21 يناير, 2025        |   هذا المنشور متوفر أيضاً باللغة : الإنجليزية

محمد صابر حمشو رجل أعمال سوري برز بوصفه أحد أبرز الفاعلين الاقتصاديين المرتبطين بنظام الأسد خلال أربعة عشر عاماً من الثورة السورية. وُلد في دمشق عام 1966، وبنى إمبراطورية تجارية متعددة القطاعات شملت البناء والبتروكيماويات والاتصالات والإنتاج الإعلامي والهندسة. وقد ارتبط صعوده الاقتصادي ارتباطاً وثيقاً بشبكات النفوذ والمحسوبية السياسية، ولا سيما من خلال علاقته بماهر الأسد، شقيق الرئيس السابق بشار الأسد.

وبسبب هذه الارتباطات، فرضت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي عقوبات على حمشو وشركاته في وقت مبكر من عمر الثورة، وجرى تصنيفه كأحد الممكّنين الاقتصاديين الرئيسيين للنظام. واتُّهم بالعمل كواجهة تجارية لمصالحه، وبالاستفادة من العنف والنهب، ومن فرص ما سُمّي بإعادة الإعمار المرتبطة بالحملات العسكرية ضد المناطق المدنية.

في أواخر عام 2025 ومطلع عام 2026، عاد اسم حمشو إلى واجهة النقاش العام في سوريا، عقب إعلان لجنة مكافحة الكسب غير المشروع في الحكومة السورية الجديدة عن التوصل إلى تسوية شاملة معه. وبموجب هذه التسوية، قدّم حمشو إفصاحات واسعة عن أصوله وتنازل عن ممتلكات كبيرة مقابل تسوية وضع ثروته من الناحيتين القانونية والمالية. وهي خطوة أكدت لجنة مكافحة الكسب غير المشروع على أنها تنحصر فقط في استرداد المال العام المتحصل من الكسب غير المشروع خلال المرحلة السابقة، ولا تمتد إلى المحاسبة الجرمية أو الجزائية، بما في ذلك الجرائم المرتبطة بالحرب أو ما يُعرف بالتكسب من الحروب.

غير أن هذا الاتفاق أثار فوراً موجة واسعة من الانتقادات داخل سوريا وخارجها. فقد تساءل الكثيرون عن قدرة شخص يُنظر إليه على نطاق واسع بوصفه متواطئاً في انتهاكات جسيمة من الحصول على تسوية إدارية من دون أي رقابة قضائية، محذرين من أن مثل هذه الترتيبات تُفرغ مبدأ المساءلة من مضمونه وتُكرّس الإفلات الانتقائي من العقاب.

فلا يوجد في التشريعات السورية النافذة إطار قانوني سليم يجيز للدولة «تسوية أوضاع» أشخاص يُشتبه بارتكابهم جرائم مالية جسيمة، ناهيك عن أولئك الذين يُحتمل تورطهم في دعم وتسهيل انتهاكات خطيرة، من دون إخضاعهم للمساءلة القضائية. والمقصود بغياب الإطار القانوني هنا ليس انعدام نص مانع صريح، بل غياب نص تشريعي يحدد على نحو واضح الجهة المختصة بإجراء مثل هذه التسويات، ونطاقها، وآلياتها، وضماناتها، وحدودها، بما في ذلك ما يتصل بحقوق الضحايا والرقابة القضائية. ولا يجوز للسلطة التنفيذية مباشرة إجراءات من هذا النوع إلا استنادًا إلى أساس قانوني صريح، وهو ما لا يمكن أن يتحقق بمجرد تفويض إداري أو قرار رئاسي لا يسمو على القانون ولا يستبدل اختصاص القضاء.

ووفق المبادئ العامة للقانون الوطني، وبما يتوافق مع الالتزامات القانونية الدولية، تقع على عاتق الدولة مسؤولية التحقيق في الجرائم المزعومة وتحديد المسؤولية الجنائية الفردية من خلال إجراءات قضائية عادلة ومستقلة.

ويقتضي المسار القانوني السليم إجراء التحقيق، ثم إحالة القضية إلى القضاء، وصولاً إلى صدور حكم بالبراءة أو الإدانة. ولا يترتب على هذه العملية أي آثار قانونية نهائية إلا بصدور قرار قضائي مكتسب للدرجة القطعية. وفي هذا الإطار، لا يكون لأي مقاربات بديلة، كالتسويات أو أشكال المعالجة غير القضائية، محلّ للنقاش إلا في نطاق ضيق للغاية، وبعد استكمال الإجراءات القضائية، وبما يضمن عدم المساس بحقوق المتضررين والضحايا في المساءلة والإنصاف وجبر الضرر.

ما جرى في حالة حمشو التفّ على هذا التسلسل القانوني. فقد أُبرمت تسوية مالية وإدارية خارج إطار القضاء، من خلال لجنة لا يمنحها مرسوم إنشائها أي صلاحية قضائية أو سلطة لتحديد المسؤولية الجنائية. وحتى لو قُدّمت هذه التسويات شكلياً على أنها لا تمنح حصانة ولا تُغلق ملفات جنائية، فإن إبرامها قبل الشروع في الإجراءات القضائية يؤدي عملياً إلى استباق مسار المساءلة الطبيعي. كما لا يمكن تبرير هذه الخطوة قانوناً بالاستناد إلى قانون للعدالة الانتقالية لم يُقرّ بعد، إذ إن استخدام تشريع لاحق لتبرير ترتيبات سابقة يُعد خروجاً عن المبادئ القانونية المستقرة التي تحكم مسارات المساءلة.
ومن الصعب تفادي الخلاصة التالية: لا يمكن وصف هذا الاتفاق بأنه منسجم مع الأطر القانونية الوطنية. بل إنه يثير مخاوف جدية بشأن تكريس تسويات استثنائية تُقوّض سيادة القانون وتُرسّخ الإفلات الانتقائي من العقاب.

وعلى المستوى الدولي، يفرض القانون الدولي على الدول التزاماً واضحاً بالتحقيق في الجرائم الدولية، مثل جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وملاحقة مرتكبيها. ولا يقتصر هذا الالتزام على العسكريين أو الجماعات المسلحة، بل يشمل جميع الفاعلين، بمن فيهم الفاعلون الاقتصاديون.

وتنص القاعدة 158 من دراسة القانون الدولي الإنساني العرفي الصادرة عن اللجنة الدولية للصليب الأحمر، والملزمة لجميع الدول، على وجوب التحقيق في جرائم الحرب التي يُشتبه بارتكابها من قبل رعايا الدولة وملاحقة مرتكبيها، ما يضع حمشو بوضوح ضمن نطاق هذا الالتزام.

وقد شهدت السنوات الأخيرة تزايداً ملحوظاً في قضايا مساءلة الشركات عن التواطؤ المزعوم في الجرائم الدولية. ففي فرنسا، تُحاكم حالياً عملاقة صناعة الإسمنت «لافارج» وعدد من مدرائها التنفيذيين بتهم تمويل الإرهاب وانتهاك العقوبات الدولية، فيما لا يزال التحقيق في تواطؤ الشركة بجرائم ضد الإنسانية مستمراً. وفي السويد، يُحاكم مديرون تنفيذيون سابقون في شركة «لوندين أويل» بتهمة التواطؤ في جرائم حرب ارتُكبت في جنوب السودان. وتعكس هذه القضايا توجهاً متنامياً نحو إخضاع الفاعلين الاقتصاديين للمساءلة عن دورهم في الجرائم التي تصدم الضمير الإنساني.

ومع ذلك، فإن التركيز على دور الفاعلين الاقتصاديين في القانون الجنائي الدولي ليس ظاهرة حديثة. ففي محاكمات نورمبرغ، حوكم عدد كبير من المدراء التنفيذيين في صناعات مثل الفولاذ والكيماويات وتصنيع الأسلحة بتهم التواطؤ في الفظائع النازية.

وعليه، فإن أي قرار تتخذه الحكومة السورية الانتقالية بإعفاء حمشو من مسؤوليته عن المساعدة أو التحريض على فظائع ارتُكبت على نطاق واسع من قبل نظام الأسد من شأنه أن يشكّل إخلالاً جسيماً بواجباتها بموجب القانون الدولي، وانتهاكاً صريحاً لحقوق الضحايا.

وإلى جانب البعد القانوني، تنطوي التسوية مع حمشو أيضاً على دلالات رمزية وإعلامية خطيرة قد تُقوّض الثقة بمسارات العدالة الانتقالية والمساءلة.

ففي الأيام التي أعقبت إعلان التسوية، خرج متظاهرون في مختلف أنحاء سوريا للتنديد بالاتفاق. وشارك سوريون، بمن فيهم أشخاص متضررون بشكل مباشر، في احتجاجات في مدن وأحياء تضررت بشدة من ممارسات حمشو، مثل جوبر وداريا والقابون. وأكد الضحايا أن موافقة الدولة على التسوية مع حمشو لا تُسقط مطالبهم الفردية بحقه، وأن هذه المطالب لا تزال قائمة ويجب احترامها.

وقد ترددت مشاعر الغضب والإحباط بسبب غياب الإنصاف وجبر الضرر في الشارع وعلى وسائل التواصل الاجتماعي. وحذّر آخرون من أن «تطبيع العلاقات» مع أحد أبرز ممولي النظام وأركانه الاقتصادية يشير إلى استمرار النهج السائد قبل كانون الأول/ديسمبر 2024، حيث كانت الثروة والصلات السياسية كفيلة بتمكين الأفراد من الإفلات من العدالة.

وفي هذا السياق، أوضحت الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية أن التسويات الإدارية لا تحل محل المساءلة القضائية ضمن مسار العدالة الانتقالية. كما شدد البيان التوضيحي على أن تمويل الجرائم الجسيمة وانتهاكات حقوق الإنسان، وهو سلوك ينطبق على حالة حمشو، يُعد جريمة لا يجوز شمولها بالعفو.

إن الإفلات من العقاب، وحتى مجرد الإحساس بوجوده، يقوّض العدالة الانتقالية التي تقوم أساساً على ثقة ومشاركة أصحاب الحقوق المتضررين. وإذا شعر الضحايا السوريون بأن القرارات المتعلقة بالعدالة تُتخذ من دون إشراكهم بشكل فعّال، فقد يفقدون الثقة بوعد العدالة الانتقالية وينسحبون من مساراتها المستقبلية، بما في ذلك لجان الحقيقة أو المحاكمات. كما أن عدم اتخاذ تدابير فعالة لتفكيك نفوذ كبار المتورطين السابقين يترك خطر تكرار الانتهاكات قائماً دون معالجة حقيقية.

ولهذه الأسباب، إذا كان لمشروع العدالة الانتقالية في سوريا أن يحتفظ بمصداقيته، فلا يمكن التعامل مع اتفاق حمشو بوصفه حلاً نهائياً. وعلى أقل تقدير، يجب على السلطات أن تُعلن بوضوح الفصل بين استرداد الأصول والمساءلة الجنائية، بما يضمن ألا تؤدي التسويات المالية إلى إنهاء أو استباق الإجراءات القضائية. وينبغي ربط أي أصول مُستردة بشكل شفاف بجبر ضرر الضحايا، لا التعامل معها كإيرادات تقديرية للدولة.

وبصورة أعمق، يجب أن تمضي التحقيقات الجدية في الدور المزعوم لحمشو في تمويل الجرائم الجسيمة وتسهيلها عبر قنوات قضائية مستقلة، سواء على المستوى الوطني أو من خلال التعاون الدولي. ويجب الاعتراف بالضحايا كأصحاب حقوق، لا كمجرد متفرجين على «صفقات نخبوية»، ومنحهم الصفة القانونية اللازمة لمتابعة مطالباتهم.

وفي نهاية المطاف، فإن الخيار الذي يواجه سوريا ليس بين التعافي الاقتصادي والعدالة. فالتعافي المستدام لا يمكن أن يتحقق إلا في ظل سيادة القانون. وقد توفّر الصفقات الاستثنائية مع أصحاب النفوذ مكاسب مالية قصيرة الأجل، لكنها تحمل كلفة بعيدة المدى تتمثل في تآكل الشرعية، وإضعاف المؤسسات، وإفراغ العدالة الانتقالية من مضمونها. وإذا كانت المصالحة أكثر من مجرد شعار، فلا بد أن تقوم على المساءلة.

«تسوية» محمد حمشو الحكومية: قراءة قانونية وحقوقية

21 يناير, 2025        |   هذا المنشور متوفر أيضاً باللغة : الإنجليزية

محمد صابر حمشو رجل أعمال سوري برز بوصفه أحد أبرز الفاعلين الاقتصاديين المرتبطين بنظام الأسد خلال أربعة عشر عاماً من الثورة السورية. وُلد في دمشق عام 1966، وبنى إمبراطورية تجارية متعددة القطاعات شملت البناء والبتروكيماويات والاتصالات والإنتاج الإعلامي والهندسة. وقد ارتبط صعوده الاقتصادي ارتباطاً وثيقاً بشبكات النفوذ والمحسوبية السياسية، ولا سيما من خلال علاقته بماهر الأسد، شقيق الرئيس السابق بشار الأسد.

وبسبب هذه الارتباطات، فرضت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي عقوبات على حمشو وشركاته في وقت مبكر من عمر الثورة، وجرى تصنيفه كأحد الممكّنين الاقتصاديين الرئيسيين للنظام. واتُّهم بالعمل كواجهة تجارية لمصالحه، وبالاستفادة من العنف والنهب، ومن فرص ما سُمّي بإعادة الإعمار المرتبطة بالحملات العسكرية ضد المناطق المدنية.

في أواخر عام 2025 ومطلع عام 2026، عاد اسم حمشو إلى واجهة النقاش العام في سوريا، عقب إعلان لجنة مكافحة الكسب غير المشروع في الحكومة السورية الجديدة عن التوصل إلى تسوية شاملة معه. وبموجب هذه التسوية، قدّم حمشو إفصاحات واسعة عن أصوله وتنازل عن ممتلكات كبيرة مقابل تسوية وضع ثروته من الناحيتين القانونية والمالية. وهي خطوة أكدت لجنة مكافحة الكسب غير المشروع على أنها تنحصر فقط في استرداد المال العام المتحصل من الكسب غير المشروع خلال المرحلة السابقة، ولا تمتد إلى المحاسبة الجرمية أو الجزائية، بما في ذلك الجرائم المرتبطة بالحرب أو ما يُعرف بالتكسب من الحروب.

غير أن هذا الاتفاق أثار فوراً موجة واسعة من الانتقادات داخل سوريا وخارجها. فقد تساءل الكثيرون عن قدرة شخص يُنظر إليه على نطاق واسع بوصفه متواطئاً في انتهاكات جسيمة من الحصول على تسوية إدارية من دون أي رقابة قضائية، محذرين من أن مثل هذه الترتيبات تُفرغ مبدأ المساءلة من مضمونه وتُكرّس الإفلات الانتقائي من العقاب.

فلا يوجد في التشريعات السورية النافذة إطار قانوني سليم يجيز للدولة «تسوية أوضاع» أشخاص يُشتبه بارتكابهم جرائم مالية جسيمة، ناهيك عن أولئك الذين يُحتمل تورطهم في دعم وتسهيل انتهاكات خطيرة، من دون إخضاعهم للمساءلة القضائية. والمقصود بغياب الإطار القانوني هنا ليس انعدام نص مانع صريح، بل غياب نص تشريعي يحدد على نحو واضح الجهة المختصة بإجراء مثل هذه التسويات، ونطاقها، وآلياتها، وضماناتها، وحدودها، بما في ذلك ما يتصل بحقوق الضحايا والرقابة القضائية. ولا يجوز للسلطة التنفيذية مباشرة إجراءات من هذا النوع إلا استنادًا إلى أساس قانوني صريح، وهو ما لا يمكن أن يتحقق بمجرد تفويض إداري أو قرار رئاسي لا يسمو على القانون ولا يستبدل اختصاص القضاء.

ووفق المبادئ العامة للقانون الوطني، وبما يتوافق مع الالتزامات القانونية الدولية، تقع على عاتق الدولة مسؤولية التحقيق في الجرائم المزعومة وتحديد المسؤولية الجنائية الفردية من خلال إجراءات قضائية عادلة ومستقلة.

ويقتضي المسار القانوني السليم إجراء التحقيق، ثم إحالة القضية إلى القضاء، وصولاً إلى صدور حكم بالبراءة أو الإدانة. ولا يترتب على هذه العملية أي آثار قانونية نهائية إلا بصدور قرار قضائي مكتسب للدرجة القطعية. وفي هذا الإطار، لا يكون لأي مقاربات بديلة، كالتسويات أو أشكال المعالجة غير القضائية، محلّ للنقاش إلا في نطاق ضيق للغاية، وبعد استكمال الإجراءات القضائية، وبما يضمن عدم المساس بحقوق المتضررين والضحايا في المساءلة والإنصاف وجبر الضرر.

ما جرى في حالة حمشو التفّ على هذا التسلسل القانوني. فقد أُبرمت تسوية مالية وإدارية خارج إطار القضاء، من خلال لجنة لا يمنحها مرسوم إنشائها أي صلاحية قضائية أو سلطة لتحديد المسؤولية الجنائية. وحتى لو قُدّمت هذه التسويات شكلياً على أنها لا تمنح حصانة ولا تُغلق ملفات جنائية، فإن إبرامها قبل الشروع في الإجراءات القضائية يؤدي عملياً إلى استباق مسار المساءلة الطبيعي. كما لا يمكن تبرير هذه الخطوة قانوناً بالاستناد إلى قانون للعدالة الانتقالية لم يُقرّ بعد، إذ إن استخدام تشريع لاحق لتبرير ترتيبات سابقة يُعد خروجاً عن المبادئ القانونية المستقرة التي تحكم مسارات المساءلة.
ومن الصعب تفادي الخلاصة التالية: لا يمكن وصف هذا الاتفاق بأنه منسجم مع الأطر القانونية الوطنية. بل إنه يثير مخاوف جدية بشأن تكريس تسويات استثنائية تُقوّض سيادة القانون وتُرسّخ الإفلات الانتقائي من العقاب.

وعلى المستوى الدولي، يفرض القانون الدولي على الدول التزاماً واضحاً بالتحقيق في الجرائم الدولية، مثل جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وملاحقة مرتكبيها. ولا يقتصر هذا الالتزام على العسكريين أو الجماعات المسلحة، بل يشمل جميع الفاعلين، بمن فيهم الفاعلون الاقتصاديون.

وتنص القاعدة 158 من دراسة القانون الدولي الإنساني العرفي الصادرة عن اللجنة الدولية للصليب الأحمر، والملزمة لجميع الدول، على وجوب التحقيق في جرائم الحرب التي يُشتبه بارتكابها من قبل رعايا الدولة وملاحقة مرتكبيها، ما يضع حمشو بوضوح ضمن نطاق هذا الالتزام.

وقد شهدت السنوات الأخيرة تزايداً ملحوظاً في قضايا مساءلة الشركات عن التواطؤ المزعوم في الجرائم الدولية. ففي فرنسا، تُحاكم حالياً عملاقة صناعة الإسمنت «لافارج» وعدد من مدرائها التنفيذيين بتهم تمويل الإرهاب وانتهاك العقوبات الدولية، فيما لا يزال التحقيق في تواطؤ الشركة بجرائم ضد الإنسانية مستمراً. وفي السويد، يُحاكم مديرون تنفيذيون سابقون في شركة «لوندين أويل» بتهمة التواطؤ في جرائم حرب ارتُكبت في جنوب السودان. وتعكس هذه القضايا توجهاً متنامياً نحو إخضاع الفاعلين الاقتصاديين للمساءلة عن دورهم في الجرائم التي تصدم الضمير الإنساني.

ومع ذلك، فإن التركيز على دور الفاعلين الاقتصاديين في القانون الجنائي الدولي ليس ظاهرة حديثة. ففي محاكمات نورمبرغ، حوكم عدد كبير من المدراء التنفيذيين في صناعات مثل الفولاذ والكيماويات وتصنيع الأسلحة بتهم التواطؤ في الفظائع النازية.

وعليه، فإن أي قرار تتخذه الحكومة السورية الانتقالية بإعفاء حمشو من مسؤوليته عن المساعدة أو التحريض على فظائع ارتُكبت على نطاق واسع من قبل نظام الأسد من شأنه أن يشكّل إخلالاً جسيماً بواجباتها بموجب القانون الدولي، وانتهاكاً صريحاً لحقوق الضحايا.

وإلى جانب البعد القانوني، تنطوي التسوية مع حمشو أيضاً على دلالات رمزية وإعلامية خطيرة قد تُقوّض الثقة بمسارات العدالة الانتقالية والمساءلة.

ففي الأيام التي أعقبت إعلان التسوية، خرج متظاهرون في مختلف أنحاء سوريا للتنديد بالاتفاق. وشارك سوريون، بمن فيهم أشخاص متضررون بشكل مباشر، في احتجاجات في مدن وأحياء تضررت بشدة من ممارسات حمشو، مثل جوبر وداريا والقابون. وأكد الضحايا أن موافقة الدولة على التسوية مع حمشو لا تُسقط مطالبهم الفردية بحقه، وأن هذه المطالب لا تزال قائمة ويجب احترامها.

وقد ترددت مشاعر الغضب والإحباط بسبب غياب الإنصاف وجبر الضرر في الشارع وعلى وسائل التواصل الاجتماعي. وحذّر آخرون من أن «تطبيع العلاقات» مع أحد أبرز ممولي النظام وأركانه الاقتصادية يشير إلى استمرار النهج السائد قبل كانون الأول/ديسمبر 2024، حيث كانت الثروة والصلات السياسية كفيلة بتمكين الأفراد من الإفلات من العدالة.

وفي هذا السياق، أوضحت الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية أن التسويات الإدارية لا تحل محل المساءلة القضائية ضمن مسار العدالة الانتقالية. كما شدد البيان التوضيحي على أن تمويل الجرائم الجسيمة وانتهاكات حقوق الإنسان، وهو سلوك ينطبق على حالة حمشو، يُعد جريمة لا يجوز شمولها بالعفو.

إن الإفلات من العقاب، وحتى مجرد الإحساس بوجوده، يقوّض العدالة الانتقالية التي تقوم أساساً على ثقة ومشاركة أصحاب الحقوق المتضررين. وإذا شعر الضحايا السوريون بأن القرارات المتعلقة بالعدالة تُتخذ من دون إشراكهم بشكل فعّال، فقد يفقدون الثقة بوعد العدالة الانتقالية وينسحبون من مساراتها المستقبلية، بما في ذلك لجان الحقيقة أو المحاكمات. كما أن عدم اتخاذ تدابير فعالة لتفكيك نفوذ كبار المتورطين السابقين يترك خطر تكرار الانتهاكات قائماً دون معالجة حقيقية.

ولهذه الأسباب، إذا كان لمشروع العدالة الانتقالية في سوريا أن يحتفظ بمصداقيته، فلا يمكن التعامل مع اتفاق حمشو بوصفه حلاً نهائياً. وعلى أقل تقدير، يجب على السلطات أن تُعلن بوضوح الفصل بين استرداد الأصول والمساءلة الجنائية، بما يضمن ألا تؤدي التسويات المالية إلى إنهاء أو استباق الإجراءات القضائية. وينبغي ربط أي أصول مُستردة بشكل شفاف بجبر ضرر الضحايا، لا التعامل معها كإيرادات تقديرية للدولة.

وبصورة أعمق، يجب أن تمضي التحقيقات الجدية في الدور المزعوم لحمشو في تمويل الجرائم الجسيمة وتسهيلها عبر قنوات قضائية مستقلة، سواء على المستوى الوطني أو من خلال التعاون الدولي. ويجب الاعتراف بالضحايا كأصحاب حقوق، لا كمجرد متفرجين على «صفقات نخبوية»، ومنحهم الصفة القانونية اللازمة لمتابعة مطالباتهم.

وفي نهاية المطاف، فإن الخيار الذي يواجه سوريا ليس بين التعافي الاقتصادي والعدالة. فالتعافي المستدام لا يمكن أن يتحقق إلا في ظل سيادة القانون. وقد توفّر الصفقات الاستثنائية مع أصحاب النفوذ مكاسب مالية قصيرة الأجل، لكنها تحمل كلفة بعيدة المدى تتمثل في تآكل الشرعية، وإضعاف المؤسسات، وإفراغ العدالة الانتقالية من مضمونها. وإذا كانت المصالحة أكثر من مجرد شعار، فلا بد أن تقوم على المساءلة.

Advisory Services Enquiry


Please enable JavaScript in your browser to complete this form.
Preferred Mode of Consultation:

This will close in 0 seconds

استفسار عن خدمات الاستشارات


Please enable JavaScript in your browser to complete this form.
طريقة التواصل المفضلة

This will close in 0 seconds