وثيقة “لا مانع” في سوريا: هل انتهت الموافقة الأمنية فعلاً؟

15 اغسطس, 2026    |      |    هذا المنشور متوفر أيضاً باللغة : الإنجليزية

بينما تسعى سوريا في المرحلة الانتقالية إلى إعادة بناء مؤسساتها وسياساتها، عاد تنظيم نقل الملكية العقارية إلى واجهة النقاش. فبعد سنوات ارتبط فيها بيع العقارات ونقلها بالحصول على موافقة أمنية، أصدرت وزارة المالية في 30 تموز/يوليو 2025 التعميم رقم 135 الذي ألغى، من حيث التسمية، شرط “الموافقة الأمنية” للحصول على براءة الذمة المالية، واستبدله بوثيقة “لا مانع من إتمام المعاملة العقارية” صالحة لثلاثة أشهر.

لكن تغيير الاسم لا يحسم طبيعة الإجراء الجديد. فالمعلومات الرسمية المتاحة تؤكد أن وزارة الداخلية وقوائم المنع من التصرف ما تزالان جزءاً من منظومة التدقيق، وأن وثيقة “لا مانع” تصدر عبر ما تسميه الجهات الرسمية “منصة الموافقات الأمنية”. وفي المقابل، لا توجد معلومات منشورة كافية حول قاعدة البيانات التي تعتمد عليها المنصة، أو المعايير التي تحدد من يُمنع من التصرف، أو الجهة التي تتخذ قرار الرفض، أو طريق الاعتراض عليه.

لذلك، لا تكمن المشكلة فقط فيما إذا كانت “لا مانع” اسماً جديداً للموافقة الأمنية القديمة، بل في استمرار إخضاع حق التصرف بالملكية لإذن إداري مسبق لا تزال قواعده وضماناته وحدود تدخل الأجهزة الأمنية فيه غير واضحة.

من إرث الموافقات الأمنية إلى “لا مانع”

في عهد الأسد، توسع استخدام الموافقات الأمنية تدريجياً ليشمل معاملات مدنية وعقارية متعددة. وفي عام 2015، فُرضت الموافقة الأمنية المسبقة على البيوع العقارية وفروغ المحلات في المناطق المنظمة وغير المنظمة. وعملياً، أصبح إنجاز معاملة قانونية متوقفاً على قرار أمني لا يستند إلى معايير منشورة ولا يخضع لمسار واضح للطعن، ما حوّل الموافقة إلى أداة لتقييد قدرة المواطنين، ولا سيما المعارضين والملاحقين والمهجّرين، على إدارة ممتلكاتهم والتصرف بها.

بعد سقوط النظام، لم تنتقل المعاملات العقارية مباشرة إلى نموذج مدني خالٍ من التدقيق الأمني. فقد أوقفت وزارة المالية منح براءات الذمة اللازمة لنقل الملكية، ثم أصدرت في حزيران/يونيو 2025 التعميم رقم 87، الذي برر التعليق بالخوف من تهريب أملاك مسؤولين ومتورطين مع النظام السابق. ونص التعميم على أن وزارة الداخلية أعدت قوائم بأسماء أشخاص وأقارب لهم محرومين من التداول، وأن استئناف منح براءات الذمة سيستثني الأسماء الموجودة على تلك القوائم.

بعد ذلك، جاء التعميم 135 ليعلن إلغاء “الموافقة الأمنية” كشرط لبراءة الذمة واستبدالها بوثيقة “لا مانع”. وأوضحت الهيئة العامة للضرائب والرسوم أن الوثيقة مطلوبة في طيف واسع من التصرفات، بما فيها البيع والهبة والمبادلة وانتقال الإرث وبعض الوكالات وتأسيس الشركات، وأنها تصدر عن منصة الموافقات الأمنية وتبقى نافذة ثلاثة أشهر.

هذه الوقائع تجعل من الصعب التعامل مع “لا مانع” باعتبارها إجراءً مالياً بحتاً. لكنّها، في الوقت نفسه، لا تكفي لإثبات أن المنصة تستخدم قاعدة البيانات الأمنية نفسها التي استخدمها نظام الأسد، أو أن معايير الرفض الحالية هي ذاتها معايير الملاحقة السياسية السابقة. وهذه نقطة مهمة: التشابه المؤسسي والإجرائي يثير أسئلة جدية، لكنه لا يغني عن الدليل.

ما الذي نعرفه عن التدقيق الحالي؟

في حزيران/يونيو 2026، أعلنت وزارة الداخلية أن «إدارة المعلومات»، بالتعاون مع جهات حكومية أخرى، أنهت دراسة وتدقيق أكثر من 850 ألف قيد مرتبط بإجراءات نقل الملكية، وأنها استكملت بيانات ناقصة في القواعد المركزية للنظام البائد، ورفعت قيوداً وإشارات منع عن عدد كبير من أصحابها، مع حصر قائمة المنع من التصرف بالأشخاص “المشمولين إجرائياً”.

هذا الإعلان يقدّم معلومة مهمة لم تكن واضحة عند صدور التعميم 135: وزارة الداخلية ليست بعيدة عن عملية نقل الملكية، بل تقوم جهة تابعة لها بتدقيق بيانات وقيود مرتبطة بها، وتوجد قائمة منع من التصرف يجري تحديثها. لكنه لا يجيب عن الأسئلة الأساسية: ما المقصود بـ”المشمولين إجرائياً”؟ ما السند القانوني لإدراج شخص على القائمة؟ هل يستند المنع إلى حكم أو قرار قضائي، أم إلى قرار إداري؟ ما البيانات التي تستخدمها إدارة المعلومات؟ وهل يستطيع المواطن معرفة سبب منعه والطعن فيه أمام جهة مستقلة؟
غياب هذه المعلومات ليس مسألة تقنية. فخلال عام 2026 ظهرت حالات تأخرت فيها وثائق «لا مانع» أشهراً، وحالات طُلب فيها من أصحاب العلاقة مراجعة الأمن الداخلي قبل استكمال البيع. وفي ظل غياب مهلة معلنة وملزمة للبت بالطلب، وأسباب مكتوبة للرفض، ومسار اعتراض واضح، يمكن أن يتحول الإجراء إلى عائق فعلي أمام التصرف بالملكية، حتى عندما يكون الهدف المعلن منه مشروعاً، مثل منع تهريب أصول أشخاص متورطين في جرائم أو فساد.

حقوق الملكية لا تُحمى بالغموض

ينص الإعلان الدستوري لعام 2025 على أن الملكية الخاصة مصونة، ويضمن حق التقاضي والطعن ويحظر تحصين القرارات الإدارية من رقابة القضاء. والأهم أن المادة 48 تلزم الدولة بإلغاء “الإجراءات الأمنية الاستثنائية المتعلقة بالوثائق المدنية والعقارية” التي استخدمها النظام السابق لقمع السوريين.

لا يعني ذلك تلقائياً أن كل تدقيق مرتبط بوزارة الداخلية غير دستوري. فقد تكون للدولة مصلحة مشروعة في تجميد أصول أشخاص محددين، أو منع تهريب ممتلكات محل تحقيق أو نزاع. لكن مثل هذه القيود يجب أن تستند إلى قانون واضح، وأن تكون محددة ومتناسبة، وأن يعرف الشخص سببها، وأن تتاح له إمكانية الاعتراض عليها أمام جهة قضائية مستقلة. أما إخضاع جميع المعاملات لآلية غير معلنة المعايير، بسبب وجود قائمة منع تستهدف فئة محددة، فينقل عبء الحماية من الدولة إلى عموم المواطنين.

وتتجاوز الآثار حق الملكية بمعناه الضيق. فسوريا طرف في العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، الذي يحمي الحق في السكن الملائم، بما يشمل الأمن القانوني للحيازة، كما يحمي العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الخصوصية والمساواة أمام القانون. وتكتسب هذه الضمانات أهمية خاصة للاجئين والنازحين وورثة المفقودين، الذين تعتمد قدرتهم على العودة أو الاستقرار أو استرداد ممتلكاتهم على إجراءات عقارية قابلة للتوقع والوصول والمراجعة. كما تؤكد مبادئ بينهيرو، بوصفها معايير دولية إرشادية غير ملزمة، أهمية توفير آليات عادلة وشفافة لاسترداد المساكن والأراضي والممتلكات.

ما الذي ينبغي أن يتغير؟

إذا كان الهدف الحقيقي من “لا مانع” هو منع مجموعة محددة من الأشخاص من تهريب أصولهم، فلا ينبغي أن يبقى عموم المالكين أمام إجراء لا يعرفون قواعده. المطلوب هو نشر الأساس القانوني للمنع، وتحديد الجهة صاحبة القرار واختصاصها، والمعايير التي تسمح بإدراج الأسماء ورفعها، والبيانات التي يجري الاعتماد عليها، والمدة القصوى للبت بالطلب، مع إلزام الإدارة بإبلاغ الشخص بسبب الرفض وإتاحة طريق سريع وفعّال للطعن.

كما ينبغي التمييز بين القيود القانونية الموضوعة على عقار بعينه وبين التدقيق في شخص المالك. فإذا كانت هناك أسباب جدية لتجميد أصول شخص مشتبه بارتكابه جرائم أو فساد، فالأصل أن تُترجم إلى إجراء قانوني محدد وقابل للمراجعة، لا إلى قيد عام يمر عبره كل من يريد بيع منزل أو نقل إرث.

إن إصلاح المنظومة العقارية لا يتطلب تجاهل مخاطر تهريب الأموال أو الملكيات، لكنه يتطلب معالجة هذه المخاطر بأدوات دولة القانون. والقطيعة مع إرث الموافقات الأمنية لا تتحقق بمجرد تغيير اسم الوثيقة، كما لا يجوز افتراض فشلها لمجرد التشابه مع الماضي. معيار القطيعة الحقيقي هو أن يعرف المواطن من يقيّد حقه، وبأي قانون، ولأي سبب، ولمدة كم، وأمام أي جهة يستطيع الاعتراض. وما دامت هذه الإجابات غير متاحة بوضوح، تبقى “لا مانع” قضية شفافية وسيادة قانون قبل أن تكون مجرد إجراء عقاري.

إعداد: آلاء يونس، باحثة في وحدة حقوق الإنسان والأعمال التجارية، البرنامج السوري للتطوير القانوني.

الصندوق السيادي السوري: من يدير اقتصاد المرحلة الانتقالية؟

1 اغسطس, 2026    |      |    هذا المنشور متوفر أيضاً باللغة : الإنجليزية

مبنى الصندوق السيادي السوري في حي المزة بدمشق – 28 كانون الأول 2025 (عنب بلدي)

أصبح الصندوق السيادي السوري أكثر حضوراً في النقاش العام بعد إطلاق موقعه الإلكتروني والكشف عن بعض تفاصيل هيكله وحجم القطاعات والأصول التي يديرها. لكن تحسّن الصورة المتاحة عن الصندوق لا يعني بالضرورة تحسّن طريقة عمله. فالمعلومات المنشورة أزالت جزءاً من الغموض المؤسسي، لكنها لم تجب عن الأسئلة الأكثر أهمية: من يتخذ القرارات؟ كيف انتقلت الأصول إلى الصندوق؟ ما مصير الأصول المصادرة والمستردة؟ ومن يراقب الصندوق عندما يتصرف بأموال وممتلكات عامة واسعة؟.

وتمسّ هذه التساؤلات حياة كل سوري، لأن إدارة الأصول العامة وعوائدها تؤثر مباشرة في الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وفي حق المواطنين في مراقبة موارد تُدار لتحقيق منفعتهم. ومن هنا، لا يكفي أن يعرض الموقع أهداف الصندوق وبعض أرقامه ما دامت المعلومات الأساسية اللازمة للمساءلة غير متاحة، بل يصبح من الضروري تقييم الأساس القانوني للصندوق وآليات حوكمته ومدى خضوعه للرقابة العامة.

الصيغة القانونية لتأسيس الصندوق وتقييمها

أُنشئ الصندوق السيادي بموجب المرسوم رقم 113 لعام 2025 بوصفه مؤسسة ذات طابع اقتصادي تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري، ويقع مقرها في دمشق وترتبط برئاسة الجمهورية. وحدد المرسوم أهدافاً واسعة للصندوق، تشمل تنفيذ المشاريع التنموية والإنتاجية، واستثمار الموارد، وتنشيط الاقتصاد، وتحويل الأصول الحكومية غير المفعلة إلى أدوات للإنتاج والتنمية.

كما نص المرسوم على إدارة الصندوق من خلال مجلس إدارة ومدير عام، وعلى تقديم تقارير ربع سنوية وسنوية إلى الرئاسة، وإجراء تدقيق مالي بواسطة جهات مستقلة عن الصندوق.

يمكن لهذه الصيغة أن تمنح الصندوق مرونة في إدارة الأصول المتعثرة واتخاذ القرارات الاستثمارية بسرعة أكبر من المؤسسات الحكومية التقليدية. لكن المشكلة أن الاستقلال المالي والإداري لا يرافقه، وفق المعلومات المنشورة، نظام مماثل من الاستقلال الرقابي والمساءلة العامة. فالصندوق مرتبط بالرئاسة، وإدارته تُعيّن ضمن السلطة التنفيذية، وتقاريره تُرفع إلى الجهة نفسها، من دون نشرها أو إخضاعها لرقابة تشريعية أو عامة واضحة.

ولا يبيّن الموقع الرسمي أسماء جميع أعضاء مجلس الإدارة أو مؤهلاتهم أو آلية اختيارهم، رغم وصف المجلس بأنه مستقل ومكوّن من خبراء. كما لا تتوافر قواعد منشورة للإفصاح عن المصالح المالية، أو منع تضارب المصالح، أو إلزام عضو المجلس بالتنحي عند مناقشة عقد أو مشروع له ارتباط مباشر أو غير مباشر به.

ومع بدء مجلس الشعب الجديد أعماله، ينبغي تعديل الإطار القانوني للصندوق بما يضمن خضوعه للمساءلة أمام المجلس، وإلزامه بتقديم تقرير سنوي وقوائم مالية مدققة، بدلاً من حصر مسؤوليته داخل الرئاسة.

وفي مؤسسة تدير أصولاً عامة بهذا الحجم، لا يكفي إعلان استقلال مجلس الإدارة، بل يجب أن يكون تشكيله، واختصاصاته، وقراراته، ومصالح أعضائه قابلة للتحقق والمساءلة.

ما الذي تتطلبه المعايير الدولية؟

تشكل مبادئ سانتياغو إطاراً دولياً طوعياً يضم 24 مبدأ وممارسة عامة لحوكمة الصناديق السيادية. وهي ليست اتفاقية دولية ملزمة، لكنها تقدم معياراً مهماً لتقييم طريقة إدارة هذه الصناديق، ولا سيما في مجالات الشفافية والمساءلة والاستقلال التشغيلي وإدارة المخاطر والاستثمار وفق اعتبارات اقتصادية ومالية واضحة.

وتقتضي هذه المبادئ وجود أساس قانوني واضح للصندوق، وفصل عملي بين الجهة المالكة للأصول، ومجلس الإدارة، والإدارة التنفيذية. كما تتطلب تحديد مسؤوليات كل جهة، ووضع قواعد واضحة للتعيين والمساءلة وتعارض المصالح، وإعداد تقارير سنوية وقوائم مالية تخضع لتدقيق مستقل، والإفصاح عن المعلومات المالية وسياسات الاستثمار وإدارة المخاطر.

وتكتسب هذه المتطلبات أهمية أكبر عندما لا تقتصر أموال الصندوق على فوائض مالية أو عائدات موارد طبيعية، بل تشمل شركات وعقارات وأراضي وأصولاً مستردة أو مصادرة. ففي هذه الحالة، يجب أن يوضح الإطار القانوني مصدر كل أصل، وسند نقله إلى الصندوق، وطريقة تقييمه، والحقوق أو النزاعات المرتبطة به، والقواعد التي تحكم الاحتفاظ به أو بيعه أو عرضه للاستثمار.

أين يقف الصندوق السوري من هذه المعايير؟

اتخذ الصندوق خطوة محدودة باتجاه التعريف المؤسسي بنفسه، لكنها ليست بالضرورة خطوة إيجابية في ذاتها، بل هي استجابة للحد الأدنى من الإفصاح الذي تفرضه طبيعة المؤسسة وحجم الأصول العامة التي تديرها. فقد أطلق موقعاً إلكترونياً، ونشر أهدافه وبعض بياناته التنظيمية، وأعلن أن آلية حوكمته مستوحاة من مبادئ سانتياغو.

ويذكر الموقع أن الصندوق يضم 36 قطاعاً تخصصياً و11 شركة مركزية، ويوفر أكثر من 40 ألف فرصة عمل. كما يقول إنه يقدم تقارير دورية إلى الرئاسة ويخضع لتدقيق مالي تجريه جهات مستقلة عنه. غير أن مجرد إطلاق الموقع ونشر هذه الأرقام لا يمثلان تحولاً نحو الشفافية، ما دامت المعلومات الأساسية اللازمة للمساءلة غير متاحة.

وأعلنت إدارة الصندوق أنها تعيد تقييم الأصول المستردة مالياً وفنياً وإدارياً، وتبني قاعدة بيانات إلكترونية لها، وتهدف إلى رفع كفاءتها قبل تنفيذ ما وصفته بانسحاب منظم يحقق عائداً لخزينة الدولة. كما أطلق الصندوق مكتباً للشكاوى وقنوات للتواصل مع المستثمرين والجمهور.

لكن هذه الإجراءات تظل جزءاً من التزامات أساسية يفترض أن تقوم بها أي مؤسسة عامة تدير أصولاً بهذا الحجم، ولا يجوز التعامل معها بوصفها دليلاً كافياً على الالتزام بالحوكمة. كما أنها تظل تصريحات عن خطط وإجراءات داخلية ما لم تتحول إلى بيانات وتقارير قابلة للتحقق العام.

فالموقع لا ينشر ميزانية افتتاحية أو قوائم مالية مدققة، ولا يحدد أسماء جهات التدقيق أو ينشر نتائج عملها. كذلك لا توجد قائمة شاملة بالأراضي والعقارات والشركات التي يديرها الصندوق، ولا معلومات كافية عن قيمتها أو إيراداتها أو التزاماتها أو العوائد التي حققتها. ولا يتضح ما إذا كانت هذه العوائد تعود إلى الخزينة العامة، أو يعاد استثمارها، أو تستخدم لتمويل مشاريع محددة.

وتكشف المعلومات التي قُدمت خلال المنتدى السوري–الإماراتي حجماً أكبر بكثير مما يظهر في الموقع. فبحسب تقرير The Syria Report، أعلن مسؤولو الصندوق امتلاكه أو إدارته نحو ألفي عقار قُدرت قيمتها بحوالي 2.5 مليار دولار، وأكثر من 70 مليون متر مربع من الأراضي المخصصة لمشاريع تطوير عقاري، مع مشاريع مخططة قُدرت قيمتها بنحو 100 مليار دولار. وتشمل هذه المشاريع “دمشق الجديدة”، الممتد على مساحة 33 مليون متر مربع باستثمارات مقدرة بين 40 و50 مليار دولار، ومشروعاً ساحلياً في اللاذقية على مساحة 11.5 مليون متر مربع باستثمارات قد تصل إلى 30 مليار دولار.

كما كشف التقرير أسماء عدد من المسؤولين والقطاعات والشركات التابعة للصندوق، لكنه أشار إلى أن آليات الحوكمة والملكية النهائية للأصول لا تزال مكشوفة بصورة جزئية فقط.
كما أن بعض الأصول التي يديرها الصندوق انتقلت إليه، وفق تصريحات إدارته، بقرارات صادرة عن لجنة مكافحة الكسب غير المشروع. لكن لا يوجد سجل علني يميز بين الأصول الحكومية الأصلية، والأصول المستردة عبر تسويات، والأصول المصادرة بأحكام قضائية، والأصول التي قد تبقى محل مطالبات أو نزاعات ملكية.

ومن دون هذا التمييز، يصعب التأكد من سلامة سند الملكية ومن قانونية بيع الأصل أو إدخاله في شراكة استثمارية. كما يصعب معرفة ما إذا كانت حقوق المالكين أو الدائنين أو العمال أو غيرهم من أصحاب المصالح قد أُخذت في الاعتبار قبل نقل الأصول أو التصرف بها.

أثر الغموض على الاقتصاد والمرحلة الانتقالية

لا يمثل غياب الإفصاح مشكلة شكلية. فالمستثمر الجاد يحتاج إلى معرفة مالك الأصل، وآلية تقييمه، والجهة التي أجازت التصرف به، وطريقة فض النزاعات المحتملة. وكلما بقيت هذه المعلومات غير منشورة، ارتفعت المخاطر القانونية والسياسية، وأصبح الاستثمار أكثر تكلفة وأقل استقراراً.

أما بالنسبة إلى المواطنين، فالمسألة تتعلق بحقهم في معرفة كيفية إدارة ممتلكات الدولة ومصير الأموال المستردة. فهذه الأصول ليست ملكاً لإدارة الصندوق أو للسلطة القائمة، بل موارد عامة يجب أن تستخدم وفق القانون ولتحقيق منفعة عامة يمكن قياسها.

ويفتح غياب الإفصاح المجال أمام مخاطر المحاباة، وتفضيل مستثمرين بعينهم، وبيع الأصول بأقل من قيمتها، أو توجيهها نحو مشاريع لا تعكس الأولويات الاجتماعية والاقتصادية للسوريين. ولا يعني وجود هذه المخاطر أن إساءة الاستخدام وقعت بالفعل، لكنه يعني أن الضمانات المتاحة حالياً لا تكفي لمنعها أو كشفها بصورة مستقلة.

وتزداد الخطورة لأن نطاق الصندوق يتجاوز إدارة محفظة استثمارية محدودة. فهو حاضر في العقارات والإنشاءات والاتصالات والطاقة والنقل والصناعة والزراعة والسياحة والموارد الطبيعية وغيرها من القطاعات. وبذلك يستطيع التأثير في تحديد القطاعات التي تحصل على التمويل، والأصول التي تعرض للبيع أو الشراكة، والمستثمرين الذين يدخلون السوق.

وهذا يمنحه دوراً فعلياً في إعادة تشكيل الملكية وتوجيه الاقتصاد السوري. كما قد يؤدي إلى إنشاء مركز اقتصادي موازٍ للوزارات والمؤسسات العامة والموازنة، يجمع الأصول والاستثمارات والقرارات الاستراتيجية داخل دائرة واحدة.

ويكتسب هذا الأمر خطورة خاصة خلال المرحلة الانتقالية. فتركيز هذا الدور داخل مؤسسة مرتبطة مباشرة بالرئاسة، قبل اكتمال المؤسسات التمثيلية والرقابية، قد يؤدي إلى تثبيت بنية اقتصادية جديدة قبل إخضاعها لنقاش عام أو رقابة ديمقراطية. وقد تصبح القرارات المتخذة الآن بشأن الأراضي والشركات والبنية التحتية شديدة الصعوبة في المراجعة لاحقاً، حتى إذا تبين أنها لم تحقق المصلحة العامة.
لذلك، يجب ألا يقتصر الإصلاح على تطوير الموقع الإلكتروني أو نشر أرقام عامة. المطلوب هو نشر الميزانية الافتتاحية والقوائم المالية وتقارير التدقيق، والإعلان عن التشكيلة الكاملة لمجلس الإدارة، ووضع قواعد ملزمة لتعارض المصالح، وإنشاء سجل علني للأصول يوضح مصدر كل أصل ووضعه القانوني وقيمته.

كما ينبغي الفصل بين أصول الدولة الأصلية والأصول المستردة والمصادرة والمتنازع عليها، وإخضاع القرارات الكبرى، ولا سيما بيع الأصول أو نقل ملكيتها، لرقابة خارجية مستقلة ومراجعة قانونية وقضائية واضحة.

يمكن للصندوق السيادي أن يكون أداة لإعادة تشغيل الأصول وجذب الاستثمار ودعم التعافي الاقتصادي. لكن حجم صلاحياته واتساع القطاعات التي يديرها يجعلان حوكمته جزءاً من نجاح الانتقال السياسي، لا مجرد مسألة إدارية داخلية. فإعادة بناء الاقتصاد السوري لا يمكن أن تقوم على استبدال الغموض القديم بغموض جديد، ولا على تركيز الثروة والقرار الاقتصادي في مؤسسة لا تزال مساءلتها العامة محدودة.

إعداد: آلاء يونس، باحثة في وحدة حقوق الإنسان والأعمال التجارية، البرنامج السوري للتطوير القانوني.

ما بعد زيارة المقررة الخاصة للأمم المتحدة: سوريا بحاجة إلى إطار وطني لمعالجة النزوح الداخلي

27 يوليو, 2026    |      |    هذا المنشور متوفر أيضاً باللغة : الإنجليزية

جاءت زيارة المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان للنازحين إلى سوريا، التي جرت بين 10 و21 تموز/يوليو 2026، في مرحلة مفصلية من مسار الانتقال السياسي في البلاد.

ففي حين أعاد سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024 إحياء الآمال بإمكانية العودة وإعادة الإعمار، لا يزال النزوح الداخلي أحد أكثر التحديات تعقيداً في سوريا. فما زالت آلاف الأسر تواجه واقعاً يتداخل فيه انعدام الأمن، ودمار المساكن، وتعقيدات استعادة حقوق السكن والأرض والملكية، وفقدان الوثائق المدنية، وغياب الضمانات القانونية الكفيلة بتمكينها من العودة بصورة طوعية وآمنة وكريمة.

وفي الوقت نفسه، أظهرت أعمال العنف التي شهدها الساحل السوري والسويداء ومناطق أخرى منذ مطلع عام 2025 أن النزوح الداخلي لم يعد مجرد إرث خلّفه النظام السابق، بل أصبح أيضاً نتيجة للتحديات والانتهاكات التي رافقت المرحلة الانتقالية نفسها. ومن ثم، لم يعد ممكناً التعامل مع النزوح باعتباره قضية إنسانية تقتصر على توفير المساعدات الطارئة، بل بات يشكل أحد الملفات الجوهرية التي ينبغي أن تتصدر جهود العدالة الانتقالية وبناء دولة القانون.

وقد أظهرت اللقاءات التي عُقدت مع المجتمعات المتضررة في مختلف المحافظات السورية أن واقع النزوح يختلف من منطقة إلى أخرى، إلا أن القاسم المشترك بينها هو غياب استجابة وطنية شاملة. ففي دمشق، ما تزال المجتمعات المتضررة من مشاريع إعادة التنظيم العمراني التي أُطلقت في عهد النظام السابق تطعن في نماذج التعويض واسترداد الحقوق، معتبرة أنها لا تعكس حجم الانتهاكات التي تعرضت لها. وفي المقابل، لا تزال العديد من الأسر الكردية النازحة عاجزة عن استعادة منازلها في عفرين وتل أبيض ورأس العين، كما لا يزال كثير من النازحين غير قادرين على العودة إلى مناطقهم في الساحل والسويداء، في ظل غياب سياسة وطنية قادرة على معالجة مختلف أوضاع النزوح في البلاد.

وتؤكد هذه الوقائع أن النزوح في سوريا لا يمكن اختزاله في قضية إنسانية تتطلب تقديم المساعدات، بل يعكس تداخلاً معقداً بين حقوق السكن والأرض والملكية، والعدالة، والمساءلة، والمشاركة المجتمعية، والسلم الأهلي، والإصلاح القانوني. ومن ثم، فإن معالجته تستوجب اعتماد استجابة وطنية شاملة، تقوم على حقوق الإنسان، وتعالج مختلف الأبعاد القانونية والمؤسسية المرتبطة بالنزوح.

وتوفر زيارة المقررة الخاصة فرصة مهمة ينبغي البناء عليها لتطوير إطار وطني تشريعي وسياساتي متكامل لمعالجة النزوح الداخلي. وينبغي ألا يقتصر هذا الإطار على تشجيع العودة، بل أن يتبنى نهجاً قائماً على الحقوق، يعالج أسباب النزوح، ويحول دون تكراره، ويضمن استجابات فعالة عندما يقع.

الفجوة التشريعية: الحاجة إلى استجابة قبل النزوح وبعده

غالباً ما يُنظر إلى النزوح الداخلي في سوريا باعتباره أحد أبرز نتائج النزاع المسلح وسياسات النظام السابق. إلا أن التطورات التي شهدتها البلاد خلال عامي 2025 و2026، إلى جانب استمرار آثار النزوح، تؤكد أن هذه الظاهرة لم تعد مجرد إرثاً تاريخياً، بل تحدياً مستمراً يفرض نفسه خلال المرحلة الانتقالية.

وفي ظل غياب إطار وطني شامل، يضطر النازحون إلى التعامل مع إجراءات قانونية متفرقة لا تعالج الترابط بين مختلف الآثار القانونية والاجتماعية والاقتصادية المترتبة على النزوح.

كما أن استمرار جهود إعادة الإعمار أو اعتماد سياسات للعودة دون وجود إطار وطني واضح ينظمها، قد يؤدي إلى تكريس أنماط الإقصاء والحرمان من الحقوق، بدلاً من توفير حلول مستدامة للنازحين ومعالجة الأسباب التي أدت إلى نزوحهم.

وقد أرست المعايير الدولية الخاصة بالنزوح الداخلي إطاراً متكاملاً لمعالجة هذه القضية، يستند إلى ثلاثة مراجع رئيسية هي:
المبادئ التوجيهية للأمم المتحدة بشأن النزوح الداخلي.
إطار اللجنة الدائمة المشتركة بين الوكالات بشأن الحلول الدائمة للنازحين.
مبادئ بينهيرو بشأن رد المساكن والأراضي والممتلكات للاجئين والنازحين.
وتشكل هذه المرجعيات الأساس القانوني الدولي لمنع النزوح التعسفي، وحماية النازحين أثناء نزوحهم، وتمكينهم من الوصول إلى حلول مستدامة تستند إلى حقوق الإنسان.

الوقاية من النزوح وضمانات عدم التكرار: نحو إطار وطني أكثر شمولاً

يمثل اعتماد إطار وطني يستند إلى حقوق الإنسان، ولا سيما المبادئ التوجيهية للأمم المتحدة بشأن النزوح الداخلي، نقطة الانطلاق لأي سياسة وطنية فعالة لمعالجة النزوح. ورغم أن هذه المبادئ تُلزم الدول بمنع النزوح التعسفي، فإنها لا تقدم تصوراً تفصيلياً للآليات الوطنية والمؤسسية اللازمة لترجمة هذا الالتزام إلى إجراءات عملية.

ومن هنا، لا ينبغي أن يقتصر الإطار الوطني على تنظيم الاستجابة للنزوح بعد وقوعه، بل يجب أن يهدف، في المقام الأول، إلى منع حدوثه. فبينما تركز معظم التشريعات الوطنية الخاصة بالنزوح في دول أخرى على توفير الحماية والمساعدة للنازحين بعد نزوحهم، تظل النماذج التي تعالج الوقاية من النزوح محدودة للغاية. وتمثل هذه الفجوة فرصة أمام سوريا لتبني مقاربة أكثر تطوراً، تجعل من الوقاية وضمانات عدم التكرار الركيزتين الأساسيتين لأي سياسة وطنية للنزوح.

ويتطلب ذلك إخضاع أي قرار تشريعي أو إداري أو أمني أو عسكري قد يؤدي إلى النزوح، أو يفاقم مخاطره، لتقييم مسبق يحدد مدى توافقه مع المعايير الوطنية والدولية الخاصة بحماية النازحين. ومن شأن هذه الآلية أن تحول الالتزامات الواردة في المبادئ التوجيهية للأمم المتحدة إلى إجراءات مؤسسية ملزمة، تضمن مراعاة آثار القرارات الحكومية قبل اعتمادها، لا بعد وقوع الانتهاكات.

ويمكن أن يشمل هذا التقييم، على سبيل المثال، مشاريع إعادة الإعمار، ومخططات التنظيم العمراني، والعمليات العسكرية، والتدابير الأمنية، ومشاريع البنية التحتية واسعة النطاق، متى كان من شأنها التسبب في نزوح جديد أو إعاقة عودة النازحين.

وتبرز أهمية هذا النهج في ضوء الجدل الذي أثير حول مقترحات إعادة الإعمار في جوبر والقابون، حيث أعرب عدد من السكان عن مخاوفهم من أن تؤدي نماذج التعويض المطروحة إلى تكريس موجة جديدة من الحرمان من الملكية، من خلال تحميل السكان المتضررين جزءاً من كلفة إعادة الإعمار على حساب حقوقهم في ممتلكاتهم. ولو كانت هناك آلية وطنية لتقييم أثر هذه المشاريع على النزوح، لأمكن إخضاعها لمراجعة مستقلة قبل اعتمادها، للتحقق من توافقها مع المعايير الدولية، ومدى إشراك المجتمعات المتضررة في إعدادها، وإمكانية اعتماد بدائل أكثر انسجاماً مع حق النازحين في العودة الطوعية والآمنة.

ولا ينبغي أن تتولى الجهة صاحبة المشروع أو القرار إجراء هذا التقييم بنفسها، بل يجب أن تخضع قراراتها لرقابة جهة مستقلة، مثل هيئة وطنية مستقلة، أو البرلمان، أو القضاء، أو المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان، أو أي جهة رقابية أخرى يحددها القانون. وبحسب النموذج الذي ستتبناه الدولة، يمكن منح هذه الجهات صلاحية إصدار قرارات ملزمة، أو طلب تعديل المشاريع، أو وقف تنفيذها مؤقتاً لحين استكمال المراجعة، أو إصدار آراء استشارية بشأن آثارها المحتملة على النزوح.

ومن شأن إرساء مثل هذه الضمانات المؤسسية أن ينقل التعامل مع النزوح من مرحلة الاستجابة اللاحقة للانتهاكات إلى مرحلة الوقاية منها، بما يضمن إدماج مخاطر النزوح في عملية صنع القرار قبل اعتماد أي سياسات أو إجراءات حكومية.

وبذلك، لا تكتفي سوريا بتطبيق الالتزامات الدولية المتعلقة بمنع النزوح، بل تمتلك فرصة لتطوير أحد أوائل الأطر الوطنية التي تجعل الوقاية من النزوح وضمانات عدم التكرار محوراً رئيسياً لسياستها الوطنية، متجاوزةً بذلك المقاربة الإنسانية التقليدية التي تركز على الاستجابة بعد وقوع النزوح فقط.

معالجة انتهاكات حقوق السكن والأرض والملكية بعد النزوح

عندما يقع النزوح، فإن غياب التخطيط الوطني والإطار القانوني الشامل لا يؤدي إلى إطالة أمده فحسب، بل يفاقم أيضاً أوضاع النازحين ويُنتج انتهاكات جديدة لحقوقهم.

وفي السياق السوري، تبرز حقوق السكن والأرض والملكية بوصفها إحدى أكثر القضايا إلحاحاً خلال المرحلة الانتقالية. فقد أرست قواعد القانون الدولي إطاراً متكاملاً لمعالجة هذه الحقوق في حالات النزوح واسعة النطاق، ولا سيما عندما تتقاطع مع سياسات إعادة الإعمار، والتنظيم العمراني، ورد الممتلكات، وما يرافقها من تعقيدات قانونية وعملية.

وفي ظل غياب إطار وطني متكامل، ينبغي أن تسترشد السلطات السورية بهذه المعايير الدولية عند وضع التشريعات والسياسات المستقبلية. فالإطار الوطني المنشود لا ينبغي أن يقتصر على معالجة آثار النزوح بعد وقوعه، بل يجب أن يجمع بين الوقاية من النزوح والاستجابة لآثاره، بما يسهم في منع الانتهاكات مستقبلاً، ويمنح ضمانات عدم التكرار مضموناً عملياً.

وتتجلى أهمية ذلك في الإرث الذي خلفته مشاريع إعادة التنظيم العمراني التي أُطلقت بموجب المرسوم رقم 66، وفي مقدمتها مشروع ماروتا سيتي. فقد عبّرت المجتمعات المتضررة، خلال لقاءاتها مع المقررة الخاصة، عن مخاوفها من أن تكون آليات التعويض وتقاسم الأسهم قد جعلت استرداد الممتلكات أمراً شبه مستحيل، من دون أن توفر بديلاً يعكس حجم الضرر الذي لحق بأصحاب الحقوق.

وفي هذا السياق، توفر مبادئ بينهيرو إطاراً مرجعياً بالغ الأهمية، إذ تؤكد أن رد الممتلكات يظل الأصل، بينما يبقى التعويض استثناءً لا يُلجأ إليه إلا عندما يصبح رد الحق متعذراً فعلياً، أو عندما يقبل صاحب الحق التعويض بحرية وبإرادة كاملة.

وتكتسب هذه المبادئ أهمية خاصة في سوريا، حيث لا يزال كثير من النازحين يواجهون عقبات تحول دون استعادة منازلهم وأراضيهم وممتلكاتهم، نتيجة الدمار، أو فقدان الوثائق، أو إشغال الغير للعقارات، أو النزاعات المتعلقة بالملكية، أو آثار التشريعات والسياسات التمييزية، فضلاً عن الادعاءات الأخيرة المتعلقة بعمليات إخلاء وتهجير ارتبطت ببعض مشاريع إعادة الإعمار.

ولا تقتصر أهمية مبادئ بينهيرو على تحديد أولوية رد الممتلكات، بل تضع أيضاً مجموعة من الضمانات الإجرائية التي ينبغي أن يستند إليها أي إطار وطني مستقبلي. وتشمل هذه الضمانات إنشاء آليات مستقلة وسهلة الوصول للنظر في طلبات رد الممتلكات، وضمان المساواة بين النساء والرجال في استعادة حقوقهم، والاعتراف بمختلف أشكال الحيازة والملكية، بما في ذلك الحالات التي فُقدت فيها الوثائق أو أُتلفت، إضافة إلى ضمان حق المتضررين في اللجوء إلى القضاء والطعن في القرارات التي تمس حقوقهم.

ولا يمكن لأي عملية لرد الحقوق أن تحقق أهدافها من دون مشاركة فعلية للمجتمعات المتضررة. فقد أكدت منظمات المجتمع المدني، خلال المشاورات، ضرورة إشراك النازحين في تصميم سياسات إعادة الإعمار والتنظيم العمراني، باعتبارهم أصحاب مصلحة مباشرين في القرارات التي تمس مساكنهم وأراضيهم وممتلكاتهم. ولا تقتصر أهمية هذه المشاركة على تعزيز شرعية القرارات، بل تشكل أيضاً عاملاً أساسياً في إعادة بناء الثقة، وتهيئة الظروف اللازمة للوصول إلى حلول مستدامة.

وعند الجمع بين آليات الوقاية من النزوح، من خلال تقييم أثر السياسات والقرارات على احتمالات حدوثه، وبين قواعد رد الحقوق التي أرستها مبادئ بينهيرو، يصبح بالإمكان تطوير إطار وطني يعالج جانبي القضية في آن واحد: منع النزوح مستقبلاً، ومعالجة الآثار القانونية والحقوقية للنزوح القائم بما يتيح الوصول إلى حلول مستدامة قائمة على الحقوق.

الخاتمة

كشفت زيارة المقررة الخاصة للأمم المتحدة إلى سوريا أن قضية النزوح لم تعد تقتصر على معالجة آثار الانتهاكات التي وقعت في الماضي، بل أصبحت تتطلب رؤية وطنية قادرة على الاستجابة للتحديات التي ما تزال تُنتج موجات جديدة من النزوح خلال المرحلة الانتقالية.

وتؤكد المشاورات التي أُجريت مع منظمات المجتمع المدني والمجتمعات المتضررة أن غياب إطار وطني شامل لا ينعكس على أوضاع النازحين فحسب، بل يحد أيضاً من قدرة الدولة على بناء سياسات عادلة ومستدامة في مجالات إعادة الإعمار، ورد الحقوق، والعدالة الانتقالية، والسلم الأهلي.

وتوفر المعايير الدولية، وفي مقدمتها المبادئ التوجيهية للأمم المتحدة بشأن النزوح الداخلي، وإطار اللجنة الدائمة المشتركة بين الوكالات للحلول الدائمة، ومبادئ بينهيرو، أساساً قانونياً متيناً يمكن البناء عليه عند إعداد هذا الإطار الوطني. غير أن القيمة الحقيقية لأي إطار لن تكمن في استنساخ هذه المعايير، بل في ترجمتها إلى مؤسسات وتشريعات وإجراءات عملية قادرة على الاستجابة للواقع السوري.

كما تمثل المرحلة الانتقالية فرصة لإرساء مقاربة أكثر تقدماً في التعامل مع النزوح، لا تقتصر على حماية النازحين بعد وقوع الانتهاكات، بل تجعل الوقاية من النزوح وضمانات عدم التكرار جزءاً أساسياً من عملية صنع القرار. فمن خلال إخضاع السياسات والتشريعات والمشاريع التي قد تؤدي إلى النزوح لتقييم مسبق، يمكن الحد من مخاطر إنتاج موجات جديدة من التهجير، قبل أن تتحول إلى واقع يصعب معالجته.

وفي الوقت ذاته، ينبغي أن يترافق ذلك مع إطار واضح لمعالجة انتهاكات حقوق السكن والأرض والملكية، يضع رد الحقوق في مقدمة الحلول، ويضمن اللجوء إلى التعويض فقط عندما يكون رد الممتلكات متعذراً فعلاً، وبما يتوافق مع المعايير الدولية.

وأخيراً، لا يمكن لأي سياسة وطنية أن تحقق حلولاً مستدامة من دون مشاركة فعلية للمجتمعات المتضررة في صياغتها وتنفيذها. فإشراك النازحين ومنظمات المجتمع المدني في تصميم السياسات لا يعزز مشروعيتها فحسب، بل يشكل أيضاً شرطاً أساسياً لإعادة بناء الثقة بين المواطنين والدولة، ودعم مسار العدالة الانتقالية، ومنع تكرار الانتهاكات مستقبلاً.

وتوفر زيارة المقررة الخاصة فرصة مهمة ينبغي استثمارها لإطلاق حوار وطني حول مستقبل سياسة النزوح في سوريا. فاعتماد إطار وطني شامل، قائم على الحقوق، لا يمثل استجابة لالتزامات سوريا الدولية فحسب، بل يشكل أيضاً خطوة أساسية نحو تحقيق حلول مستدامة، وتعزيز سيادة القانون، وبناء سلام عادل ودائم.

إعداد: أدريان لاكريشي، محلل قانوني، وحدة الدعم بالقانون الدولي

إصلاح قانون العمل ركيزة أساسية لتعافي سوريا

15 يوليو, 2026    |      |    هذا المنشور متوفر أيضاً باللغة : الإنجليزية

شهدت سوريا الشهر الماضي موجةً من الإضرابات في عدد من شركات القطاع الخاص. بدأت هذه التحركات في مصنع زنوبيا للسيراميك جنوب دمشق، حيث لم يقتصر مطلب العمال على زيادة الأجور، بل شمل أيضاً تحسين الرعاية الطبية، وتأمين التأمين الصحي، وتوفير خدمات الإسعافات الأولية، ووجود طبيب داخل المنشأة.

وسرعان ما تجاوزت الاحتجاجات حدود المصنع، لتظهر إضرابات واعتصامات مماثلة في شركات أخرى، من بينها شركة الحافظ وشركة مدار. والرسالة التي حملتها هذه التحركات واضحة: لا ينبغي التعامل مع حماية حقوق العمال باعتبارها قضية ثانوية، بل بوصفها عنصراً أساسياً في قوة واستدامة تعافي سوريا.

التزامات سوريا الدولية

بصفتها الجهة الأساسية المسؤولة عن ضمان حقوق الإنسان، يقع على عاتق الحكومة الانتقالية طيف واسع من الالتزامات بموجب القانون الدولي. فقد انضمت سوريا إلى العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية عام 1969. وتنص المادة السادسة من العهد على حق كل إنسان في العمل، بما يشمل حقه في كسب رزقه من خلال عمل يختاره أو يقبله بحرية، مع التزام الدولة باتخاذ التدابير المناسبة لحماية هذا الحق. أما المادة السابعة فتذهب أبعد من ذلك، إذ تقر بحق كل فرد في التمتع بشروط عمل عادلة وملائمة، تشمل الأجر المنصف وضمان تساوي الأجور مقابل الأعمال ذات القيمة المتكافئة، ومستوى معيشي لائق للعامل وأسرته، وظروف عمل آمنة وصحية، وتكافؤ الفرص في الترقية، والراحة، وساعات العمل المعقولة، والإجازات المدفوعة.

وعند قراءة هذه الأحكام إلى جانب ما يقرره العهد من حق في مستوى معيشي لائق والحق في الصحة، يتضح أنها تعكس بدقة المطالب التي رفعها عمال مصنع زنوبيا.

وعلاوة على ذلك، تُعد سوريا عضواً قديماً في منظمة العمل الدولية، وقد صدّقت على الاتفاقيات الأساسية للمنظمة، بما فيها اتفاقيتا الحرية النقابية والحق في التنظيم والمفاوضة الجماعية (رقما 87 و98)، واتفاقية المساواة في الأجور (رقم 100)، واتفاقية منع التمييز في الاستخدام والمهنة (رقم 111)، واتفاقيتا القضاء على العمل الجبري (رقما 29 و105)، إضافة إلى اتفاقية تفتيش العمل (رقم 81)، والأهم اتفاقية السلامة والصحة المهنية (رقم 155)، وكانت من أوائل الدول العربية التي صادقت عليها. ومن ثم، فإن ظروف العمل الآمنة والصحية التي طالب بها عمال زنوبيا ليست مطلباً جديداً، بل التزاماً قانونياً قائماً على الدولة.

وعليه، فإن المشكلة لا تكمن في غياب التصديق على الاتفاقيات، بل في الفجوة بين التصديق والتنفيذ. فما زال العمال يضطرون إلى وقف الإنتاج للمطالبة بتوفير الإسعافات الأولية، ووجود طبيب في موقع العمل، وتأمين صحي أساسي، رغم أن اتفاقية رقم 155 تُلزم الدولة أصلاً بضمان هذه الحقوق.

وتزداد هذه الفجوة اتساعاً لأن سوريا لم تصادق بعد على اتفاقية الإطار الترويجي للسلامة والصحة المهنية (رقم 187)، ولا اتفاقية الضمان الاجتماعي (المعايير الدنيا) (رقم 102)، ولا اتفاقية تحديد الحد الأدنى للأجور (رقم 131)، وهي اتفاقيات من شأنها أن تؤسس لنظام حماية اجتماعية متكامل ولحد أدنى للأجور يتماشى مع تكاليف المعيشة. ولذلك، ينبغي أن يُنظر إلى التصديق على هذه الاتفاقيات، والأهم من ذلك تنفيذها، باعتباره جزءاً محورياً من عملية الإصلاح.

ومع ذلك، فإن تأخر الدولة في إصلاح منظومة الحماية العمالية وتعزيزها وتطبيقها لا ينبغي أن يُفهم من قبل الشركات على أنه غياب لمسؤولياتها. فوفقاً للمبادئ التوجيهية للأمم المتحدة بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان، تتحمل الشركات مسؤولية مستقلة عن الدولة في احترام حقوق الإنسان، بما في ذلك الحقوق المنصوص عليها في العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية واتفاقيات منظمة العمل الدولية.

إشكالية “الامتثال”

عندما أضرب عمال مصنع زنوبيا مطالبين بتعزيز حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية، وتأمين أجور تكفل حياة كريمة في ظل تدهور الظروف المعيشية، وتحسين بيئة العمل، وتوفير الحماية الاجتماعية، والتأمين الصحي، والإسعافات الأولية، جاء رد الشركة بالإشارة إلى أنها ملتزمة بقانون العمل السوري.

وهنا تكمن المشكلة.

فإذا كان قانون العمل ذاته غير كافٍ ولا يعكس المعايير الدولية، فإن “الامتثال” له قد يتحول إلى ستار يحجب أوجه القصور الحقيقية. وعندما يكون القانون أدنى من المعايير الدولية، فإن الالتزام به لا يعفي الدولة من مسؤوليتها عن الإخفاق في الوفاء بالتزاماتها القانونية الدولية، بما في ذلك ضمان الحق في ظروف عمل عادلة وملائمة، والحق في مستوى معيشي لائق، والحق في الصحة، وغيرها من الحقوق الأساسية.

إن نموذجاً اقتصادياً يقوم على إبقاء العمال دون مستوى الكفاف ليس نموذجاً مستداماً، كما أن إطاراً قانونياً يسمح بذلك لا يمكن أن يشكل أساساً للتعافي الذي يتطلع إليه السوريون. فالإصلاح الحقيقي يتطلب وضع حد أدنى للأجور قابل للتنفيذ ويتناسب مع تكاليف المعيشة، وتفعيل نظام منتظم لتفتيش العمل، وفرض التزامات حقيقية في مجال السلامة والصحة المهنية، وإنشاء آليات فعالة وموثوقة لتلقي شكاوى العمال ومعالجتها.

إن حماية حقوق العمال ليست عقبة في طريق تعافي سوريا، بل هي أحد أهم المسارات المؤدية إليه.

اختبار لسوريا الجديدة

ينبغي للحكومة والقطاع الخاص ألا يغفلا حقيقة أن العمال ليسوا عنصراً هامشياً في عملية إعادة الإعمار، بل هم أساسها. فالتعافي الحقيقي يجب أن يحمي أولئك الذين يقوم على جهودهم. واحترام حقوق العمال لا يفرض أعباءً غير مبررة على أصحاب العمل، بل يسهم في استدامة النشاط الاقتصادي والتعافي على المدى الطويل، من خلال بناء اقتصاد قادر على الاستمرار، لا اقتصاد يقوم على استنزاف من يحملونه على أكتافهم.

ولا تقتصر هذه القضية على بعدها الاقتصادي فحسب. فالمطالبة بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وبالكرامة، وبالأجور العادلة، وبحياة لا يحكمها الحرمان، كانت من بين الدوافع الأساسية التي أشعلت الثورة السورية. ومن ثم، فإن الإخفاق في إنصاف العمال في هذه المرحلة المفصلية من تاريخ البلاد سيكون إخفاقاً في الوفاء بالقيم التي ناضل من أجلها وضحّى بحياته كثير من السوريين، وكان العمال في مقدمتهم.

وإذا كانت سوريا تسعى إلى بناء دولة ديمقراطية عادلة تحترم حقوق الإنسان، ويُعامل فيها جميع المواطنين على قدم المساواة، فإن إصلاح قانون العمل ليس مسألة فنية أو هامشية، بل جزء جوهري من هذا المشروع الوطني، وأحد المعايير التي سيُقاس بها مدى وفاء سوريا الجديدة بالوعود التي قُدمت باسم من ناضلوا من أجلها.

إعداد: الريم كمال، مسؤولة قانونية، وحدة حقوق الإنسان والأعمال التجارية، البرنامج السوري للتطوير القانوني.

السويداء بعد مرور عام: لماذا تعتبر الحاجة إلى استجابة تركز على الضحايا في مواجهة عنف الدولة بعد التحرير في غاية الأهمية؟

14 يوليو, 2026    |      |    هذا المنشور متوفر أيضاً باللغة : الإنجليزية

قبل عام، اندلعت أعمال العنف في محافظة السويداء. وما بدأ كمواجهة محلية في حي المقواس بمدينة السويداء سرعان ما تصاعد ليصبح أحد أكثر حوادث العنف دموية منذ سقوط الأسد. واستناداً إلى توثيق لجنة التحقيق، قُتل أكثر من 1,700 شخص في غضون ثلاثة أيام، كانت الغالبية العظمى منهم من الطائفة الدرزية. وشملت الانتهاكات المرتكبة ضدهم أيضًا تدمير قرى ومنازل بأكملها وما تبع ذلك من نزوح جماعي واسع النطاق، والتعذيب والاعتداءات على الكرامة الشخصية، والعنف الجنسي والعنف القائم على النوع الاجتماعي، واحتجاز المدنيين واختفائهم على أيدي كل من القوات الحكومية ومقاتلي العشائر، وهو ما تفاقم بسبب الطابع الطائفي الحاد لهذه الجرائم. كما تعرض المدنيون البدو للقتل والحرمان التعسفي من الحرية وانتهاكات جسيمة أخرى لحقوقهم على أيدي الجماعات المسلحة الدرزية، بما في ذلك التهجير القسري من ديارهم.

وإلى جانب الخسائر البشرية المدمرة، أدى العنف إلى تعميق انعدام الثقة بين الطوائف وتجاه الدولة، وزاد من تآكل النسيج الاجتماعي في سوريا، وجعل مجتمعات درزية بأكملها تعيش في خوف على حاضرها ومستقبلها ـ وهو تأثير مدمر لم تكن سوريا وجميع السوريين قادرين على تحمله في تلك الفترة من المرحلة الانتقالية.

ووفقاً لالتزاماتها بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان، يتعين على الدولة السورية احترام حقوق الإنسان، ومنع الانتهاكات، وحماية سكانها. وخلال أعمال العنف، كانت القوات الحكومية متورطة بشكل مباشر في ارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان، ولم تتمكن، بشكل عام، من الوفاء بتلك الالتزامات فيما يتعلق بالانتهاكات التي ارتكبتها جهات فاعلة أخرى بما فيها مسلحي العشائر. وبعد مرور عام، أدى غياب استجابة جادة تركز على الضحايا إلى تفاقم ذلك الفشل الأولي.

في هذه المرحلة من الانتقال السياسي، لا تعد الاستجابة التي تركز على الضحايا مسألة تقدير سياسي. بل إنها تعكس الالتزامات الناشئة عن معاهدات حقوق الإنسان الدولية الملزمة لسوريا، والمعترف بها في المادة 12(2) من الإعلان الدستوري السوري لما بعد الأسد. وهذا يتطلب من سوريا ضمان أن تشكل كرامة جميع الضحايا وحقوقهم في العدالة والحقيقة والتعويضات وضمانات عدم التكرار أساس الاستجابة لأحداث العنف في السويداء.

ولكن الأهم من ذلك أن أحداث السويداء تثير سؤالاً جوهرياً يتجاوز مسألة المساءلة عن حالة محددة واحدة: ما معنى إصلاح عنف الدولة عندما يُرتكب هذا العنف بعد التحرير؟

إن أعمال العنف التي شهدتها السويداء في يوليو/تموز 2025، والانتهاكات اللاحقة التي تلتها، والطبيعة المستمرة لهذا الضرر، بما في ذلك عدم القدرة على العودة، كلها وقعت بعد التحرير – في لحظة كان يُتوقع فيها أن تجسد الحكومة الجديدة قطيعة حاسمة مع أنماط العنف التي مارستها الدولة في الماضي، لا سيما بعد مذبحة الساحل. وهذا يغير بشكل جذري الأهمية القانونية والسياسية لاستجابة الدولة. في هذا السياق، تخدم الاستجابة التي تركز على الضحايا غرضين مترابطين. فهي تعيد الحق والكرامة للمتضررين، بينما تبرهن على أن الدولة السورية الجديدة تقبل بصدق المسؤولية القانونية عن العنف الذي ارتُكب باسمها. وبهذا المعنى، يصبح إعمال حقوق الضحايا مقياساً ليس فقط للعدالة للأفراد، بل للطابع الدستوري والقائم على الحقوق لعملية الانتقال نفسها.

الحق في العدالة والحق في معرفة الحقيقة: المساءلة والحقيقة كاعتراف

بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان، تُعد عمليات المساءلة والكشف عن الحقيقة جزءاً من حق أوسع في الانتصاف، وهو ما يتطلب أن تكون هذه العمليات مستقلة ونزيهة، ومتاحة للجميع وتشاركية، وفعالة بشكل عام بحيث تكون قادرة على تجسيد التجربة الكاملة للضرر الذي عانى منه الضحايا، وأن تؤدي إلى نتائج ملموسة من حيث العقاب والكشف والإصلاح. كما أنها تشكل اعترافاً رسمياً من الدولة بوقوع الانتهاكات وبأن الضحايا هم أصحاب حقوق ومواطنون متساوون أمام القانون.

وكخطوة مهمة، بدأت مؤخراً الإجراءات القضائية؛ ومع ذلك، تُعتبر المحاكم العسكرية باستمرار غير ملائمة هيكلياً لإقامة العدل في قضايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان المرتكبة ضد المدنيين. فاختصاصها وتكوينها والغرض المؤسسي منها لا يتوافق بسهولة مع متطلبات الاستقلالية والحياد والرقابة العامة ومشاركة الضحايا التي ينص عليها القانون الدولي لحقوق الإنسان. وقد أكدت هيئات المعاهدات التابعة للأمم المتحدة والمحاكم الإقليمية لحقوق الإنسان باستمرار على ضرورة التحقيق في الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان ومقاضاة مرتكبيها أمام المحاكم المدنية العادية.

كما تتطلب الاستجابة التي تركز على الضحايا وجود مؤسسات وإجراءات قادرة على تحقيق العدالة بطريقة تمكن الضحايا من رؤية العدالة تتحقق، والتأكد من أنها تُنفذ لصالحهم. ومع ذلك، لا تزال المعلومات المتاحة للجمهور بشأن التحقيقات الجارية محدودة، بما في ذلك التحقيقات ضد أي وحدات أو قادة تنظيميين، وتتأثر سلبًا بالتقارير التي تشير إلى احتمال منح عفو عام للجناة. وهذا يجعل من الصعب على الضحايا والجمهور عمومًا تقييم ما إذا كانت الإجراءات حقيقية وشاملة ونزيهة. ويُعد الوصول إلى المعلومات في حد ذاته عنصراً أساسياً من عناصر الحق في الانتصاف الفعال بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان، وهو ما يضمن قدرة الضحايا على الوصول إلى حقهم في الانتصاف وممارسته بشكل فعال.

ويتطلب النهج الذي يركز على الضحايا كذلك توضيح جميع الادعاءات المتعلقة بالانتهاكات الجسيمة التي ارتكبت خلال أعمال العنف والتحقيق فيها، بغض النظر عن هوية الجناة المزعومين أو دورهم أو انتمائهم. ويشمل ذلك فحص مسؤولية أولئك الموجودين على جميع مستويات سلسلة القيادة. ويشمل ذلك تقييم كل من المسؤولية الجنائية المباشرة ومسؤولية الرؤساء، بما في ذلك الأفراد داخل القوات الحكومية الذين ربما أمروا بارتكاب هذه الانتهاكات أو خططوا لها أو أذنوا بها أو، عند الاقتضاء، فشلوا في منعها أو معاقبة مرتكبيها، بما في ذلك أولئك الذين ربما سمحوا لقوات غير نظامية بمرافقة عناصر الدولة في العمليات العسكرية.

وبالإضافة إلى مسؤولية الدولة، تتطلب الاستجابة التي تركز على الضحايا أيضاً معالجة كامل نطاق العنف الذي عانى منه الضحايا في السويداء. ولذلك، فإنها تتطلب التحقيق في الانتهاكات التي ارتكبها مقاتلو العشائر ضد المدنيين الدروز، سواء كانت تتصرف تحت سيطرة القوات الحكومية أو بموافقة الدولة أو بشكل مستقل عنها. بالإضافة إلى ذلك، يتطلب الأمر أيضًا ضمان بذل كل جهد ممكن لضمان أن تشمل التحقيقات والملاحقات القضائية أيضًا الأفراد المرتبطين بجهات فاعلة غير تابعة للدولة من المسؤولين عن الانتهاكات المرتكبة ضد مجتمع البدو وغيرهم من المدنيين، بما في ذلك في الفترة التي أعقبت المجزرة. وفي هذا الصدد، من الضروري ضمان ألا يحل أي اتفاق سياسي مستقبلي مع الأطراف المعنية محل حقوق الضحايا في العدالة.

إن هذا الاعتراف هو أوسع من الحقيقة المكشوفة عبر الإجراءات القضائية. فالضحايا لهم الحق في معرفة الحقيقة حول الظروف التي وقعت فيها الانتهاكات، بما في ذلك كيف ومتى ولماذا ومن ارتكبها. علاوة على ذلك، تعتمد التحولات الديمقراطية على استبدال الروايات التي تسيطر عليها الدولة بمؤسسات قادرة على إنتاج حقيقة عامة ذات مصداقية. وفي هذا الصدد، للمجتمع السوري ككل مصلحة في ضمان وجود سجل عام للعنف قادر على منع الإنكار والتحريف التاريخي، لا سيما في ظل المناخ الحالي الذي يشهد انتشار خطاب الكراهية والتحريض الطائفي ضد الدروز.

ورغم أن تشكيل لجنة تقصي الحقائق في السويداء، بما في ذلك تعاون الحكومة مع لجنة التحقيق، يمثل خطوة أولية إيجابية وهامة، فإن قيمة عملية تقصي الحقائق المحلية تعتمد في نهاية المطاف على مصداقية نتائجها واكتمالها وإمكانية الوصول إليها. وفي هذا الصدد، فإن التناقضات بين تقرير لجنة التحقيق الدولية والتقرير المحلي – الذي لا يبدو أنه يعكس بشكل كامل دور الجهات الفاعلة الخاصة التي تعمل جنباً إلى جنب مع قوات الدولة ومستوى التنسيق الذي استندت إليه العملية العسكرية – قد تنطوي على خطر تقويض حق الضحايا في معرفة الحقيقة بدلاً من إعماله. كما أن الكشف المحدود عن التقرير المحلي للجمهور يقوض الوفاء بهذا الالتزام، حيث إن النشر الفني وحده لا يمكن أن يحل محل الكشف العام الفعّال عن الحقيقة والوصول إلى المعلومات، والتواصل مع المجتمعات المتضررة وإشراكها.

ومع ذلك، يظل التعبير الأكثر إلحاحاً عن الحق في معرفة الحقيقة بالنسبة للعديد من العائلات هو معرفة مصير أقاربهم المختفين. وقد تم الإبلاغ عن عدة حالات احتجاز واختفاء قسري لرجال وفتيان على يد الحكومة الانتقالية السورية، بما في ذلك أفراد يُزعم احتجازهم في سجن عدرا وسجن المزة العسكري، بينما لا يزال آخرون في عداد المفقودين عقب حرمانهم من حريتهم على يد قوات تابعة للهجري. وبغض النظر عن السياق العسكري الذي وقعت فيه حالات الحرمان من الحرية هذه، فإن القانون الدولي لحقوق الإنسان يُلزم الدولة السورية بتوضيح مصير ومكان وجود جميع الأشخاص المختفين بشكل كامل ودون تأخير، ووضع حد فوري لأي احتجاز تعسفي، والتحقيق ومقاضاة أي فرد أو كيان مسؤول عن حالات الاحتجاز التعسفي والاختفاء القسري هذه. إن الاختفاء القسري والاحتجاز التعسفي وفصل العائلات عن أحبائها مثّل الشكل الأساسي للعنف المجتمعي الذي مارسه نظام الأسد ضد الشعب السوري. ولا يمكن لأي ترتيبات سياسية أو عسكرية، خاصة بعد التحرر من الأسد، أن تحل محل أو تستبدل التزام الدولة بحماية الحقوق الأساسية لكل مواطن سوري في الحرية والكرامة والتحرر من التعذيب وسوء المعاملة.

الحق في التعويضات والضمانات القانونية بعدم التكرار: الإصلاح والاعتراف عنصران أساسيان لإعادة بناء الثقة بين الدولة ومواطنيها

تتطلب الاستجابة التي تركز على الضحايا تقديم تعويضات لجميع ضحايا العنف في السويداء تكون كافية وفعالة ومتناسبة مع جسامة الانتهاكات التي تعرضوا لها. ويجب أن يرافق ذلك إصلاحات يمكن أن تؤدي بشكل ملموس إلى الوقاية الفعالة من الانتهاكات وضمان عدم تكرارها، سواء فيما يتعلق بالأفعال نفسها أو بالظروف والـأوضاع المؤسسية التي ربما تكون قد ساهمت في حدوث هذه الانتهاكات. وتشكل هذه الإصلاحات التزاماً قانونياً ناشئاً عن القانون الدولي لحقوق الإنسان، وتهدف إلى استعادة كرامة الضحايا، والاعتراف بالضرر الذي لحق بهم، وتغيير الظروف المؤسسية التي سمحت بوقوع الانتهاكات وفشلت في حماية المدنيين من الانتهاكات.

وفي حالة السويداء، تتجاوز التعويضات مجرد جبر الضرر الفردي. فأي عنف وقع بعد تحرير سوريا يمثل شرخاً عميقاً في مسيرة الانتقال في البلاد. بالنسبة للعديد من السوريين، حلت تجارب متجددة من العنف الذي تمارسه الدولة والعنف بين الطوائف محل التوقعات بأن التحرير سيبشر بعلاقة جديدة بين المواطنين والدولة، وبين المجتمعات المحلية نفسها. وبالتالي، فإن الضرر الناجم ليس جسديًا أو ماديًا فحسب، بل هو ضرر جماعي وسياسي عميق. ويتطلب إصلاح هذا الضرر أكثر من أشكال التعويضات التقليدية؛ فهو يتطلب إعادة بناء علاقة الثقة بين المواطنين والدولة التي فشلت في حمايتهم بعد التحرير، وبين المجتمعات المحلية. بهذا المعنى، ليست الثقة مجرد طموح سياسي، بل هي نتاج مؤسسات تحترم الحقوق.

أولاً، تتطلب الاستجابة التي تركز على الضحايا أن تكمل الحكومة الانتقالية السورية المساءلة الجنائية بمساءلة مؤسسية قادرة على معالجة الأسباب الأوسع نطاقاً للانتهاكات. وبموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان، تشكل ضمانات عدم التكرار أحد مكونات الحق في الانتصاف الفعال، مما يتطلب إصلاحات هيكلية في الحالات التي تكشف فيها الانتهاكات عن إخفاقات مؤسسية بدلاً من سوء سلوك منفرد. وهذا يتطلب عملية أوسع نطاقاً من المراجعة الذاتية المؤسسية، بما في ذلك فحص وتحديد الأفراد ضمن القيادة الذين ربما سمحوا بوقوع مثل هذه الانتهاكات أو نظموها، أو ربما كانوا على الأقل مسؤولين عن فقدان السيطرة على قواتهم أو عن السماح لجهات غير نظامية بمرافقتهم. وتكتسي هذه المراجعة المؤسسية أهمية كبيرة، بما في ذلك كاستجابة للمخاوف التي أثارتها لجنة التحقيق من أن الهجمات ربما كانت جزءاً «من هجوم واسع النطاق ومنهجي ضد السكان المدنيين في السويداء على يد مجموعة فرعية من قادة القوات الحكومية».

والأمر الهام هو أن الأمر يتطلب أيضاً تقييماً جاداً للتعبئة القبلية والمخاطر التي يشكلها تورط مواطنين عاديين في أعمال العنف ضد أبناء وطنهم السوريين، وهو أمر ضروري لحماية عملية الانتقال السياسي الأوسع نطاقاً، والحفاظ على وحدة الشعب السوري، وضمان عدم حدوث مثل هذه التعبئة في المستقبل، ومنعها بفعالية. وينبغي إجراء هذه التقييمات والإصلاحات بشفافية، مع إشراك الضحايا والمجتمعات المتضررة.

ثانياً، يظل الاعتراف بمعاناة جميع المواطنين السوريين، بما في ذلك التزام الدولة بالاعتراف، علانية وبشكل قاطع، بالانتهاكات التي وقعت وتقديم اعتذار علني للمجتمعات المتضررة، شريطة أن يكون ذلك مصحوباً بتدابير ملموسة للحقيقة والعدالة والإصلاح موضحة أعلاه، أمراً ضرورياً لضمان أن يشعر جميع السوريين بأنهم جزء من الدولة الجديدة. ويُعتبر الاعتراف الرسمي بالمسؤولية والاعتذارات الرسمية أشكالاً معترف بها من أشكال التعويض وشكلاً من أشكال الانتصاف للضحايا بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان.

وفي نهاية المطاف، فإن الاستجابة لما حدث في السويداء هي جزء من الذاكرة المجتمعية والسياسية لعملية الانتقال في سوريا. ولن تُقاس شرعية الدولة السورية الجديدة في نهاية المطاف بالوعود التي قُطعت لحظة التحرير، بل باستعدادها للاعتراف بحقوق أولئك الذين تضرروا من جراء العنف الذي مارسته الدولة بعد التحرير. ولا تثبت الدولة طابعها التحرري عبر ادعاء العصمة من الخطأ، بل بقبول المسؤولية القانونية عندما تفشل في حماية مواطنيها، واتخاذ خطوات فعالة لتعويض هذا الضرر بما يحقق حقوق الضحايا بشكل ملموس. وبهذا المعنى، فإن سؤال ما إذا كان الضحايا الذين تضرروا سيرون الدولة الجديدة كضامن حقيقي للحقوق أم كمصدر آخر للعنف أو الإنكار أو التهميش، سيعتمد على استعداد المؤسسات الحكومية للاعتراف الكامل بالمسؤولية، وتعويض الأضرار التي لحقت بجميع الضحايا، وإصلاح الهياكل التي جعلت من هذه الانتهاكات أمراً ممكناً مرة أخرى.

الأحياء غير المنظمة ليست حقوقاً غير منظمة: لماذا يجب أن تضمن إعادة إعمار سوريا حقوق السكن والأرض والملكية لجميع السوريين على قدم المساواة

1 يوليو, 2026    |      |    هذا المنشور متوفر أيضاً باللغة : الإنجليزية

مع دخول سوريا مرحلة جديدة من التعافي وإعادة الإعمار، تبرز قضية الأحياء العشوائية بوصفها واحدة من أكثر القضايا حساسية وتأثيراً على مستقبل البلاد. فعلى امتداد سوريا، عاش ملايين السوريين لعقود في أحياء صُنِّفت بأنها “عشوائية” أو “غير منظمة”. وغالباً ما تُقدَّم هذه المناطق باعتبارها نتاجاً لفشل التخطيط العمراني، أو مخالفات قانونية، أو عقبة أمام التنمية الحضرية الحديثة. إلا أن هذا التصور يغفل حقيقة أساسية، وهي أن الأحياء العشوائية لم تكن نتيجة أخطاء فردية، بل جاءت ثمرة عقود من إخفاق الدولة في توفير السكن الميسور، والتخطيط العمراني الفعّال، وإدارة الأراضي بصورة عادلة ومتاحة.

إن التعامل مع سكان هذه المناطق باعتبارهم أصحاب حقوق ملكية من الدرجة الثانية لا يمثل ظلماً فحسب، بل يقوض أيضاً الأسس التي ينبغي أن تقوم عليها عملية إعادة إعمار مستدامة تحترم حقوق الإنسان.

العشوائيات نتاج سياسات الدولة

قبل اندلاع الثورة، كانت المساكن العشوائية تشكل ما بين 30 و50 بالمئة من المخزون السكني في سوريا. فقد نشأت أحياء كاملة في دمشق، وحلب، وحمص، وغيرها من المدن خارج الأطر الرسمية للتخطيط العمراني، وأصبحت موطناً لملايين السوريين، ولا سيما الأسر محدودة الدخل التي بحثت عن مساكن قريبة من فرص العمل وبتكاليف يمكن تحملها.

ولم ينشأ هذا الواقع لأن السوريين رفضوا احترام القانون، وإنما لأن الحكومات المتعاقبة في ظل نظام الأسد أخفقت في توفير مساكن ميسورة التكلفة، وأوجدت منظومة تخطيط عمراني جامدة وغير فعالة لم تستطع مواكبة النمو السكاني والهجرة من الريف إلى المدن. وقد دفعت سياسات الأراضي المقيدة، وإجراءات التخطيط البيروقراطية، وضعف القدرات التنفيذية، والفساد، شرائح واسعة من السكان إلى اللجوء إلى حلول سكنية غير رسمية.

وفي الوقت نفسه، قامت الدولة تدريجياً بإضفاء نوع من الشرعية العملية على هذه المناطق من خلال إيصال الكهرباء والمياه والطرق والمدارس والخدمات العامة إليها. فقد كانت الأحياء العشوائية خاضعة للضرائب، وتتلقى الخدمات، وأصبحت جزءاً من النسيج السياسي والاجتماعي للدولة. كما اشترى سكانها منازلهم، واستثمروا فيها مدخرات حياتهم، وربوا أبناءهم، وبنوا مجتمعات مستقرة عبر أجيال متعاقبة. وكان كثير منهم يمتلك أشكالاً مختلفة من وثائق إثبات الملكية، حتى وإن لم تكن العقارات مسجلة رسمياً في السجل العقاري. ولذلك، فإن وصف هذه المناطق بأنها “عشوائية” لا يعني غياب المشروعية الاجتماعية أو انعدام الحقوق العقارية الحقيقية.

غير أن التحدي الذي تواجهه سوريا اليوم يتمثل في أن العديد من مبادرات إعادة الإعمار ما تزال تنظر إلى الأحياء العشوائية باعتبارها مشكلة تخطيطية ينبغي معالجتها، بدلاً من النظر إلى سكانها باعتبارهم أصحاب حقوق يجب حمايتها.

ويمثل هذا النهج خطراً حقيقياً، لأنه قد يعيد إنتاج أحد أبرز مظالم مرحلة النزاع، والمتمثل في استخدام أدوات التخطيط العمراني وإعادة التطوير لنزع ملكيات الفئات الأكثر ضعفاً. فقد أظهرت مشاريع ماروتا سيتي وباسيليا سيتي، التي أُنشئت بموجب المرسوم التشريعي رقم 66 لعام 2012 والقانون رقم 10 لعام 2018، كيف استُخدمت الأدوات القانونية والتخطيطية لتسهيل مصادرة الممتلكات، والتهجير القسري، وإحداث تغييرات ديموغرافية. فقد هُدمت أحياء كاملة تحت شعار “إعادة التطوير”، بينما لم يحظَ العديد من سكان هذه الأحياء بحماية أو تعويض فعليين.

وإذا ما اعتبرت سلطات إعادة الإعمار اليوم أن سكان الأحياء العشوائية يستحقون تعويضاً أقل لمجرد أن منازلهم تقع خارج المناطق المنظمة، فإنها بذلك تعاقب مجتمعات بأكملها على واقع صنعته عقود من الإخفاقات والسياسات الحكومية.

فالوضع التنظيمي لأي حي لا ينبغي أن يحدد قيمة كرامة الإنسان أو أمنه أو انتمائه.

المساواة في التعويض هي مسألة عدالة

إن حقوق السكن والأرض والملكية لا تقتصر على من يمتلكون وثائق ملكية مكتملة أو يقيمون داخل أحياء منظمة رسمياً. فالمعايير الدولية باتت تعترف بطيف واسع من أشكال الاستملاك، وتؤكد ضرورة حماية الأفراد من الإخلاء أو التهجير التعسفي.

ويعني ذلك عملياً أن سكان الأحياء العشوائية يجب أن يتمتعوا بآليات تعويض مماثلة لتلك المتاحة لسكان المناطق المنظمة، عندما تُصادر ممتلكاتهم أو تُهدم أو تُعاد تطويرها.

ولا يعني مبدأ المساواة في التعويض بالضرورة اعتماد معادلات حسابية متطابقة، فقد يستلزم الأمر مراعاة اختلاف أشكال الملكية وأنظمة الإثبات. إلا أن المبدأ الأساسي يجب أن يبقى واضحاً: لا يجوز أن يحصل أي شخص على حماية قانونية أقل لمجرد أنه كان يعيش في حي عشوائي.
فأسرة تقيم منذ عقود في أحد الأحياء العشوائية في حمص أو دمشق أو حلب أو دير الزور أو غيرها، واستثمرت كل ما تملك في منزلها، لا تقل خسارتها الاقتصادية، ولا حجم الضرر الاجتماعي أو الارتباط الوجداني بالمكان، عن خسارة أسرة تعيش في حي منظم. بل إن غالبية هذه الأحياء كانت تضم مجتمعات محدودة الدخل، ما يجعل التمييز في التعويض سبباً في تعميق أوجه عدم المساواة، ومضاعفة تهميش الفئات التي تحملت بالفعل العبء الأكبر من النزاع والنزوح.

كما أن العديد من هذه المجتمعات كانت في طليعة الحراك الشعبي السوري، وتعرضت لاحقاً لأشد أشكال العقاب الجماعي على يد نظام الأسد. فقد شهدت هذه الأحياء حصاراً وقصفاً وتهجيراً قسرياً، وسياسات إعادة تطوير جردت السكان من مساكنهم وحقوقهم في الملكية. وبالنسبة لكثير من الأسر، لم يكن فقدان المنزل مجرد نتيجة للحرب، بل جزءاً من سياسة انتقام سياسي ممنهجة.

وأي إطار لإعادة الإعمار لا يعيد هذه الحقوق، أو يمنح سكان هذه المناطق حماية أقل من تلك التي يحصل عليها سكان المناطق المنظمة، فإنه يخاطر بترسيخ هذه المظالم بدلاً من معالجتها. وإلى جانب الاعتبارات القانونية والأخلاقية، فإن مثل هذا النهج قد يؤدي إلى تجدد التوترات الاجتماعية، وإضعاف الثقة بمؤسسات الدولة، وتقويض مصداقية السلطات الحاكمة في مرحلة تحتاج فيها سوريا أكثر من أي وقت مضى إلى الثقة، والشمول، والمصالحة الوطنية.

نجاح إعادة الإعمار مرهون بالاعتراف بحقوق هذه المجتمعات

لا يتعلق هذا النقاش بالعدالة وحدها، بل يرتبط أيضاً بفرص نجاح إعادة الإعمار نفسها.

فالتعافي السوري يتطلب عودة المهجرين، واستعادة ثقة المواطنين، وإعادة دمج المجتمعات التي مزقها النزاع. ولن يكون تحقيق أي من هذه الأهداف ممكناً إذا شعر ملايين السوريين بأن إعادة الإعمار ستتحول إلى وسيلة جديدة للإقصاء أو نزع الملكية.

وتبين تجارب العديد من الدول أن محاولات إزالة الأحياء العشوائية عبر مشاريع إعادة تطوير تُفرض من أعلى غالباً ما تؤدي إلى مقاومة مجتمعية، وتفكك اجتماعي، ونزاعات طويلة الأمد. وعلى العكس من ذلك، تكون فرص نجاح التعافي الحضري أكبر عندما تعترف السلطات بالمجتمعات القائمة، وتعمل على تسوية أوضاع الحيازة حيثما أمكن، وتشرك السكان في اتخاذ القرارات المتعلقة بمستقبل أحيائهم.

وبالنسبة لسوريا، فإن ذلك يعني تجاوز التصنيف التقليدي بين “منظم” و”عشوائي”. فالسؤال الحقيقي ليس ما إذا كان الحي قد التزم بأنظمة التخطيط قبل عقود، وإنما ما إذا كانت سياسات إعادة الإعمار تحترم حقوق ومصالح السكان الذين يعيشون فيه اليوم.

طريق قائم على الحقوق

ينبغي لإطار إعادة إعمار قائم على حقوق الإنسان أن يستند إلى مجموعة من المبادئ الأساسية.

أولاً، يجب الاعتراف بالأحياء العشوائية باعتبارها سمة هيكلية من سمات التطور العمراني في سوريا، لا مجرد مخالفات قانونية معزولة.

ثانياً، ينبغي أن يتمتع سكان هذه المناطق بحقوق متساوية في استرداد الممتلكات، والحصول على التعويض، والوصول إلى آليات تسوية المنازعات.

ثالثاً، يجب أن تراعي برامج التعويض تنوع وسائل إثبات الملكية أو الإشغال، بما في ذلك الأعراف المحلية، والسجلات البلدية، وفواتير الخدمات، وشهادات الشهود، وغيرها من وسائل الإثبات المقبولة.

رابعاً، ينبغي أن تعطي مشاريع إعادة التطوير العمراني الأولوية لتأهيل الأحياء القائمة وتسوية أوضاعها القانونية كلما كان ذلك ممكناً، بدلاً من اللجوء إلى التهجير واسع النطاق، شريطة إجراء مشاورات حقيقية مع المجتمعات المحلية قبل تصميم هذه المشاريع أو تنفيذها.

وأخيراً، يجب إشراك المجتمعات المتأثرة بصورة فعالة وذات معنى في جميع مراحل التخطيط وإعادة الإعمار.

بناء مدن بلا إقصاء

ستفرض إعادة إعمار المدن السورية حتماً قرارات صعبة تتعلق باستخدام الأراضي، والبنية التحتية، والتنمية الحضرية. إلا أن هناك مبدأ ينبغي ألا يكون محل تفاوض: لا يجوز أن تتحول صفة “العشوائية” إلى مبرر للتمييز في الحقوق.
فالأحياء العشوائية كانت نتيجة عقود من الإهمال، والإخفاقات التخطيطية، والاختلالات البنيوية. ولا ينبغي لسكانها أن يتحملوا مرة أخرى ثمن تلك الإخفاقات.

وإذا كانت إعادة الإعمار تهدف فعلاً إلى تحقيق العدالة، وترسيخ الاستقرار، ودعم التعافي طويل الأمد، فإن عليها أن تعترف بأن حقوق السكن والأرض والملكية هي حقوق لجميع السوريين، وليس فقط لأولئك الذين حالفهم الحظ بالعيش داخل حدود المخططات التنظيمية. فمستقبل المدن السورية لن يُبنى بإزالة المجتمعات العشوائية، بل بإدماجها باعتبارها شريكاً متساوياً في عملية تعافي البلاد وإعادة بنائها.

بقلم: إياد حميد
مدير وحدة حقوق الإنسان والأعمال التجارية – البرنامج السوري للتطوير القانوني (SLDP)

بيان منظمات المجتمع المدني والأفراد الموقّعون/ات بشأن توقيف ممثلي المتضررين من المرسوم 66

16 يونيو, 2026    |    

تعرب منظمات المجتمع المدني والأفراد الموقّعون/ات أدناه عن قلقهم/ن إزاء المسار القضائي الذي طال كلاً من السيد ياسر عباس “أبو وسيم”، الناطق باسم رابطة إسقاط المرسوم 66، والمهندس إبراهيم شيخ الشباب، ممثل لجان أهل المزة، على خلفية نشاطهما العلني المتصل بملف المرسوم التشريعي رقم 66 لعام 2012، وباعتراضات المتضررين على مقاربة محافظة دمشق لملف التعويضات وجبر الضرر. وتشير الوقائع المتاحة إلى أن هذه القضية جاءت بعد توقيف سابق لياسر عباس مرتبط بأنشطة احتجاجية سلمية بتاريخ 8 أيار/مايو 2026، قبل أن يتم توقيف ياسر عباس وإبراهيم شيخ الشباب بتاريخ 2 حزيران/يونيو 2026، ثم إطلاق سراحهما بكفالة بتاريخ 9 حزيران/يونيو 2026، مع استمرار الملاحقة القضائية وتحديد الجلسة القادمة في 18 حزيران/يونيو 2026. ولا يغيّر إطلاق سراحهما بكفالة من جوهر المخاوف الحقوقية التي تثيرها القضية، إذ إن التوقيف والملاحقة استُخدما في سياق الرد على انتقادات مشروعة ومطالبات علنية بحقوقهما وحقوق المجتمعات المتضررة التي يمثلانها، بما قد يحوّل المسار الجزائي إلى أداة ضغط ذات أثر رادع بدلاً من أن يكون ضمانة للإنصاف وسيادة القانون.

بحسب الوثائق القضائية والأمنية المتاحة، تستند الشكاوى والادعاءات إلى قانون مكافحة الجرائم المعلوماتية رقم 20 لعام 2022، وقانون العقوبات العام، وقانون التظاهر رقم 54 لعام 2011. وتنسب محافظة دمشق وإدارة قضايا الدولة إلى ياسر عباس وإبراهيم شيخ الشباب أفعالاً من قبيل “التحريض الممنهج”، و”التشهير”، و”نشر أخبار كاذبة عبر الشبكة والقنوات الفضائية”، و”النيل من سمعة وهيبة إدارة عامة”، و”التحريض على تظاهرات الشغب”. وتقوم الوقائع المعروضة في الملفات، في جوهرها، على تصريحات إعلامية، وتسجيلات صوتية، ومنشورات على فيسبوك، ومجموعات واتساب، وانتقادات علنية لبيان محافظة دمشق حول المرسوم 66، ودعوات لتنظيم المتضررين والمطالبة بحقوقهم. ولا يظهر من مضمون الوثائق، بحسب ما ورد فيها، أن جوهر الملاحقة يستند إلى فعل عنيف أو دعوة مباشرة ووشيكة إلى العنف، بل إلى نشاط أهلي ورقمي مرتبط بالمطالبة بحقوق السكن والملكية والتعويض.

إن خطورة هذه القضية لا تنبع فقط من توقيف سابق أو استمرار دعوى جزائية، بل من الرسالة التي يمكن أن توجهها إلى المتضررين من المرسوم 66 في المزة وغيرها من المناطق: أن الاعتراض على السياسات العامة، أو انتقاد مقاربة المحافظة، أو تنظيم الأهالي للمطالبة بحقوقهم، قد يتحول إلى ملف جزائي قائم على نصوص فضفاضة. وبشكل عام، يشير تسلسل الأحداث، بدءاً من قرار محافظة دمشق معالجة ملف المرسوم 66 بوصفه مسألة تنظيمية وإدارية لا بوصفه ملفاً مرتبطاً بالانتصاف وجبر الضرر، مروراً بحرمان المتضررين من مسار فعال وشفاف للمطالبة بحقوقهم، وانتهاءً بالتوقيفات والملاحقات المرتبطة بالتجمع السلمي والتعبير العلني، إلى نمط مقلق من القيود على الحقوق الأساسية. وتثير هذه الوقائع مخاوف جدية من أن يكون توقيف واحتجاز ممثلي المتضررين تعسفياً، بالنظر إلى أن حرمانهم من الحرية يبدو مرتبطاً مباشرة بممارستهم لحقوقهم في حرية التعبير والتجمع السلمي والمطالبة بالانتصاف، وهي حقوق مكفولة بموجب الإعلان الدستوري والتزامات سوريا الدولية، ولا سيما العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. كما أن الاستناد إلى نصوص جزائية فضفاضة، ولا سيما من قانون الجرائم المعلوماتية وقانون التظاهر، لتجريم النقد العام والتنظيم الأهلي والمطالبة بحقوق السكن والملكية والتعويض، يثير إشكالية جدية بشأن مدى وجود أساس قانوني صحيح ومشروع للتوقيف، وبشأن توافق هذه النصوص وتطبيقها مع المعايير الدولية المتعلقة بحظر الاحتجاز التعسفي.

ويزداد القلق لأن هذا المسار لا ينفصل عن الإطار الأوسع للعدالة الانتقالية. فالمرحلة الانتقالية تتطلب مراجعة القوانين والممارسات التي أضرت بالسوريين، لا إعادة توظيفها في مواجهة المجتمعات المتضررة وممثليها. كما أن تعرّض ضحايا الانتهاكات أو ممثليهم لخطر التوقيف أو إجراءات قد تدفعهم إلى الإحجام عن المطالبة بحقوقهم المشروعة يثير مخاوف جدية بشأن فرص بناء عدالة انتقالية عادلة وشاملة ومتمحورة حول الضحايا في سوريا. إن استخدام قوانين صادرة في الحقبة السابقة، ولا سيما قانون الجرائم المعلوماتية، لملاحقة خطاب عام يتعلق بحقوق السكن والملكية والتعويض، يعكس استمراراً مقلقاً لتوظيف أدوات قانونية ارتبطت سابقاً بتقييد الحريات العامة، في وقت يفترض فيه أي انتقال سياسي حقيقي وضع حد لاستخدام البنية القانونية القمعية السابقة ضد المتضررين منها، وفتح مسار واضح للإنصاف وجبر الضرر.

كما تؤكد المنظمات والأفراد الموقّعون/ات أن اعتراض السكان المتضررين من المرسوم 66 لا يتعلق بتفاصيل تنظيمية أو إدارية محايدة، بل بنموذج قانوني وعمراني أنتجه النظام السابق في سياق انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان، وأعاد تشكيل الملكية والحيز العمراني بما يهدد حقوق السكن والملكية والعودة والانتصاف. فالمرسوم 66 لا يمكن التعامل معه كمجرد أداة تنظيم عمراني، كما يُروَّج له أحياناً، إذ ارتبط تطبيقه منذ بداياته بمناطق تضررت بشدة خلال النزاع وكانت تُنظر إليها من قبل النظام السابق بوصفها حواضن اجتماعية معارضة، ما يجعل آثاره السكنية والملكية جزءاً من إرث أوسع من التهجير والإقصاء، لا مجرد نتيجة لإجراءات تخطيطية محايدة. فقد أسس المرسوم 66 لمشروعي ماروتا سيتي وباسيليا سيتي في دمشق، بما شمل مناطق من المزة وكفرسوسة والقدم ونهر عيشة والعسالي ضمن نطاق التنظيم، ثم وسّع القانون رقم 10 لعام 2018 هذا النموذج على المستوى الوطني، بما يفتح الباب أمام تحويل الملكيات الفردية إلى أسهم داخل مشاريع إعادة تطوير قد تؤدي، في غياب ضمانات حقوقية واضحة، إلى نزع ملكية غير عادل، وتعويضات غير كافية، وإقصاء النازحين واللاجئين والسكان الذين لا يملكون وثائق ملكية رسمية كاملة أو يعيشون في أوضاع سكنية غير رسمية. ولا تقف خطورة هذا النهج عند المزة وكفرسوسة والقدم ونهر عيشة والعسالي، بل تمتد إلى مستقبل إعادة الإعمار في سوريا، بما في ذلك أحياء مثل جوبر والقابون وتشرين وغيرها من المناطق المدمرة، حيث يمكن أن تتحول المقاربات القانونية والتنظيمية ذاتها إلى سابقة لإعادة إنتاج الإقصاء بدل جبر الضرر. إن أي إعادة إعمار مشروعة لا بد أن تُبنى على أولوية جبر الضرر، ورد الحقوق، وضمان التعويض العادل، والسكن الملائم، والشفافية، والمشاركة الفعلية للسكان المتضررين.

المطالب العاجلة

تؤكد المنظمات والأفراد الموقّعون/ات أن الإفراج بكفالة لا ينهي المخاوف الحقوقية التي تثيرها هذه القضية، ما دامت الملاحقة قائمة وما دام بإمكان هذه السابقة أن تخلق أثراً ترهيبياً لدى المجتمعات المتضررة في المزة وجوبر والقابون وتشرين وغيرها من المناطق. كما تؤكد أن احترام الحقوق وجبر الضرر هما الأساس لأي إعادة إعمار عادلة ومستدامة، بما يتيح تحويل ماروتا سيتي وباسيليا سيتي من نموذج للإقصاء والنزاع إلى نموذج وطني لإعادة الإعمار بعد النزاع. إن الطريق إلى إعادة إعمار عادلة لا يبدأ بإسكات المتضررين، بل بالاعتراف بحقوقهم، وضمان مشاركتهم، ووضع مسار وطني للإنصاف وجبر الضرر يحول دون تكرار المظالم ذاتها بأدوات قانونية جديدة أو موروثة. وبناءً عليه، تطالب المنظمات والأفراد الموقّعون/ات بما يلي:

ضمان ألا تُستخدم الملاحقة الجزائية أو التوقيف أو التهديد بهما كوسيلة لإدارة الخلافات المدنية والعقارية أو لتقييد المطالبة السلمية بالحقوق، ومراجعة وإسقاط أي اتهامات تستند إلى ممارسة الحق في حرية التعبير أو التجمع السلمي، بما في ذلك الانتقاد العلني لسياسات محافظة دمشق أو المشاركة في التنظيم الأهلي المرتبط بالمطالبة بحقوق المتضررين من المرسوم 66، وضمان ألا تتحول هذه الأفعال إلى أساس للملاحقة الجزائية.

الامتناع عن توسيع تفسير نصوص قانون الجرائم المعلوماتية وقانون العقوبات وقانون التظاهر بما يؤدي إلى تجريم النقد العام أو النقاش المتعلق بالمصلحة العامة وحقوق السكن والملكية والتعويض. والعمل على مراجعة هذه النصوص بما ينسجم مع القانون الدولي لحقوق الإنسان ومتطلبات المرحلة الانتقالية، وبما يضمن عدم استمرار توظيف أدوات قانونية ارتبطت بالحقبة السابقة في تقييد الحريات العامة أو إسكات المطالبة السلمية بالحقوق.

دعوة محافظة دمشق، بالتعاون مع الوزارات المعنية والهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، إلى اعتماد خطة متكاملة وشفافة للتعويض وجبر الضرر في مناطق المرسوم 66، تُعد بالتشارك الفعلي مع تجمعات السكان المتضررين، وتراعي حق الملكية، والحق في السكن الملائم، والبدائل السكنية، والتعويض العادل، ورد الحقوق حيثما أمكن.

المنظمات الموقعة

1. البرنامج السوري للتطوير القانوني (SLDP)
2. اليوم التالي (TDA)
3. رابطة إسقاط المرسوم 66 واسترداد الحقوق
4. لجنة المزة
5. مؤسسة رياض سيف لحقوق الإنسان
6. المركز السوري للإعلام وحرية التعبير (SCM)
7. منظمة حراس الحقيقة
8. النساء الآن للتنمية
9. دولتي
10. مواطنون لأجل سوريا
11. جمعية بدايتنا – سوريا للجميع
12. سوريون من أجل الحقيقة والعدالة (STJ)
13. مكتب التنمية المحلية ودعم المشاريع الصغيرة (LDSPS)
14. العدالة من أجل الحياة (JFL)
15. بدائل
16. سين للسلم الأهلي
17. بيل – الأمواج المدنية
18. رابطة عائلات من أجل الحرية
19. رابطة عائلات قيصر
20. تنسيقية مدينة الباب وضواحيها
21. كش ملك
22. Action for Sama
23. متحف سجون سوريا
24. حملة من أجل سوريا
25. مركز المجتمع المدني والديمقراطية
26. عدالتي
27. مسارات إبدالية
28. مؤسسة شبكة الصحفيات السوريات
29. حقوقيات
30. جمعية ليلون للضحايا
31. مبادرة تعافي
32. عائلات من أجل العدالة والحقيقة
33. مركز أمل للمناصرة والتعافي
34. فريق ورشة
35. نوفوتوزون
36. حُماة حقوق الإنسان
37. MDP- MADAD for Development and Peacebuilding
38. جمعية Yekpar للثقافة والفن والتنمية
39. Dozana
40. المؤسسة السورية للأبحاث والتنمية المستدامة
41. بيتنا
42. منظمة الرسالة الإنسانية المستقلة
43. منظمة لأجل النسوية
44. Syrian Missing Families Networking
45. مركز عدل لحقوق الإنسان
46. نساء الغد
47. مؤسسة التعاون الإنساني والإنمائي
48. مركز المواطنة المتساوية
49. فريق تطوّع لنبني
50. جمعية ضمة النسائية
51. اللجنة السورية للمعتقلين والمعتقلات (SCD)
52. الحركة السياسية النسوية السورية
53. شبكة الصحفيين الكورد في سوريا
54. منظمة روز للدعم والتمكين
55. ملتقى شمس
56. مؤسسة من حقي
57. تجمع إنصاف ضحايا قوانين غصب العقارات
58. Urban beyond
59. جمعية الملاكين في سوريا

الأفراد الموقّعون/ات

1. زياد خياطة
2. طارق حمدان
3. الدكتور حمزة الخطيب
4. خلود حلمي
5. شذا كيلو
6. أيمن أبو هاشم
7. جلال كامل نوفل
8. بشرى خضير
9. فاروق الحبيب
10. ريما دالي
11. مريم حلاق
12. بولس الحلاق
13. نورا غازي
14. فدوى محمود
15. منى الفريج
16. لبنى قنواتي
17. م. إبراهيم شيخ الشباب
18. رضوان الغفير
19. إياد حميد
20. محمد يزن دويدري
21. هبة بريص
22. سهيل الغازي
23. أمل النعسان
24. خديجة حسين حليمة
25. أبي كرد علي
26. آلاء يونس
27. ملك شنواني
28. ثريا حجازي
29. ليندا عثمان
30. جنى سلطاني
31. هادي مدور
32. لنا أنطاكي
33. باري عبد اللطيف
34. سعاد خبية
35. يوسف بكداش
36. خالد الحاجي
37. محمد كنجو
38. سوزان سليمان
39. عبد الغفار البواب
40. محمد نبهان
41. زهرة الفريج
42. سهير عمر
43. إيمان عبد العليان
44. ساشا أيوب
45. رامز يوسفان
46. رانيا مصطفى
47. ختام غبش
48. عفاف الكوجك
49. الدكتور محمد كريمه
50. شفاء العبد
51. رشا الطبشي
52. أحمد حسن عبيد
53. أحمد حداد
54. ريباز تحسين العلي
55. فراس حاج يحيى
56. عبد الخالد
57. محمد عبد اللطيف الغفير
58. طارق قادري
59. رشيد عياش
60. محمد أيمن معتوق
61. يوسف الخطيب
62. عامر عبد الحفيظ مناوي
63. مصطفى الحمامي
64. هيفاء الغفير
65. عبد الرزاق المصري
66. مهند الغفير
67. بشار حسن حجيج
68. علا حسان المصري
69. محمد السليم
70. أيمن معتوق
71. محمد بلال معتوق
72. مروان العش
73. إنعام الغفير
74. صفاء الإمام ربة
75. فاطمة الإمام
76. علا حسان المصري
77. محمد مازن
78. الدكتور أنس كيال
79. محمد الحبال
80. علاء الجلدة
81. نزار علاء الدين
82. منصور دردار
83. مهدي عبد العزيز الفا
84. محمد زين
85. صبحي أحمد بعلبكي
86. ساره إسماعيل أبو الهوا
87. عمر عرابي
88. نور خمم
89. بلال المعلم
90. محمد ياسر عجاجة
91. منى خانم
92. نبيل محفوض
93. جهاد مختار خمم
94. محمد إياد عجاجة
95. محمد فواز كامل
96. جلال الدين حسحس
97. وليد شبيب
98. محمد القبرصلي
99. مأمون الغفير
100. لجين يوسفان
101. محمد أبو اللبن
102. مها غرير
103. أمل الغفير
104. فوزية الخطيب
105. نجوى خطيب
106. محمد أبو كرش
107. رهام المرستاني
108. ماجد خلف شيف
109. إنعام ماجد يوسفان
110. أريج ماجد
111. أمل نقشبندي
112. بلال العواد
113. حسان تقي
114. واصل حميدة
115. نهلا محي الدين الحمصي
116. سمر بعلبكي
117. سامر نور الدين
118. محمد زياد خانم
119. فايز أبرش
120. المحامي محمد أيمن دحبور
121. السيد نعيم المعلم
122. أيمن رشيد قويدر المعلم
123. محمد أيمن قويدر
124. سمر ياسين عباس
125. نسرين الشعبي
126. راوية الشمر
127. فاطمة نبكي
128. ريم أبو اللبن
129. محمد فراس
130. رضا نبعة
131. ياسر الحمصي
132. نيرمين العباس
133.هنادي علوش
134.هدى سحتوت
135.باسم زهير شوربه
136.عمرو دقماق
137.طارق حبروش
138.محمد القبرصلي
139.أحمد أبازيد
140. فارس جويجاتي
141.نور الهدى علي عتمة
142.م.محمد شحادة
143.عبد الحميد حمام
144.Haya Qdeimati
145.سلوى فتوح
146.محمد أديب حجيج
147.عمار الحبال
148.وسيم محمد يوسف
149.نغم عرنوق
150. المحامية رولا باش إمام
151. دانة البوطي
152. مريانا الحنش
153. يارا عباس
154. أميرة مالك
155. محمد علي ياسين الغانم
156. سامي هدايا
157. حسين حليمة

معالجة فجوة مساءلة الشركات: دروس للعدالة الانتقالية في سوريا

16 يونيو, 2026    |      |    هذا المنشور متوفر أيضاً باللغة : الإنجليزية

ع دخول سوريا مرحلة سياسية جديدة، انتقلت أسئلة العدالة الانتقالية من نطاق النقاش النظري إلى حيز التطبيق العملي الملح. فمن سيُحاسب على الانتهاكات التي شهدتها البلاد خلال العقد الماضي؟ وما هي الآليات القادرة على توفير جبر ضرر حقيقي وفعّال؟ والأهم، هل ستقتصر المساءلة على الأفراد المتورطين مباشرة في الانتهاكات، أم ستمتد أيضاً إلى الجهات الاقتصادية التي ساهمت في تمكينها وتمويلها والاستفادة منها خلال السنوات الخمس عشرة الماضية؟

هذه الأسئلة ليست جديدة. فقد واجهت المجتمعات الخارجة من النزاعات، من نورمبرغ إلى بوغوتا، تحديات مماثلة تتعلق بدور الشركات في إدامة العنف، وكانت النتائج في كثير من الأحيان مخيبة للآمال. ففي وقت سابق من هذا العام، أدانت المحكمة الجنائية في باريس شركة الإسمنت العملاقة “لافارج” بتمويل الإرهاب وانتهاك العقوبات الدولية خلال عملياتها في سوريا، في حكم تاريخي يعكس تنامياً في الاعتراف بمسؤولية الشركات عن التواطؤ في الانتهاكات الجسيمة. ومع ذلك، تبقى قضية لافارج استثناءً أكثر من كونها قاعدة. إذ تكشف مراجعة مقارنة لخمسة سياقات للعدالة الانتقالية — ألمانيا، وجنوب أفريقيا، والبوسنة والهرسك، وكولومبيا، وسيراليون — عن نمط متكرر يتمثل في أن أطر العدالة الانتقالية، رغم اعترافها المتزايد بدور الجهات الاقتصادية في النزاعات، فشلت إلى حد كبير في ترجمة هذا الاعتراف إلى مساءلة قابلة للتنفيذ. وبالنسبة لسوريا، فإن استيعاب دروس هذه التجارب ليس خياراً، بل ضرورة أساسية عند تصميم أي إطار للعدالة الانتقالية.

فجوة تتكرر باستمرار

تعكس “فجوة مساءلة الشركات” هيمنة النماذج القانونية التقليدية التي تركز على الدولة أو على المسؤولية الجنائية الفردية. وغالباً ما يُشار إلى محاكمات نورمبرغ العسكرية باعتبارها سابقة تأسيسية في هذا المجال، إلا أن السجل التاريخي أكثر تعقيداً مما يوحي به هذا التصور. فبينما لم تُحاكم الشركات كأشخاص اعتباريين بصورة رسمية، جرت محاكمة عدد من كبار الصناعيين بسبب تمويل قوات الأمن الخاصة النازية (SS)، والاستفادة من العمل القسري، ودعم الاقتصاد الحربي النازي. كما أن تفكيك شركة IG Farben شكّل دليلاً على إمكانية إخضاع الكيانات الاقتصادية لإجراءات عقابية حتى في غياب إدانة جنائية مباشرة.

ولا تكمن أهمية تجربة نورمبرغ في إثبات استحالة مساءلة الشركات قانونياً، بل في إظهار أن هذه المساءلة تحتاج إلى أدوات قانونية مصممة خصيصاً لضمان فعاليتها. ففي غياب هذه الأدوات، ستقوض الضغوط السياسية والاقتصادية أي مكاسب يتم تحقيقها. وقد خُففت بالفعل العديد من الأحكام الصادرة بحق الصناعيين أو أُلغيت لاحقاً عندما أعطت القوى الغربية الأولوية لإعادة الإعمار والاستقرار الجيوسياسي. وبالنسبة لسوريا، فإن أوجه الشبه واضحة؛ إذ إن مقاومة الضغوط الرامية إلى تطبيع العلاقات الاقتصادية على حساب المساءلة تتطلب إدراج ضمانات قانونية صريحة منذ البداية.

المشاركة الطوعية ليست كافية

اعترفت لجنة الحقيقة والمصالحة في جنوب أفريقيا، من خلال جلسات الاستماع الخاصة بالأعمال التجارية والعمل عام 1997، بالدور الذي لعبته الشركات في دعم نظام الفصل العنصري. إلا أن مشاركة الشركات جاءت على أساس طوعي، كما أن اللجنة لم تمتلك صلاحيات تنفيذية، الأمر الذي جعل نتائجها غير ملزمة ولم يترتب عليها أي شكل من أشكال المساءلة أو التعويضات.

كما أظهرت قضية “خولوماني” القضائية الإمكانات والقيود الكبيرة للاعتماد على المحاكم الأجنبية لسد فجوات المساءلة المحلية. فعندما تدخلت حكومتا جنوب أفريقيا والولايات المتحدة لإعاقة القضية، أدى ذلك إلى تعطيل جهود المساءلة وحرمان الضحايا من سبل الانتصاف الفعالة.

وتؤكد التجربة الكولومبية الأحدث الدرس ذاته. فرغم امتلاك كولومبيا نظاماً متقدماً للعدالة الانتقالية يقوم على ثلاثة أركان، ما تزال الجهات الاقتصادية خاضعة لمشاركة طوعية فقط. وقد وثق التقرير النهائي للجنة الحقيقة كيف ساهمت جهات اقتصادية في تسهيل العنف من خلال الاستيلاء على الأراضي وإبرام عقود لتأمين الحماية العسكرية للبنية التحتية التابعة للشركات. ومع ذلك، لم تتحول هذه التوثيقات إلى مساءلة فعلية بسبب غياب الاختصاص الإلزامي.

أما الحكم الصادر عام 2024 ضد شركة “تشيكيتا براندز”، والذي مثّل أول مرة تُحمّل فيها هيئة محلفين أمريكية شركة مسؤولية عن انتهاكات حقوق الإنسان في الخارج، فقد استغرق سبعة عشر عاماً من التقاضي. ويُظهر ذلك بوضوح أن الإجراءات القضائية الأجنبية لا يمكن أن تكون بديلاً عن آليات وطنية قوية وفعالة.

تجاهل الفاعلين المحليين

وتقدم تجربة البوسنة والهرسك مثالاً تحذيرياً آخر، ذا أهمية خاصة بالنسبة للمشهد الاقتصادي السوري المتشظي. فقد أولت المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بيوغوسلافيا السابقة اهتماماً كبيراً بالمساءلة الجنائية الفردية، لكنها تجاهلت بالكامل الاقتصاد السياسي للنزاع. كما أعطى اتفاق دايتون الأولوية لإعادة بناء الاقتصاد والأسواق على حساب المساءلة، ما سمح للنخب التي راكمت نفوذها أثناء الحرب بترسيخ قوتها الاقتصادية خلال مرحلة ما بعد النزاع.

والأهم من ذلك أن أوجه القصور في هذا الإطار لم تقتصر على الشركات الكبرى، بل شملت أيضاً الجهات الاقتصادية المحلية المتجذرة في المجتمع، والتي ساهمت مادياً في تمكين العنف خلال الحرب دون أن تخضع لأي تدقيق أو مساءلة. وبالنسبة لسوريا، حيث لعبت شبكات الأعمال المحلية دوراً مهماً في دعم انتهاكات النظام واستدامتها، فإن أي إطار يركز حصراً على الفاعلين الكبار أو الشخصيات البارزة يخاطر بالإبقاء على البنى الاقتصادية التي مكّنت النزاع واستفادت منه.

ما الذي تحتاجه سوريا؟

تشير التجارب المقارنة إلى مجموعة من المتطلبات الأساسية التي ينبغي أخذها في الاعتبار عند تصميم إطار العدالة الانتقالية في سوريا.

ويتمثل أول هذه المتطلبات في إخضاع الجهات الاقتصادية لاختصاص إلزامي وواضح. ففي جميع الحالات التي تمت دراستها، أسفرت المشاركة الطوعية عن النتيجة ذاتها: توثيق الانتهاكات دون أن يقابله أي شكل حقيقي من أشكال المساءلة. لذلك، ينبغي أن يتضمن أي إطار سوري ولاية إلزامية على الكيانات الاقتصادية والأفراد الذين يتصرفون بصفتهم التجارية، مع توفير ضمانات تحمي هذه الآليات من التدخلات السياسية.

كما يجب أن يعالج الإطار مختلف أشكال التواطؤ الاقتصادي. فتجربة سيراليون في تمويل النزاعات عبر تجارة الألماس توضح أن اقتصادات الحرب تعمل من خلال شبكات متداخلة ومعقدة، بينما تكشف تجربة البوسنة عن مخاطر تجاهل الفاعلين المحليين بالكامل.

كما ينبغي تمكين المجتمع المدني بصورة مؤسسية تتجاوز المشاركة الرمزية أو الشكلية. فقد أظهرت منظمات كولومبية مثل “ديجوستيسيا Dejusticia” و”مختبر مساءلة الشركات Corporate Accountability Lab” كيف يمكن للضغط الحقوقي المستمر أن يحقق نتائج ملموسة. وفي السياق السوري، ينبغي منح منظمات المجتمع المدني، بما في ذلك منظمات الشتات التي تمتلك خبرات قانونية كبيرة، دوراً رسمياً داخل آليات العدالة الانتقالية، مع توفير صلاحيات تضمن أن تكون مشاركتها مؤثرة وفاعلة.

لا تزال ملامح العدالة الانتقالية في سوريا قيد التشكّل. والقرارات التي تُتخذ اليوم بشأن تصميم المؤسسات والتعامل مع الجهات الاقتصادية ستحدد ما إذا كانت المساءلة ستتحقق فعلاً أم ستُؤجَّل مرة أخرى لصالح أولويات إعادة الإعمار والاعتبارات السياسية الآنية. إن معالجة فجوة مساءلة الشركات ليست مسألة ثانوية أو هامشية، بل عنصر أساسي في تحديد ما إذا كانت العدالة الانتقالية في سوريا ستفضي إلى مساءلة حقيقية أم ستتحول إلى مجرد عملية لإدارة الماضي دون محاسبة فعلية.

إعداد: عليا خلوف
متدربة قانونية في وحدة حقوق الإنسان والأعمال (HRBU)
خريجة بكالوريوس القانون (LLB) – كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية (LSE)

بين الفرص والمسؤوليات: كيف يمكن للشركات أن تستثمر في سوريا بشكل مسؤول؟

1 يونيو, 2026    |      |    هذا المنشور متوفر أيضاً باللغة : الإنجليزية

مع الانفتاح الاقتصادي التدريجي في سوريا، بدأت شركات إقليمية عديدة تنظر باهتمام متزايد إلى الفرص المتاحة في قطاعات البناء، والبنية التحتية، والاتصالات، والنقل، والخدمات اللوجستية، والطاقة، والعقارات. وبالنسبة لكثير من هذه الشركات، تبدو سوريا سوقاً واعدة في مرحلة ما بعد النزاع، خصوصاً في ظل الحاجة الكبيرة إلى إعادة الإعمار والتنمية على المدى الطويل. لكن سوريا ليست بيئة استثمارية تقليدية. فسنوات الحرب، والنزوح، وتراجع مؤسسات الدولة، والتفكك الاقتصادي، جعلت أي نشاط اقتصادي يرتبط بشكل مباشر بقضايا أوسع تتعلق بحقوق الإنسان، والحوكمة، والاستقرار الاجتماعي. وهذا يضع أمام الشركات الإقليمية فرصاً مهمة، لكنه يفرض عليها أيضاً مسؤوليات ومخاطر حقيقية.

وتُظهر تجارب دول خرجت من نزاعات، مثل العراق ولبنان والبوسنة والهرسك، أن إعادة الإعمار قد تتحول أحياناً إلى عامل يزيد من عدم الاستقرار عندما تتحرك الاستثمارات بسرعة أكبر من الإصلاحات القانونية والمؤسساتية المطلوبة. ففي كثير من الحالات، ساهمت مشاريع إعادة الإعمار غير المنظمة في انتشار الفساد، واستغلال العمال، والإضرار بالبيئة، وتهميش المجتمعات المتضررة. ومن المهم أن تتجنب الشركات العاملة في سوريا تكرار هذه التجارب.

ومن هنا، تصبح العناية الواجبة في مجال حقوق الإنسان خطوة أساسية لأي شركة تفكر بدخول السوق السورية. فالشركات بحاجة إلى التدقيق في الجهات التي تتعامل معها، وفهم تأثير مشاريعها على المجتمعات المحلية، والتأكد من أن أعمالها لا تسهم في التهجير أو الاستغلال أو الإقصاء. فقد غيّرت سنوات الحرب الكثير من هياكل الملكية، وسلاسل التوريد، وموازين القوى الاقتصادية المحلية. ومن دون تقييم حقيقي للمخاطر، قد تجد الشركات نفسها لاحقاً أمام تبعات قانونية أو مالية أو تشغيلية أو حتى أضرار كبيرة على مستوى السمعة.

وتبقى قضايا السكن والأرض والملكية من أكثر الملفات حساسية في سوريا اليوم. فما يزال ملايين السوريين نازحين داخل البلاد وخارجها، بينما يواجه كثيرون نزاعات ملكية معقّدة، أو فقداناً للوثائق، أو سجلات عقارية متضررة. لذلك، ينبغي على الشركات العاملة في مشاريع الإسكان أو إعادة التطوير العمراني أو البنية التحتية أن تضمن عدم مساهمة مشاريعها في تهجير إضافي أو في حرمان الناس من العودة إلى منازلهم ومناطقهم. كما أن الشفافية والتشاور مع المجتمعات المحلية لا يمثلان فقط التزاماً حقوقياً، بل يشكلان أيضاً حماية للشركات نفسها من النزاعات والمخاطر المستقبلية.

كما يجب النظر إلى حقوق العمال باعتبارها جزءاً أساسياً من أي عملية إعادة إعمار حقيقية. فقد أدّى الانهيار الاقتصادي في سوريا إلى زيادة هشاشة العمال وتراجع ظروفهم المعيشية. وربما تستطيع بعض الشركات تحقيق أرباح سريعة عبر الاعتماد على أجور متدنية أو ظروف عمل غير آمنة أو عمالة غير منظمة، لكن ذلك يحمل في المقابل مخاطر كبيرة على المدى البعيد، سواء على مستوى السمعة أو الاستقرار والاستدامة. أما الشركات التي تستثمر في الأجور العادلة، وتحسين ظروف العمل، وخلق فرص حقيقية للعمالة المحلية، فستكون أكثر قدرة على بناء الثقة وتحقيق استقرار طويل الأمد.

ولا تقل المسؤولية البيئية أهمية عن ذلك. فالحرب خلّفت وراءها تحديات بيئية وصحية خطيرة، من التلوث إلى تضرر البنية التحتية، وصولاً إلى الإدارة غير الآمنة للأنقاض والنفايات. ولهذا، فإن الشركات التي تراعي المعايير البيئية وتدمج إجراءات الحماية ضمن مشاريعها ستكون أقل عرضة للتوترات المجتمعية والمخاطر التنظيمية مستقبلاً.

ومن المهم التأكيد على أن الالتزام بالممارسات التجارية المسؤولة لا ينبغي اعتباره عائقاً أمام الاستثمار أو سبباً لتأخير المشاريع. ففي بيئات ما بعد النزاع، أصبحت هذه الممارسات جزءاً أساسياً من نجاح الأعمال واستدامتها. فالشركات التي ترتبط بالشفافية، والشراكات المسؤولة، وحماية العمال، والتواصل مع المجتمعات المحلية، ستكون أكثر قدرة على جذب الشركاء الدوليين، والحفاظ على مصداقيتها، والتكيف مع أي تغيّرات قانونية أو تنظيمية في المستقبل.

إن إعادة إعمار سوريا لن تحدد فقط شكل الاقتصاد، بل ستساهم أيضاً في رسم مستقبل المجتمع السوري لعقود قادمة. ولذلك، فإن الشركات التي تدخل السوق السورية اليوم ليست مجرد جهات تجارية، بل أطراف فاعلة في مرحلة حساسة من تعافي البلاد. فالشركات التي تتجاهل مخاطر حقوق الإنسان قد تسهم، بشكل مباشر أو غير مباشر، في إعادة إنتاج أسباب عدم الاستقرار، كما قد تعرّض نفسها لعواقب قانونية وسياسية كبيرة. أما الشركات التي تتبنى نهجاً أكثر مسؤولية واحتراماً للمجتمعات المحلية، فستكون الأقدر على تحقيق الاستدامة والنجاح على المدى الطويل في الاقتصاد السوري المتغيّر.

بقلم: إياد حميد
مدير وحدة حقوق الإنسان والأعمال التجارية – البرنامج السوري للتطوير القانوني (SLDP)

الخصخصة وحقوق الإنسان: المخاطر في النقاش الدائر حول الرعاية الصحية في سوريا

15 مايو, 2026    |      |    هذا المنشور متوفر أيضاً باللغة : الإنجليزية

في مطلع أبريل/ نيسان 2026، أثارت تصريحات طلال الهلالي، رئيس هيئة الاستثمار السورية، موجةً من القلق الشعبي. إذ أشار الهلالي إلى أن الدولة تمتلك 71 مستشفىً حكومياً، وأنها تتجه نحو منحها للقطاع الخاص في شراكة مع الدولة، في إطار ما وصفه بمساعي تطوير القطاع الصحي وتحسين كفاءته. جاء رد الفعل سريعاً، وأعقبه توضيح فوري. إذ أكدت هيئة الاستثمار السورية أن “الصحة ليست للبيع”، مشددةً على أن التصريحات لم تكن تعني خصخصة المستشفيات، بل دراسة نماذج إدارية حديثة بالشراكة مع القطاع الخاص، مع بقاء الدولة “الضامن الأساسي للعلاج”. وأكد وزير الصحة بدوره أن الخدمات الطبية ستبقى مجانية، وأنه لا توجد خطط لخصخصة المستشفيات الحكومية.

هدأت حدة الجدل، غير أن السؤال الذي أثاره لم يهدأ. فحتى حين تكون الخصخصة الكاملة خارج النقاش، فإن الشراكات بين القطاعين العام والخاص في مجال الرعاية الصحية لا تخلو من مخاطر. وفي بلدٍ لا يزال يُعيد بناء مؤسساته وعقده الاجتماعي، فإن هذه المخاطر تستدعي تدقيقاً جدياً.

ماذا يرى السوريون؟
الرأي العام لا لبس فيه. كشف استطلاع أُجري في أبريل/ نيسان 2026 شمل دمشق وريف دمشق وحمص أن 88% من المستطلَعين يعارضون نقل المستشفيات الحكومية إلى القطاع الخاص. وهذا ليس مجرد موقف من سياسة بعينها، بل هو انعكاس لشعب عانى سنواتٍ من انهيار البنية التحتية والتهجير وتراجع الخدمات العامة، وهو يراقب عن كثب ما إذا كانت السلطات الانتقالية ستُعيد بناء الدولة أم ستُجوّفها من الداخل.

تراجع الرضا عن الخدمات العامة تراجعاً حاداً منذ فبراير/ شباط 2026، إذ انخفض من 49% إلى 25%، فيما تضاعف عدم الرضا أكثر من مرة. ويُفيد ما مجموعه 62% من المستطلَعين بصعوبة تغطية نفقات المعيشة، ولا يرى سوى 13% أن الحكومة تبذل ما يكفي لمعالجة ارتفاع الأسعار. في هذا السياق، فإنّ أي إجراء قد يرفع تكاليف الرعاية الصحية بصورة غير مباشرة، أو يُدهور جودتها، أو يُقيّد الوصول إليها، لا يمثّل مجرد قلقٍ مجرّد، بل هو مسألة بقاء.

الحق في الصحة في ضوء القانون الدولي
الرعاية الصحية حق إنساني. تُقرّ المادة 12 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بحق كل فرد في التمتع بأعلى مستوى ممكن من الصحة الجسدية والنفسية. وقد فسّرت اللجنة المعنية بهذا العهد في تعليقها العام رقم 14 هذا الحق بما يستوجب أن تكون الخدمات الصحية متاحةً، وميسورة الوصول، ومقبولة، وذات جودة كافية. والأهم أن إمكانية الوصول تشمل القدرة على التحمّل المالي: فيجب أن تكون الخدمات في متناول الجميع، بما فيهم الفئات الأشد هشاشة.

بموجب القانون الدولي، تتحمل الدولة المسؤولية الأولية عن احترام هذا الحق وحمايته وإعماله. ولا يجوز لها الإفلات من هذا الالتزام أو تفويضه إلى جهات خاصة.

مخاطر إشراك القطاع الخاص
حتى دون بلوغ الخصخصة الكاملة، تنطوي الشراكات بين القطاعين العام والخاص في مجال الرعاية الصحية على مخاطر موثّقة.

الربح على حساب الناس: حين تعمل المؤسسات الصحية وفق حوافز تجارية، تُقاس الكفاءة بمعايير مالية لا بمخرجات صحية. وتُصبح الخدمات المكلفة لكنها الأشد ضرورة للفئات الهشة، كإدارة الأمراض المزمنة أو الصحة الإنجابية، عبئاً لا أولوية.

عوائق الوصول: يُفضي إدخال آليات تحصيل التكاليف، حتى الرمزية منها، إلى خلق حواجز أمام الوصول. وقد حذّر المحللون من أنه في غياب سقوف واضحة للتكاليف التي قد تتحملها الأسر، قد يغدو “تحسين الخدمات” ذريعةً لفرض أعباء مالية إضافية، مما يُعمّق التفاوت في الحصول على الرعاية.

الرقمنة والإقصاء: أعلنت السلطات الانتقالية السورية عن خطط لتوسيع التحوّل الرقمي في القطاع الصحي، من خلال ربط بيانات المستشفيات لتحسين التخطيط. وهذا ليس إشكالياً في حد ذاته، إلا أنه ينطوي على مخاطر. والمجتمعات ذات المحدودية في القدرة الرقمية أو الاتصال بالشبكة أو التوثيق الرسمي معرّضة للإقصاء أو الاستغلال بدلاً من الاستفادة.

تراجع الجودة: قد تُفضي الخصخصة أو الإدارة ذات الطابع التجاري إلى انحدار في جودة الخدمة، حين يلجأ مقدّموها إلى خفض التكاليف بهدف تعظيم العائدات. وهذا يُقوّض مباشرةً التحقق الكامل للحق في الصحة، انتهاكاً لالتزامات الدولة بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان.

الخطر الأشمل: التنصّل من الالتزام
ثمة خطر هيكلي أوسع يستحق الاهتمام، ولا سيما مع بدء سوريا انخراطها في أطر الاستثمار الدولي وتمويل إعادة الإعمار. يصف الباحثون صعود نموذج “التنمية كاستدراج للاستثمار”، الذي تُعاد فيه توجيه الدولة تدريجياً نحو حماية شروط الاستثمار الأجنبي، مستخدمةً مواردها العامة لدعم عوائد المستثمرين، بينما تتراجع عن تقديم الخدمات العامة مباشرةً. وتغدو الصحة والتعليم والمياه والإسكان جميعها “فئات أصول” محتملة.

يتجلى هذا النموذج في منطقة أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، حيث أسفرت خصخصة المنظومات الصحية عبر رسوم الاستخدام وأنظمة التأمين ومنصات الاستثمار الخاصة عن تعميق التفاوت وإضعاف البنية التحتية للصحة العامة. وقد أضحت أدوات الصحة الرقمية في بعض الحالات آليات مراقبة تُمكّن شركات التأمين من تعديل الأقساط استناداً إلى بيانات المرضى. وهذه المعطيات كانت نتيجة هيكلية لنموذج يُقدّم العوائد المالية على الالتزام العام.

السلطات السورية قدّمت تطمينات، غير أن التطمينات ليست أطراً قانونية. وشدّد الخبراء على أن نجاح أي إشراك للقطاع الخاص في المؤسسات العامة يتوقف على وجود إطار قانوني واضح يُنظّم العلاقة بين الدولة والمستثمرين، وشفافية في العقود، ورقابة فعّالة للحيلولة دون الاحتكار وصون حقوق المواطنين. وفي غيابها، قد تتحول الخصخصة من أداة لتحسين الكفاءة إلى عامل يُثقل كاهل المواطنين ويُعمّق التفاوت.

في هذه اللحظة المفصلية من المرحلة الانتقالية السورية، فإن أي إحالة لالتزامات الدولة في مجال حقوق الإنسان إلى جهات خاصة، سواء عبر خصخصة رسمية أو تآكل تدريجي للخدمات العامة، لن تزيد إلا في تقويض الثقة بالمؤسسات الحكومية. وستُمثّل تخلياً عن الواجب الذي وُجدت المرحلة الانتقالية لأجل الوفاء به.

ما نطالب به
يجب على السلطات الانتقالية ضمان أن يكون أي تعاون مع القطاع الخاص في مجال الرعاية الصحية:

* مستنداً إلى إطار قانوني مُلزِم يحمي الحق في الصحة صراحةً؛
* خاضعاً لرقابة مستقلة، مع عقود شفافة وآليات محاسبة حقيقية؛
* مُصمَّماً لضمان عدم حرمان أي مريض أو مريضة من الرعاية لأسباب مالية، ولا من تلقّي خدمات غير كافية أو يتعذّر الوصول إليها أو لا تستجيب لاحتياجاته ولاحتياجاتها، وفق التزامات سوريا بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية؛
* خاضعاً لتقييم أثره التفاضلي على الأكثر هشاشة، بما يشمل النساء والنازحين والأشخاص ذوي الإعاقة وسكان المناطق ذات الدخل المنخفض.
بقلم: الريم كمال، مسؤولة قانونية، وحدة حقوق الإنسان والأعمال التجارية

Advisory Services Enquiry


Please enable JavaScript in your browser to complete this form.
Preferred Mode of Consultation:

This will close in 0 seconds

استفسار عن خدمات الاستشارات


Please enable JavaScript in your browser to complete this form.
طريقة التواصل المفضلة

This will close in 0 seconds