحسين الخدمات” ذريعةً لفرض أعباء مالية إضافية، مما يُعمّق التفاوت في الحصول على الرعاية.

الرقمنة والإقصاء: أعلنت السلطات الانتقالية السورية عن خطط لتوسيع التحوّل الرقمي في القطاع الصحي، من خلال ربط بيانات المستشفيات لتحسين التخطيط. وهذا ليس إشكالياً في حد ذاته، إلا أنه ينطوي على مخاطر. والمجتمعات ذات المحدودية في القدرة الرقمية أو الاتصال بالشبكة أو التوثيق الرسمي معرّضة للإقصاء أو الاستغلال بدلاً من الاستفادة.

تراجع الجودة: قد تُفضي الخصخصة أو الإدارة ذات الطابع التجاري إلى انحدار في جودة الخدمة، حين يلجأ مقدّموها إلى خفض التكاليف بهدف تعظيم العائدات. وهذا يُقوّض مباشرةً التحقق الكامل للحق في الصحة، انتهاكاً لالتزامات الدولة بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان.

الخطر الأشمل: التنصّل من الالتزام
ثمة خطر هيكلي أوسع يستحق الاهتمام، ولا سيما مع بدء سوريا انخراطها في أطر الاستثمار الدولي وتمويل إعادة الإعمار. يصف الباحثون صعود نموذج “التنمية كاستدراج للاستثمار”، الذي تُعاد فيه توجيه الدولة تدريجياً نحو حماية شروط الاستثمار الأجنبي، مستخدمةً مواردها العامة لدعم عوائد المستثمرين، بينما تتراجع عن تقديم الخدمات العامة مباشرةً. وتغدو الصحة والتعليم والمياه والإسكان جميعها “فئات أصول” محتملة.

يتجلى هذا النموذج في منطقة أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، حيث أسفرت خصخصة المنظومات الصحية عبر رسوم الاستخدام وأنظمة التأمين ومنصات الاستثمار الخاصة عن تعميق التفاوت وإضعاف البنية التحتية للصحة العامة. وقد أضحت أدوات الصحة الرقمية في بعض الحالات آليات مراقبة تُمكّن شركات التأمين من تعديل الأقساط استناداً إلى بيانات المرضى. وهذه المعطيات كانت نتيجة هيكلية لنموذج يُقدّم العوائد المالية على الالتزام العام.

السلطات السورية قدّمت تطمينات، غير أن التطمينات ليست أطراً قانونية. وشدّد الخبراء على أن نجاح أي إشراك للقطاع الخاص في المؤسسات العامة يتوقف على وجود إطار قانوني واضح يُنظّم العلاقة بين الدولة والمستثمرين، وشفافية في العقود، ورقابة فعّالة للحيلولة دون الاحتكار وصون حقوق المواطنين. وفي غيابها، قد تتحول الخصخصة من أداة لتحسين الكفاءة إلى عامل يُثقل كاهل المواطنين ويُعمّق التفاوت.

في هذه اللحظة المفصلية من المرحلة الانتقالية السورية، فإن أي إحالة لالتزامات الدولة في مجال حقوق الإنسان إلى جهات خاصة، سواء عبر خصخصة رسمية أو تآكل تدريجي للخدمات العامة، لن تزيد إلا في تقويض الثقة بالمؤسسات الحكومية. وستُمثّل تخلياً عن الواجب الذي وُجدت المرحلة الانتقالية لأجل الوفاء به.

ما نطالب به
يجب على السلطات الانتقالية ضمان أن يكون أي تعاون مع القطاع الخاص في مجال الرعاية الصحية:

* مستنداً إلى إطار قانوني مُلزِم يحمي الحق في الصحة صراحةً؛
* خاضعاً لرقابة مستقلة، مع عقود شفافة وآليات محاسبة حقيقية؛
* مُصمَّماً لضمان عدم حرمان أي مريض أو مريضة من الرعاية لأسباب مالية، ولا من تلقّي خدمات غير كافية أو يتعذّر الوصول إليها أو لا تستجيب لاحتياجاته ولاحتياجاتها، وفق التزامات سوريا بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية؛
* خاضعاً لتقييم أثره التفاضلي على الأكثر هشاشة، بما يشمل النساء والنازحين والأشخاص ذوي الإعاقة وسكان المناطق ذات الدخل المنخفض.
بقلم: الريم كمال، مسؤولة قانونية، وحدة حقوق الإنسان والأعمال التجارية

منظمات المجتمع المدني السورية تقترح إطاراً للمساءلة الجنائية الفعّالة في ظل بدء المحاكمات

12 مايو, 2026    |      |    هذا المنشور متوفر أيضاً باللغة : الإنجليزية

12 أيار/ مايو 2026: أطلق ائتلاف من 27 منظمة من منظمات المجتمع المدني وروابط الضحايا السورية تقريراً جديداً يطرح إطاراً مقترحاً للمساءلة الجنائية في سوريا، وذلك في وقت بدأت فيه المحاكمات بالانعقاد في دمشق.

يجمع التقرير، مسارات المساءلة الجنائية في سوريا، وجهات نظر خبراء/ات قانونيين/ات سوريين/ات، ومجموعات الضحايا والناجين/ات، وفاعلين/ات في المجتمع المدني، وذلك في أعقاب عملية تشاورية استمرت ثمانية أشهر.
ويعرض إطاراً عملياً لمتابعة المساءلة يكون ذا مصداقية وشاملاً ومتوافقاً مع المعايير الدولية، بما في ذلك اعتبارات رئيسية تتعلق بالتكييف القانوني للجرائم، والضمانات الإجرائية، والمشاركة المجدية للضحايا.

يأتي إصدار التقرير في لحظة حرجة، حيث يجري اتخاذ خطوات أولية نحو المساءلة الجنائية داخل سوريا. وبينما يُرحّب بهذه التطورات بوصفها تحولاً طال انتظاره بعد سنوات من الإفلات من العقاب، فقد أعربت منظمات المجتمع المدني السورية عن مخاوف بشأن كيفية إدارة هذه العمليات، بما في ذلك تأطيرها القانوني والضمانات المرتبطة بها.

ويستعرض التقرير العناصر الأساسية لعمليات مساءلة ذات مصداقية، بما في ذلك:
• التكييف القانوني للجرائم بما يتماشى مع القانون الدولي
• ضمانات إجرائية متينة وفقاً لمعايير المحاكمة العادلة
• مشاركة مجدية للضحايا
• توصيات عملية للجهات الفاعلة الوطنية والدولية

“يعكس هذا التقرير جهداً مشتركاً من قبل المجتمع المدني السوري وروابط الضحايا لتحديد ملامح المساءلة ذات المصداقية في هذه المرحلة” قالت منظمات المجتمع المدني السورية ومجموعات الضحايا المشاركة في التقرير، “وفي وقت بدأت فيه هذه العمليات بالتشكل، من الضروري أن تستند إلى مبادئ تضمن تحقيق العدالة للضحايا وترسيخ الشرعية على المدى الطويل.”
يهدف التقرير إلى دعم انخراط أكثر اطلاعاً من قبل الجهات الفاعلة الدولية، بما في ذلك الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والدول الرئيسية، في سياق تفاعلها مع هذه التطورات.
________________________________________

ملاحظات للمحررين/ات
• المتحدثون/ات متاحون/ات لإجراء مقابلات باللغتين العربية والإنكليزية.

للاستفسارات الإعلامية، يرجى التواصل مع:
• media@thesyriacampaign.org
• communication@scm.ngo

 

ورقة موقف حول مسار العدالة الانتقالية والتعاون مع الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية

27 أبريل, 2026    |      |    هذا المنشور متوفر أيضاً باللغة : الإنجليزية

ؤكد مجموعة روابط الضحايا ومنظمات المجتمع المدني السورية الموقعة أدناه بأن العدالة الانتقالية تُشكّل ركيزة أساسية لأي مسار جاد نحو بناء سلام واستقرار مستدامين في سورية. فلا يمكن تصور انتقال سياسي واجتماعي جدي نحو دولة مواطنة متساوية وحقوق وواجبات وسيادة قانون ما لم يتم معالجة إرث الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وضمان حقوق جميع الضحايا دون تمييز في الحقيقة والعدالة والمساءلة وجبر الضرر وضمانات عدم التكرار. كما تؤكد أن مسار العدالة الانتقالية يجب أن يعترف بالضحايا كأفراد متساوين-ات بصرف النظر عن الجهات أو الأفراد المسؤولين عن الانتهاكات بحقهم-ن، وأن يرتكز على مشاركتهم-ن الفاعلة في صياغة مستقبلهم-ن.

وإذ تؤمن المجموعة بأن المشاركة الفاعلة للمجتمع المدني وروابط الضحايا لا تقتصر على كونها مساهمة فنية/تقنية وحسب، وإنما تمثّل حقاً أصيلاً لهم-ن باعتبارهم-ن أصحاب مصلحة مباشرين، وأطرافاً فاعلة تمتلك الشرعية في تصميم مستقبل العدالة في البلاد؛ فقد بادرت المجموعة المؤلفة من 28 رابطة ومنظمة سورية في تنظيم عملية تشاور ومراجعة موسعة لمسودة مشروع القانون والسياسات ذات الصلة بالعدالة الانتقالية، وقدمت خبراتها وملاحظاتها إلى الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية بما يضمن شمولية العملية ويسهم في تطوير إطار قانوني يعكس أفضل الممارسات الدولية في مجال العدالة الانتقالية ويتواءم مع السياق المحلي في سوريا. واستندت هذه الخبرة إلى تراكم سنوات من العمل المشترك في دعم هذا المسار، بما في ذلك الجهود الأخيرة التي بُذلت لبلورة رؤية مشتركة للعدالة الانتقالية في سوريا وإطلاق وثيقة “المبادئ العامة حول العدالة والحقيقة والإنصاف” في سبتمبر/أيلول 2025.

وفيما تؤكد المجموعة أن نجاح مسار العدالة الانتقالية يتطلب انفتاحاً حقيقياً على خبرات المجتمع المدني وروابط الضحايا من قبل هيئات ومؤسسات العدالة الانتقالية، كما يتطلب ضمان مشاركة فعالة للضحايا وممثليهم-ن في جميع مراحل تصميم وتنفيذ مسارات العدالة الانتقالية؛ فقد أعدّت المجموعة مذكرة تفصيلية تجاوزت السبعين صفحة من الملاحظات القانونية والتقنية والعملياتية لمسودة مشروع القانون، وقدمتها مكتوبة إلى الهيئة. وركزت هذه المذكرة على عدد من القضايا الأساسية المرتبطة بفعالية وشمولية مسار العدالة الانتقالية، ومن بين أهم الأمور التي تم التركيز عليها:

1- وجوب أن يُكتب القانون بلغة قانونية محايدة، دقيقة، ومضبوطة المصطلحات، وأن يجتنب مطلقًا أي لغة سياسية أو عبارات أو مصطلحات تفضي إلى سرديات سياسية تؤثر على الحياد القانوني.

2- وجوب أن يعتمد القانون تعريفًا موضوعيًا وشاملًا للعدالة الانتقالية، يتضمن جميع الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، بصرف النظر عن الجهة أو الأفراد المسؤولين عنها أو المشتبه في ارتكابها.
كما يجب أن يلحظ القانون الطابع المركب للنزاع المسلح في سوريا وتعدد الأطراف المنخرطة فيه، وأن يكفل معالجة الانتهاكات المرتكبة من قبل تلك الأطراف دون تمييز، وألا يحصر نطاق العدالة الانتقالية بالجرائم “التي تسبب بها نظام الأسد”.

3- وجوب النص بوضوح على تعريف شامل للضحايا، على نحو يضمن الاعتراف بهم جميعًا، ويكفل تمتعهم المتساوي بالحقوق المترتبة على ذلك دون استثناء أو تمييز، في الوصول إلى الحقيقة والعدالة وجبر الضرر، بغض النظر عن الجهة أو الأفراد المسؤولين عن الانتهاكات، أو عما إذا كان قد جرى تحديد المسؤولين عنها أم لا.

4- وجوب توسيع النطاق الزمني للقانون ليشمل جميع الجرائم والانتهاكات المرتكبة بعد 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 وحتى اعتماد دستور دائم للبلاد، بما يمنع نشوء أي فراغ قانوني في التعامل مع الانتهاكات الجسيمة خلال المرحلة الانتقالية.
كما ينبغي أن يشمل، من خلال بعض آليات العدالة الانتقالية، ولا سيما الحق في معرفة الحقيقة والاعتراف وتخليد الذكرى، الانتهاكات التي تعود جذورها إلى ما قبل عام 1970، بما يضمن عدم إغفال السياق التاريخي لهذه الانتهاكات ومعالجته.

5- وجوب تضمين القانون أحكامًا واضحة تكفل المشاركة الفاعلة والهادفة للضحايا وذويهم وروابط الضحايا ومنظمات المجتمع المدني في جميع مراحل مسار العدالة الانتقالية، بما في ذلك المشاركة في اتخاذ القرار، وتصميم السياسات والآليات ذات الصلة، وتنفيذها ومتابعتها ومراقبتها.

6- وجوب إدراج ضمانات قانونية واضحة تكفل الاستقلال المؤسسي للهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، واستقلال أعضائها وعضواتها، مع اعتماد آليات واضحة للتعيين والعزل والاستبدال، وتحديد دقيق لطبيعة العلاقة مع السلطتين التنفيذية والقضائية بما يضمن التعاون دون التبعية أو التدخل.
كما يجب وضع قواعد تنظيمية واضحة لتوزيع الاختصاصات بين اللجان والوحدات المختلفة داخل الهيئة، وتحديد خطوط المسؤولية والتنسيق لمنع التداخل والتعارض.

7- وجوب النص صراحة على الامتثال الكامل للقانون الدولي وسموه في تفسير وتطبيق أحكام القانون، بما يشمل احترام حقوق الضحايا، وضمان استقلال القضاء، ومعايير المحاكمة العادلة، وتعريف الجرائم والمسؤولية الجنائية لمرتكبيها وفق القانون الدولي، وحظر عقوبة الإعدام، والاعتراف بجريمة الاختفاء القسري بوصفها جريمة دولية قائمة بذاتها.

8- وجوب اعتماد مقاربة تراعي النوع الاجتماعي في مختلف مكونات العدالة الانتقالية، بما يشمل ضمان المشاركة والتمثيل المتساوي للنساء، والاستجابة الملائمة للأضرار التي لحقت بهن.

في الوقت ذاته، تعرب الروابط والمنظمات الموقعة عن قلقها إزاء معالجة بعض القضايا المرتبطة بالانتهاكات الجسيمة أو جبر الضرر أو المحاسبة أو التسويات السياسية خارج إطار مسار العدالة الانتقالية، وعبر آليات منفصلة عنه، وفي غياب الوضوح والشفافية والإطار القانوني الناظم لهذه الإجراءات، الأمر الذي قد يؤدي إلى تسييس العملية برمتها وتعزيز الإفلات من العقاب.

وتؤكد الروابط والمنظمات في هذا السياق أهمية أن تتم معالجة جميع القضايا المرتبطة بكشف الحقيقة والمساءلة وجبر الضرر ضمن إطار متكامل للعدالة الانتقالية، بما يكفل احترام حقوق الضحايا، ويعزز مبادئ الشفافية والمساءلة، ويسهم في بناء الثقة العامة في مسار العدالة الانتقالية ومؤسساتها ومؤسسات الدولة، ويحقق تكامل الأدوار.

كما تشدد على أن نجاح مسار العدالة الانتقالية يقتضي أن تتبنى هيئة العدالة الانتقالية مقاربة واضحة وصريحة تعتبر المجتمع المدني ومؤسساته شركاء أساسيين في إنجاح هذا المسار، وأن تضمن حماية الحيز المدني بما يتجاوز نطاق عملياتها الخاصة.
وتعرب الروابط والمنظمات الموقعة عن قلقها إزاء التحديات والمخاطر التي تواجه المجتمع المدني نتيجة محاولات من جهات أخرى لتقييد أو تضييق الحيز المدني بإخضاعه لقيود إدارية أو أمنية أو سياسية مرهقة ومعرقلة، وتؤكد أن سوريا المستقبل يجب أن تمتنع عن أي ممارسات قد تعيد إنتاج أنماط الإقصاء التي مهدت للانتهاكات المريرة السابقة التي عانى منها السوريون والسوريات. إذ تشكل هذه الحماية شرطًا بنيويًا لضمان عدم التكرار، مما يجعل من الضروري أن تكون هيئة العدالة الانتقالية الجهة الأولى التي تطالب وتعمل من أجل هذه الحماية، بما في ذلك المطالبة بإصلاح هذه الممارسات وإنهائها كجزء من ضمانات عدم التكرار.

وفي الختام، تؤكد الروابط والمنظمات الموقعة أن العدالة الانتقالية ليست مجرد إطار قانوني أو مسار رسمي حكومي فحسب، بل هي عملية سياسية واجتماعية طويلة الأمد؛ تتطلب إرادة سياسية جادة تسمح بتفاعل مدني سياسي اجتماعي يصب في مصلحة مسار عدالة انتقالية يعالج إرث الانتهاكات، وينصف الضحايا، ويعيد بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع على أساس الثقة والمساءلة والاعتراف المتبادل، ويضع الأسس لمستقبل قائم على العدالة والكرامة وسيادة القانون.

ومن هذا المنطلق، تؤكد الروابط والمنظمات الموقعة أنها ستواصل أداء دورها في متابعة هذا المسار ومراقبته، وتقديم المعارف والخبرات اللازمة لدعم تطوير الإطار القانوني والمؤسسي للعدالة الانتقالية في سوريا بما يعزز فعاليته وشموليته. كما تطالب هيئة العدالة الانتقالية في هذا السياق بالالتزام بما يلي:

1- اعتماد ونشر استراتيجية شاملة أو خطة عمل ضمن إطار زمني واضح، تحدد الأهداف والأولويات ومراحل التنفيذ ومؤشرات القياس، بما يضمن الشفافية والتشاركية ويتيح تتبع التقدم وتقييم الأداء بصورة منهجية.

2- إرساء آليات منتظمة وشفافة للتقييم والمراجعة، تشمل نشر تقارير دورية عن مستوى التقدم والتحديات، بما في ذلك تقرير يوضح مستوى التقدم والتحديات منذ تأسيس الهيئة وحتى تاريخه، على نحو يتيح المعلومات للرأي العام، ويعزز الشفافية والمساءلة والرقابة.

3- إرساء آليات منتظمة وشفافة ورسمية للتواصل والتشاور والتنسيق بينها وبين المجتمع المدني وروابط الضحايا، بما يدعم اطلاعها قبل وقت كافٍ على مسار العمل، ومشاركتها في تطوير السياسات والقوانين والإجراءات ذات الصلة.

المنظمات والروابط الموقعة:

1. اليوم التالي
2. ميثاق الحقيقة والعدالة
3. المركز السوري للإعلام وحرية التعبير
4. النساء الآن للتنمية
5. سين للسلم الأهلي
6. البرنامج السوري للتطوير القانوني
7. دولتي
8. بدايتنا
9. سوريون من أجل الحقيقة والعدالة
10. عدالتي
11. مسارات إبدالية
12. دار عدالة
13. حملة من أجل سوريا
14. الأرشيف السوري
15. بدائل
16. رابطة المحامين السوريين الأحرار
17. العدالة من أجل الحياة
18. محامون وأطباء من أجل حقوق الإنسان

 

إعادة بناء سوريا: لماذا يجب أن تتمحور إعادة الإعمار حول حقوق الإنسان

15 أبريل, 2026    |      |    هذا المنشور متوفر أيضاً باللغة : الإنجليزية

بعد أكثر من عقد من النزاع، تدخل سوريا مرحلة لم تعد فيها إعادة الإعمار احتمالاً بعيداً، بل واقعاً آخذاً في التبلور. تحمل المدن والبلدات في مختلف أنحاء البلاد آثار العنف الممتد والانهيار الاقتصادي. إن حجم الدمار هائل، يوازيه في ذلك الإلحاح الذي تفرضه عملية إعادة البناء. ومع ذلك، فإن إعادة الإعمار في سوريا ليست مجرد تحدٍّ تقني أو مالي، بل هي في جوهرها عملية سياسية واجتماعية ستشكّل مستقبل البلاد لعقود قادمة.

إعادة الإعمار لا تتعلق فقط باستعادة البنية التحتية؛ بل بإعادة تعريف العلاقة بين المواطنين، والمؤسسات، والاقتصاد. وإذا ما جرى التعامل معها من دون ضمانات كافية، فإنها قد تكرّس الأنماط ذاتها من الإقصاء، والفساد، والتجريد من الملكية، التي ساهمت في اندلاع الانتفاضة منذ البداية. ولهذا السبب، يجب أن تسترشد إعادة الإعمار في سوريا بنهج يتمحور حول حقوق الإنسان، يضع المساءلة، والشمول، وحماية الحقوق في صميم التعافي.

وتُبرز التجارب المقارنة حجم المخاطر. ففي العراق، قُوِّضت إعادة الإعمار بسبب الفساد وضعف الرقابة المؤسسية، مما أضعف ثقة الجمهور. وفي البوسنة والهرسك، عززت إعادة الإعمار الانقسامات الإثنية المتجذّرة في نُظم الحوكمة والملكية. وفي لبنان، أعطت إعادة التطوير الأولوية لمصالح النخب، ما أدى إلى الإقصاء وعدم المساواة. أما في أفغانستان، فقد أخفقت الاستثمارات واسعة النطاق في بناء مؤسسات خاضعة للمساءلة أو في تحقيق نتائج عادلة. وتشير هذه الحالات إلى درس ثابت: إن إعادة الإعمار التي تتجاهل الحقوق والحوكمة تخاطر بإعادة إنتاج عدم الاستقرار بدلاً من معالجته.

الخطر المركزي: حقوق السكن والأرض والملكية وسياسات إعادة الإعمار

في سوريا، تتركز المخاطر الأكثر إلحاحاً وتأثيراً في إعادة الإعمار حول حقوق السكن والأرض والملكية. فقد نزح ملايين السوريين، وخسر كثيرون منهم منازلهم أو أراضيهم أو الوثائق اللازمة لإثبات الملكية. وفي هذا السياق، فإن إعادة الإعمار من دون آليات واضحة للرد والتعويض تنطوي على خطر إضفاء الطابع الرسمي على التجريد من الملكية على نطاق واسع.

وتقدّم التطورات في دمشق تحذيراً بالغ الأهمية. فالإطار الذي أُرسِي بموجب المرسوم 66 يوضح كيف يمكن لإعادة التطوير أن تحول مناطق الملكية غير الرسمية إلى مناطق استثمارية منظّمة عبر أنظمة معقدة قائمة على المساهمة بالأسهم. وفي الممارسة العملية، ثبت أن هذه الأنظمة غير متاحة لكثير من السكان الأصليين، ولا سيما النازحين أو من يفتقرون إلى الوثائق. وهكذا، فإن ما يبدو تخطيطاً عمرانياً يمكن أن يعمل في الواقع كآلية لإعادة هيكلة علاقات الملكية على نحو يُقصي السكان السابقين.

كما تشير الخلافات الأحدث في جوبر والقابون إلى استمرار ديناميات مشابهة. فقد أثارت المقترحات الخاصة بإعادة تطوير هاتين المنطقتين المتضررتين بشدة مخاوف لدى السكان النازحين من أن تمضي إعادة الإعمار من دون ضمانات فعلية للعودة، أو الرد، أو التعويض العادل. كما تقدّمت عمليات التخطيط بقدر محدود من الشفافية، مما عزّز الانطباع بأن إعادة التطوير تعطي الأولوية للاستثمار واسع النطاق على حساب الحقوق الأصيلة للمجتمعات المتضررة.

وترتبط هذه الديناميات بأنماط أقدم وأكثر رسوخاً. ففي ظل الأسد، لم تُستخدم الأطر القانونية والتنظيمية لمجرد تنظيم التنمية الحضرية، بل أيضاً لبسط السيطرة على السكان والأراضي. فقد أتاحت القوانين إعادة تصنيف المناطق وإعادة تطويرها بطرق سهّلت الاستيلاء على الأراضي، وغالباً ما أثّرت في مجتمعات كانت أصلاً مهمّشة بسبب النزوح أو بسبب الانتماء السياسي المفترض.

وفي الوقت نفسه، امتنع نظام الأسد عن إضفاء الطابع الرسمي على الأحياء العشوائية الكبيرة التي توسعت مع النمو الحضري والهجرة. ونتيجة لذلك، ظلّت شرائح واسعة من السكان من دون حقوق ملكية آمنة أو اعتراف قانوني. وكانت هذه المناطق غالباً محرومة من الخدمات والحماية، مع بقائها خاضعة للسيطرة الإدارية والأمنية. وخلال النزاع، تكبّدت كثير من هذه المجتمعات كلفة غير متناسبة، ما عمّق هشاشتها أكثر فأكثر.

والأهم من ذلك، أن هذه الأنماط تعزّزت بفعل محدودية الشفافية وضعف الرقابة العامة. فدور محافظة دمشق في المشاريع المرتبطة بالمرسوم 66، وكذلك في عمليات التخطيط الأحدث في جوبر والقابون، اتّسم بتقييد الوصول إلى المعلومات، وغموض عمليات صنع القرار، وندرة الفرص المتاحة للمجتمعات المتضررة للمشاركة أو الاعتراض على خطط إعادة التطوير. وفي مثل هذه الظروف، تنطوي إعادة الإعمار على خطر ترسيخ ممارسات حوكمية يصبح فيها القانون أداة لا للتنمية الحضرية فحسب، بل أيضاً لإدارة السكان وترسيخ السيطرة الاقتصادية والسياسية.
ومن دون نهج يتمحور حول حقوق الإنسان، يُرجَّح أن تستمر هذه الديناميات، بما يرسّخ التجريد من الملكية، والإقصاء، وعدم المساواة في صميم أسس إعادة الإعمار نفسها.

إضافة إلى ذلك، تنطوي إعادة الإعمار على تدفقات مالية ضخمة، وعمليات شراء وتعاقد، وشراكات بين القطاعين العام والخاص. وفي السياقات التي تظل فيها المؤسسات ضعيفة أو غير شفافة، تكون هذه العمليات عرضة بشكل خاص للفساد واستحواذ النخب. وفي سوريا، حيث دأبت شبكات الأعمال المرتبطة بالنفوذ السياسي على تشكيل الحياة الاقتصادية، قد تؤدي إعادة الإعمار إلى ترسيخ هذه الديناميات ما لم تُعتمد ضمانات فعّالة.

والفساد في إعادة الإعمار ليس مجرد مسألة تقنية، بل له آثار مباشرة على حقوق الإنسان. فعندما تُحوَّل الموارد أو يُساء تخصيصها، تتقوّض قدرة الدولة على توفير الخدمات الأساسية، والرعاية الصحية، والتعليم، والسكن، والبنية التحتية. وبهذا المعنى، يصبح الفساد عائقاً أمام إعمال الحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

كما قد تؤدي إعادة الإعمار إلى تعميق أوجه عدم المساواة. فقد تتركز الاستثمارات في مشاريع واسعة النطاق في مناطق مختارة، بينما تُهمَل المجتمعات الأكثر تضرراً من النزوح والدمار. ومن دون جهود متعمّدة لضمان تنمية شاملة، قد تفضي إعادة الإعمار إلى تعافٍ غير متكافئ، يخلق مناطق ظاهرة من إعادة التطوير إلى جانب استمرار التهميش.

ما الذي يتطلبه نهج تتمحور فيه إعادة الإعمار حول حقوق الإنسان؟

إن عملية إعادة إعمار تتمحور حول حقوق الإنسان تدمج المعايير الدولية لحقوق الإنسان في مسار التعافي الاقتصادي. وهي لا تنظر إلى إعادة الإعمار بوصفها غاية في حد ذاتها، بل باعتبارها وسيلة لبناء مجتمع أكثر عدلاً، وشمولاً، وخضوعاً للمساءلة.

وتُعد المشاركة عنصراً أساسياً. إذ يجب إشراك المجتمعات المتضررة من النزاع والنزوح بصورة فعلية في القرارات المتعلقة بإعادة التطوير، والسكن، والتخطيط الاقتصادي المحلي. ومن دون هذه المشاركة، قد تعكس إعادة الإعمار أولويات النخب السياسية والاقتصادية بدلاً من احتياجات السكان.

كما أن الشفافية والمساءلة لا تقلان أهمية. فعمليات الشراء المفتوحة، والسجلات العامة المتاحة، وآليات الرقابة المستقلة، كلها ضرورية لمنع الفساد وضمان استخدام موارد إعادة الإعمار بما يخدم المصلحة العامة. وهذا يتطلب أيضاً تعزيز المؤسسات القادرة على التحقيق في الانتهاكات وتسوية النزاعات.

وفي صميم أي استراتيجية إعادة إعمار ذات مصداقية يجب أن تكون حماية حقوق السكن والأرض والملكية. ويشمل ذلك آليات للرد، والتعويض، وتسوية النزاعات، تكون متاحة للسكان النازحين، بمن فيهم اللاجئون. ومن دون هذه الضمانات، قد تؤدي إعادة الإعمار إلى تثبيت أنماط التجريد من الملكية وتقويض فرص العودة والمصالحة.

كما أن دور القطاع الخاص مهم كذلك. إذ يتطلب ضمان سلوك تجاري مسؤول الالتزام بالمعايير الدولية، بما في ذلك المبادئ التوجيهية للأمم المتحدة بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان. ويعني ذلك إجراء العناية الواجبة في مجال حقوق الإنسان، ومعالجة الآثار السلبية المحتملة والفعلية على حقوق الإنسان.

إن إعادة الإعمار في سوريا ليست عملية محايدة أو تقنية بحتة. فهي تعكس اختيارات تتعلق بمن يستفيد، ومن يشارك، وحقوق من التي تُحمى. والأنماط الظاهرة بالفعل في دمشق، ولا سيما فيما يتعلق بحقوق السكن والأرض والملكية، تقدم تحذيراً واضحاً من الكيفية التي يمكن أن تُكرّس بها إعادة الإعمار الإقصاء إذا تُركت من دون ضوابط.

إن النهج الذي يتمحور حول حقوق الإنسان لا يقف في مواجهة إعادة الإعمار، بل هو شرط مسبق لنجاحها. فمن خلال ترسيخ مبادئ الشمول، والشفافية، والمساءلة، تمتلك سوريا فرصة ليس فقط لإعادة بناء ما دُمّر، بل أيضًا لإعادة تشكيل أسس الحوكمة والحياة الاقتصادية.

ولا يكمن التحدي فقط في إعادة بناء المدن، بل في ضمان أن تُسهم إعادة الإعمار في تحقيق العدالة، والعودة، والاستقرار طويل الأمد.

إعداد: إياد حميد، رئيس وحدة حقوق الإنسان والأعمال التجارية، البرنامج السوري للتطوير القانوني

 

Advisory Services Enquiry


Please enable JavaScript in your browser to complete this form.
Preferred Mode of Consultation:

This will close in 0 seconds

استفسار عن خدمات الاستشارات


Please enable JavaScript in your browser to complete this form.
طريقة التواصل المفضلة

This will close in 0 seconds