1 يوليو, 2026 | | هذا المنشور متوفر أيضاً باللغة : الإنجليزية

مع دخول سوريا مرحلة جديدة من التعافي وإعادة الإعمار، تبرز قضية الأحياء العشوائية بوصفها واحدة من أكثر القضايا حساسية وتأثيراً على مستقبل البلاد. فعلى امتداد سوريا، عاش ملايين السوريين لعقود في أحياء صُنِّفت بأنها “عشوائية” أو “غير منظمة”. وغالباً ما تُقدَّم هذه المناطق باعتبارها نتاجاً لفشل التخطيط العمراني، أو مخالفات قانونية، أو عقبة أمام التنمية الحضرية الحديثة. إلا أن هذا التصور يغفل حقيقة أساسية، وهي أن الأحياء العشوائية لم تكن نتيجة أخطاء فردية، بل جاءت ثمرة عقود من إخفاق الدولة في توفير السكن الميسور، والتخطيط العمراني الفعّال، وإدارة الأراضي بصورة عادلة ومتاحة.
إن التعامل مع سكان هذه المناطق باعتبارهم أصحاب حقوق ملكية من الدرجة الثانية لا يمثل ظلماً فحسب، بل يقوض أيضاً الأسس التي ينبغي أن تقوم عليها عملية إعادة إعمار مستدامة تحترم حقوق الإنسان.
العشوائيات نتاج سياسات الدولة
قبل اندلاع الثورة، كانت المساكن العشوائية تشكل ما بين 30 و50 بالمئة من المخزون السكني في سوريا. فقد نشأت أحياء كاملة في دمشق، وحلب، وحمص، وغيرها من المدن خارج الأطر الرسمية للتخطيط العمراني، وأصبحت موطناً لملايين السوريين، ولا سيما الأسر محدودة الدخل التي بحثت عن مساكن قريبة من فرص العمل وبتكاليف يمكن تحملها.
ولم ينشأ هذا الواقع لأن السوريين رفضوا احترام القانون، وإنما لأن الحكومات المتعاقبة في ظل نظام الأسد أخفقت في توفير مساكن ميسورة التكلفة، وأوجدت منظومة تخطيط عمراني جامدة وغير فعالة لم تستطع مواكبة النمو السكاني والهجرة من الريف إلى المدن. وقد دفعت سياسات الأراضي المقيدة، وإجراءات التخطيط البيروقراطية، وضعف القدرات التنفيذية، والفساد، شرائح واسعة من السكان إلى اللجوء إلى حلول سكنية غير رسمية.
وفي الوقت نفسه، قامت الدولة تدريجياً بإضفاء نوع من الشرعية العملية على هذه المناطق من خلال إيصال الكهرباء والمياه والطرق والمدارس والخدمات العامة إليها. فقد كانت الأحياء العشوائية خاضعة للضرائب، وتتلقى الخدمات، وأصبحت جزءاً من النسيج السياسي والاجتماعي للدولة. كما اشترى سكانها منازلهم، واستثمروا فيها مدخرات حياتهم، وربوا أبناءهم، وبنوا مجتمعات مستقرة عبر أجيال متعاقبة. وكان كثير منهم يمتلك أشكالاً مختلفة من وثائق إثبات الملكية، حتى وإن لم تكن العقارات مسجلة رسمياً في السجل العقاري. ولذلك، فإن وصف هذه المناطق بأنها “عشوائية” لا يعني غياب المشروعية الاجتماعية أو انعدام الحقوق العقارية الحقيقية.
غير أن التحدي الذي تواجهه سوريا اليوم يتمثل في أن العديد من مبادرات إعادة الإعمار ما تزال تنظر إلى الأحياء العشوائية باعتبارها مشكلة تخطيطية ينبغي معالجتها، بدلاً من النظر إلى سكانها باعتبارهم أصحاب حقوق يجب حمايتها.
ويمثل هذا النهج خطراً حقيقياً، لأنه قد يعيد إنتاج أحد أبرز مظالم مرحلة النزاع، والمتمثل في استخدام أدوات التخطيط العمراني وإعادة التطوير لنزع ملكيات الفئات الأكثر ضعفاً. فقد أظهرت مشاريع ماروتا سيتي وباسيليا سيتي، التي أُنشئت بموجب المرسوم التشريعي رقم 66 لعام 2012 والقانون رقم 10 لعام 2018، كيف استُخدمت الأدوات القانونية والتخطيطية لتسهيل مصادرة الممتلكات، والتهجير القسري، وإحداث تغييرات ديموغرافية. فقد هُدمت أحياء كاملة تحت شعار “إعادة التطوير”، بينما لم يحظَ العديد من سكان هذه الأحياء بحماية أو تعويض فعليين.
وإذا ما اعتبرت سلطات إعادة الإعمار اليوم أن سكان الأحياء العشوائية يستحقون تعويضاً أقل لمجرد أن منازلهم تقع خارج المناطق المنظمة، فإنها بذلك تعاقب مجتمعات بأكملها على واقع صنعته عقود من الإخفاقات والسياسات الحكومية.
فالوضع التنظيمي لأي حي لا ينبغي أن يحدد قيمة كرامة الإنسان أو أمنه أو انتمائه.
المساواة في التعويض هي مسألة عدالة
إن حقوق السكن والأرض والملكية لا تقتصر على من يمتلكون وثائق ملكية مكتملة أو يقيمون داخل أحياء منظمة رسمياً. فالمعايير الدولية باتت تعترف بطيف واسع من أشكال الاستملاك، وتؤكد ضرورة حماية الأفراد من الإخلاء أو التهجير التعسفي.
ويعني ذلك عملياً أن سكان الأحياء العشوائية يجب أن يتمتعوا بآليات تعويض مماثلة لتلك المتاحة لسكان المناطق المنظمة، عندما تُصادر ممتلكاتهم أو تُهدم أو تُعاد تطويرها.
ولا يعني مبدأ المساواة في التعويض بالضرورة اعتماد معادلات حسابية متطابقة، فقد يستلزم الأمر مراعاة اختلاف أشكال الملكية وأنظمة الإثبات. إلا أن المبدأ الأساسي يجب أن يبقى واضحاً: لا يجوز أن يحصل أي شخص على حماية قانونية أقل لمجرد أنه كان يعيش في حي عشوائي.
فأسرة تقيم منذ عقود في أحد الأحياء العشوائية في حمص أو دمشق أو حلب أو دير الزور أو غيرها، واستثمرت كل ما تملك في منزلها، لا تقل خسارتها الاقتصادية، ولا حجم الضرر الاجتماعي أو الارتباط الوجداني بالمكان، عن خسارة أسرة تعيش في حي منظم. بل إن غالبية هذه الأحياء كانت تضم مجتمعات محدودة الدخل، ما يجعل التمييز في التعويض سبباً في تعميق أوجه عدم المساواة، ومضاعفة تهميش الفئات التي تحملت بالفعل العبء الأكبر من النزاع والنزوح.
كما أن العديد من هذه المجتمعات كانت في طليعة الحراك الشعبي السوري، وتعرضت لاحقاً لأشد أشكال العقاب الجماعي على يد نظام الأسد. فقد شهدت هذه الأحياء حصاراً وقصفاً وتهجيراً قسرياً، وسياسات إعادة تطوير جردت السكان من مساكنهم وحقوقهم في الملكية. وبالنسبة لكثير من الأسر، لم يكن فقدان المنزل مجرد نتيجة للحرب، بل جزءاً من سياسة انتقام سياسي ممنهجة.
وأي إطار لإعادة الإعمار لا يعيد هذه الحقوق، أو يمنح سكان هذه المناطق حماية أقل من تلك التي يحصل عليها سكان المناطق المنظمة، فإنه يخاطر بترسيخ هذه المظالم بدلاً من معالجتها. وإلى جانب الاعتبارات القانونية والأخلاقية، فإن مثل هذا النهج قد يؤدي إلى تجدد التوترات الاجتماعية، وإضعاف الثقة بمؤسسات الدولة، وتقويض مصداقية السلطات الحاكمة في مرحلة تحتاج فيها سوريا أكثر من أي وقت مضى إلى الثقة، والشمول، والمصالحة الوطنية.
نجاح إعادة الإعمار مرهون بالاعتراف بحقوق هذه المجتمعات
لا يتعلق هذا النقاش بالعدالة وحدها، بل يرتبط أيضاً بفرص نجاح إعادة الإعمار نفسها.
فالتعافي السوري يتطلب عودة المهجرين، واستعادة ثقة المواطنين، وإعادة دمج المجتمعات التي مزقها النزاع. ولن يكون تحقيق أي من هذه الأهداف ممكناً إذا شعر ملايين السوريين بأن إعادة الإعمار ستتحول إلى وسيلة جديدة للإقصاء أو نزع الملكية.
وتبين تجارب العديد من الدول أن محاولات إزالة الأحياء العشوائية عبر مشاريع إعادة تطوير تُفرض من أعلى غالباً ما تؤدي إلى مقاومة مجتمعية، وتفكك اجتماعي، ونزاعات طويلة الأمد. وعلى العكس من ذلك، تكون فرص نجاح التعافي الحضري أكبر عندما تعترف السلطات بالمجتمعات القائمة، وتعمل على تسوية أوضاع الحيازة حيثما أمكن، وتشرك السكان في اتخاذ القرارات المتعلقة بمستقبل أحيائهم.
وبالنسبة لسوريا، فإن ذلك يعني تجاوز التصنيف التقليدي بين “منظم” و”عشوائي”. فالسؤال الحقيقي ليس ما إذا كان الحي قد التزم بأنظمة التخطيط قبل عقود، وإنما ما إذا كانت سياسات إعادة الإعمار تحترم حقوق ومصالح السكان الذين يعيشون فيه اليوم.
طريق قائم على الحقوق
ينبغي لإطار إعادة إعمار قائم على حقوق الإنسان أن يستند إلى مجموعة من المبادئ الأساسية.
أولاً، يجب الاعتراف بالأحياء العشوائية باعتبارها سمة هيكلية من سمات التطور العمراني في سوريا، لا مجرد مخالفات قانونية معزولة.
ثانياً، ينبغي أن يتمتع سكان هذه المناطق بحقوق متساوية في استرداد الممتلكات، والحصول على التعويض، والوصول إلى آليات تسوية المنازعات.
ثالثاً، يجب أن تراعي برامج التعويض تنوع وسائل إثبات الملكية أو الإشغال، بما في ذلك الأعراف المحلية، والسجلات البلدية، وفواتير الخدمات، وشهادات الشهود، وغيرها من وسائل الإثبات المقبولة.
رابعاً، ينبغي أن تعطي مشاريع إعادة التطوير العمراني الأولوية لتأهيل الأحياء القائمة وتسوية أوضاعها القانونية كلما كان ذلك ممكناً، بدلاً من اللجوء إلى التهجير واسع النطاق، شريطة إجراء مشاورات حقيقية مع المجتمعات المحلية قبل تصميم هذه المشاريع أو تنفيذها.
وأخيراً، يجب إشراك المجتمعات المتأثرة بصورة فعالة وذات معنى في جميع مراحل التخطيط وإعادة الإعمار.
بناء مدن بلا إقصاء
ستفرض إعادة إعمار المدن السورية حتماً قرارات صعبة تتعلق باستخدام الأراضي، والبنية التحتية، والتنمية الحضرية. إلا أن هناك مبدأ ينبغي ألا يكون محل تفاوض: لا يجوز أن تتحول صفة “العشوائية” إلى مبرر للتمييز في الحقوق.
فالأحياء العشوائية كانت نتيجة عقود من الإهمال، والإخفاقات التخطيطية، والاختلالات البنيوية. ولا ينبغي لسكانها أن يتحملوا مرة أخرى ثمن تلك الإخفاقات.
وإذا كانت إعادة الإعمار تهدف فعلاً إلى تحقيق العدالة، وترسيخ الاستقرار، ودعم التعافي طويل الأمد، فإن عليها أن تعترف بأن حقوق السكن والأرض والملكية هي حقوق لجميع السوريين، وليس فقط لأولئك الذين حالفهم الحظ بالعيش داخل حدود المخططات التنظيمية. فمستقبل المدن السورية لن يُبنى بإزالة المجتمعات العشوائية، بل بإدماجها باعتبارها شريكاً متساوياً في عملية تعافي البلاد وإعادة بنائها.
بقلم: إياد حميد
مدير وحدة حقوق الإنسان والأعمال التجارية – البرنامج السوري للتطوير القانوني (SLDP)
