1 اغسطس, 2026 | | هذا المنشور متوفر أيضاً باللغة : الإنجليزية

مبنى الصندوق السيادي السوري في حي المزة بدمشق – 28 كانون الأول 2025 (عنب بلدي)
أصبح الصندوق السيادي السوري أكثر حضوراً في النقاش العام بعد إطلاق موقعه الإلكتروني والكشف عن بعض تفاصيل هيكله وحجم القطاعات والأصول التي يديرها. لكن تحسّن الصورة المتاحة عن الصندوق لا يعني بالضرورة تحسّن طريقة عمله. فالمعلومات المنشورة أزالت جزءاً من الغموض المؤسسي، لكنها لم تجب عن الأسئلة الأكثر أهمية: من يتخذ القرارات؟ كيف انتقلت الأصول إلى الصندوق؟ ما مصير الأصول المصادرة والمستردة؟ ومن يراقب الصندوق عندما يتصرف بأموال وممتلكات عامة واسعة؟.
وتمسّ هذه التساؤلات حياة كل سوري، لأن إدارة الأصول العامة وعوائدها تؤثر مباشرة في الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وفي حق المواطنين في مراقبة موارد تُدار لتحقيق منفعتهم. ومن هنا، لا يكفي أن يعرض الموقع أهداف الصندوق وبعض أرقامه ما دامت المعلومات الأساسية اللازمة للمساءلة غير متاحة، بل يصبح من الضروري تقييم الأساس القانوني للصندوق وآليات حوكمته ومدى خضوعه للرقابة العامة.
الصيغة القانونية لتأسيس الصندوق وتقييمها
أُنشئ الصندوق السيادي بموجب المرسوم رقم 113 لعام 2025 بوصفه مؤسسة ذات طابع اقتصادي تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري، ويقع مقرها في دمشق وترتبط برئاسة الجمهورية. وحدد المرسوم أهدافاً واسعة للصندوق، تشمل تنفيذ المشاريع التنموية والإنتاجية، واستثمار الموارد، وتنشيط الاقتصاد، وتحويل الأصول الحكومية غير المفعلة إلى أدوات للإنتاج والتنمية.
كما نص المرسوم على إدارة الصندوق من خلال مجلس إدارة ومدير عام، وعلى تقديم تقارير ربع سنوية وسنوية إلى الرئاسة، وإجراء تدقيق مالي بواسطة جهات مستقلة عن الصندوق.
يمكن لهذه الصيغة أن تمنح الصندوق مرونة في إدارة الأصول المتعثرة واتخاذ القرارات الاستثمارية بسرعة أكبر من المؤسسات الحكومية التقليدية. لكن المشكلة أن الاستقلال المالي والإداري لا يرافقه، وفق المعلومات المنشورة، نظام مماثل من الاستقلال الرقابي والمساءلة العامة. فالصندوق مرتبط بالرئاسة، وإدارته تُعيّن ضمن السلطة التنفيذية، وتقاريره تُرفع إلى الجهة نفسها، من دون نشرها أو إخضاعها لرقابة تشريعية أو عامة واضحة.
ولا يبيّن الموقع الرسمي أسماء جميع أعضاء مجلس الإدارة أو مؤهلاتهم أو آلية اختيارهم، رغم وصف المجلس بأنه مستقل ومكوّن من خبراء. كما لا تتوافر قواعد منشورة للإفصاح عن المصالح المالية، أو منع تضارب المصالح، أو إلزام عضو المجلس بالتنحي عند مناقشة عقد أو مشروع له ارتباط مباشر أو غير مباشر به.
ومع بدء مجلس الشعب الجديد أعماله، ينبغي تعديل الإطار القانوني للصندوق بما يضمن خضوعه للمساءلة أمام المجلس، وإلزامه بتقديم تقرير سنوي وقوائم مالية مدققة، بدلاً من حصر مسؤوليته داخل الرئاسة.
وفي مؤسسة تدير أصولاً عامة بهذا الحجم، لا يكفي إعلان استقلال مجلس الإدارة، بل يجب أن يكون تشكيله، واختصاصاته، وقراراته، ومصالح أعضائه قابلة للتحقق والمساءلة.
ما الذي تتطلبه المعايير الدولية؟
تشكل مبادئ سانتياغو إطاراً دولياً طوعياً يضم 24 مبدأ وممارسة عامة لحوكمة الصناديق السيادية. وهي ليست اتفاقية دولية ملزمة، لكنها تقدم معياراً مهماً لتقييم طريقة إدارة هذه الصناديق، ولا سيما في مجالات الشفافية والمساءلة والاستقلال التشغيلي وإدارة المخاطر والاستثمار وفق اعتبارات اقتصادية ومالية واضحة.
وتقتضي هذه المبادئ وجود أساس قانوني واضح للصندوق، وفصل عملي بين الجهة المالكة للأصول، ومجلس الإدارة، والإدارة التنفيذية. كما تتطلب تحديد مسؤوليات كل جهة، ووضع قواعد واضحة للتعيين والمساءلة وتعارض المصالح، وإعداد تقارير سنوية وقوائم مالية تخضع لتدقيق مستقل، والإفصاح عن المعلومات المالية وسياسات الاستثمار وإدارة المخاطر.
وتكتسب هذه المتطلبات أهمية أكبر عندما لا تقتصر أموال الصندوق على فوائض مالية أو عائدات موارد طبيعية، بل تشمل شركات وعقارات وأراضي وأصولاً مستردة أو مصادرة. ففي هذه الحالة، يجب أن يوضح الإطار القانوني مصدر كل أصل، وسند نقله إلى الصندوق، وطريقة تقييمه، والحقوق أو النزاعات المرتبطة به، والقواعد التي تحكم الاحتفاظ به أو بيعه أو عرضه للاستثمار.
أين يقف الصندوق السوري من هذه المعايير؟
اتخذ الصندوق خطوة محدودة باتجاه التعريف المؤسسي بنفسه، لكنها ليست بالضرورة خطوة إيجابية في ذاتها، بل هي استجابة للحد الأدنى من الإفصاح الذي تفرضه طبيعة المؤسسة وحجم الأصول العامة التي تديرها. فقد أطلق موقعاً إلكترونياً، ونشر أهدافه وبعض بياناته التنظيمية، وأعلن أن آلية حوكمته مستوحاة من مبادئ سانتياغو.
ويذكر الموقع أن الصندوق يضم 36 قطاعاً تخصصياً و11 شركة مركزية، ويوفر أكثر من 40 ألف فرصة عمل. كما يقول إنه يقدم تقارير دورية إلى الرئاسة ويخضع لتدقيق مالي تجريه جهات مستقلة عنه. غير أن مجرد إطلاق الموقع ونشر هذه الأرقام لا يمثلان تحولاً نحو الشفافية، ما دامت المعلومات الأساسية اللازمة للمساءلة غير متاحة.
وأعلنت إدارة الصندوق أنها تعيد تقييم الأصول المستردة مالياً وفنياً وإدارياً، وتبني قاعدة بيانات إلكترونية لها، وتهدف إلى رفع كفاءتها قبل تنفيذ ما وصفته بانسحاب منظم يحقق عائداً لخزينة الدولة. كما أطلق الصندوق مكتباً للشكاوى وقنوات للتواصل مع المستثمرين والجمهور.
لكن هذه الإجراءات تظل جزءاً من التزامات أساسية يفترض أن تقوم بها أي مؤسسة عامة تدير أصولاً بهذا الحجم، ولا يجوز التعامل معها بوصفها دليلاً كافياً على الالتزام بالحوكمة. كما أنها تظل تصريحات عن خطط وإجراءات داخلية ما لم تتحول إلى بيانات وتقارير قابلة للتحقق العام.
فالموقع لا ينشر ميزانية افتتاحية أو قوائم مالية مدققة، ولا يحدد أسماء جهات التدقيق أو ينشر نتائج عملها. كذلك لا توجد قائمة شاملة بالأراضي والعقارات والشركات التي يديرها الصندوق، ولا معلومات كافية عن قيمتها أو إيراداتها أو التزاماتها أو العوائد التي حققتها. ولا يتضح ما إذا كانت هذه العوائد تعود إلى الخزينة العامة، أو يعاد استثمارها، أو تستخدم لتمويل مشاريع محددة.
وتكشف المعلومات التي قُدمت خلال المنتدى السوري–الإماراتي حجماً أكبر بكثير مما يظهر في الموقع. فبحسب تقرير The Syria Report، أعلن مسؤولو الصندوق امتلاكه أو إدارته نحو ألفي عقار قُدرت قيمتها بحوالي 2.5 مليار دولار، وأكثر من 70 مليون متر مربع من الأراضي المخصصة لمشاريع تطوير عقاري، مع مشاريع مخططة قُدرت قيمتها بنحو 100 مليار دولار. وتشمل هذه المشاريع “دمشق الجديدة”، الممتد على مساحة 33 مليون متر مربع باستثمارات مقدرة بين 40 و50 مليار دولار، ومشروعاً ساحلياً في اللاذقية على مساحة 11.5 مليون متر مربع باستثمارات قد تصل إلى 30 مليار دولار.
كما كشف التقرير أسماء عدد من المسؤولين والقطاعات والشركات التابعة للصندوق، لكنه أشار إلى أن آليات الحوكمة والملكية النهائية للأصول لا تزال مكشوفة بصورة جزئية فقط.
كما أن بعض الأصول التي يديرها الصندوق انتقلت إليه، وفق تصريحات إدارته، بقرارات صادرة عن لجنة مكافحة الكسب غير المشروع. لكن لا يوجد سجل علني يميز بين الأصول الحكومية الأصلية، والأصول المستردة عبر تسويات، والأصول المصادرة بأحكام قضائية، والأصول التي قد تبقى محل مطالبات أو نزاعات ملكية.
ومن دون هذا التمييز، يصعب التأكد من سلامة سند الملكية ومن قانونية بيع الأصل أو إدخاله في شراكة استثمارية. كما يصعب معرفة ما إذا كانت حقوق المالكين أو الدائنين أو العمال أو غيرهم من أصحاب المصالح قد أُخذت في الاعتبار قبل نقل الأصول أو التصرف بها.
أثر الغموض على الاقتصاد والمرحلة الانتقالية
لا يمثل غياب الإفصاح مشكلة شكلية. فالمستثمر الجاد يحتاج إلى معرفة مالك الأصل، وآلية تقييمه، والجهة التي أجازت التصرف به، وطريقة فض النزاعات المحتملة. وكلما بقيت هذه المعلومات غير منشورة، ارتفعت المخاطر القانونية والسياسية، وأصبح الاستثمار أكثر تكلفة وأقل استقراراً.
أما بالنسبة إلى المواطنين، فالمسألة تتعلق بحقهم في معرفة كيفية إدارة ممتلكات الدولة ومصير الأموال المستردة. فهذه الأصول ليست ملكاً لإدارة الصندوق أو للسلطة القائمة، بل موارد عامة يجب أن تستخدم وفق القانون ولتحقيق منفعة عامة يمكن قياسها.
ويفتح غياب الإفصاح المجال أمام مخاطر المحاباة، وتفضيل مستثمرين بعينهم، وبيع الأصول بأقل من قيمتها، أو توجيهها نحو مشاريع لا تعكس الأولويات الاجتماعية والاقتصادية للسوريين. ولا يعني وجود هذه المخاطر أن إساءة الاستخدام وقعت بالفعل، لكنه يعني أن الضمانات المتاحة حالياً لا تكفي لمنعها أو كشفها بصورة مستقلة.
وتزداد الخطورة لأن نطاق الصندوق يتجاوز إدارة محفظة استثمارية محدودة. فهو حاضر في العقارات والإنشاءات والاتصالات والطاقة والنقل والصناعة والزراعة والسياحة والموارد الطبيعية وغيرها من القطاعات. وبذلك يستطيع التأثير في تحديد القطاعات التي تحصل على التمويل، والأصول التي تعرض للبيع أو الشراكة، والمستثمرين الذين يدخلون السوق.
وهذا يمنحه دوراً فعلياً في إعادة تشكيل الملكية وتوجيه الاقتصاد السوري. كما قد يؤدي إلى إنشاء مركز اقتصادي موازٍ للوزارات والمؤسسات العامة والموازنة، يجمع الأصول والاستثمارات والقرارات الاستراتيجية داخل دائرة واحدة.
ويكتسب هذا الأمر خطورة خاصة خلال المرحلة الانتقالية. فتركيز هذا الدور داخل مؤسسة مرتبطة مباشرة بالرئاسة، قبل اكتمال المؤسسات التمثيلية والرقابية، قد يؤدي إلى تثبيت بنية اقتصادية جديدة قبل إخضاعها لنقاش عام أو رقابة ديمقراطية. وقد تصبح القرارات المتخذة الآن بشأن الأراضي والشركات والبنية التحتية شديدة الصعوبة في المراجعة لاحقاً، حتى إذا تبين أنها لم تحقق المصلحة العامة.
لذلك، يجب ألا يقتصر الإصلاح على تطوير الموقع الإلكتروني أو نشر أرقام عامة. المطلوب هو نشر الميزانية الافتتاحية والقوائم المالية وتقارير التدقيق، والإعلان عن التشكيلة الكاملة لمجلس الإدارة، ووضع قواعد ملزمة لتعارض المصالح، وإنشاء سجل علني للأصول يوضح مصدر كل أصل ووضعه القانوني وقيمته.
كما ينبغي الفصل بين أصول الدولة الأصلية والأصول المستردة والمصادرة والمتنازع عليها، وإخضاع القرارات الكبرى، ولا سيما بيع الأصول أو نقل ملكيتها، لرقابة خارجية مستقلة ومراجعة قانونية وقضائية واضحة.
يمكن للصندوق السيادي أن يكون أداة لإعادة تشغيل الأصول وجذب الاستثمار ودعم التعافي الاقتصادي. لكن حجم صلاحياته واتساع القطاعات التي يديرها يجعلان حوكمته جزءاً من نجاح الانتقال السياسي، لا مجرد مسألة إدارية داخلية. فإعادة بناء الاقتصاد السوري لا يمكن أن تقوم على استبدال الغموض القديم بغموض جديد، ولا على تركيز الثروة والقرار الاقتصادي في مؤسسة لا تزال مساءلتها العامة محدودة.
إعداد: آلاء يونس، باحثة في وحدة حقوق الإنسان والأعمال التجارية، البرنامج السوري للتطوير القانوني.
