15 سبتمبر, 2026 | | هذا المنشور متوفر أيضاً باللغة : الإنجليزية

لقد ابتُليت سوريا بجملةٍ من الأزمات البيئية. فقد جُرِّدت الغابات من أشجارها بفعل قطع الأخشاب الممنهج، وحرائق الغابات، وإنتاج الفحم. وتركت موجات الجفاف المتكررة وانهيار البنى التحتية للري مجتمعاتٍ بلا مصدرٍ موثوق للمياه. وتعرّضت الأراضي الزراعية للانجراف، فذهبت معها سبل العيش في الأرياف. أما عمليات استخراج النفط وتكريره البدائية فقد سمّمت التربة والهواء والمياه الجوفية، وخلّفت وراءها أمراض الجهاز التنفسي، والسرطانات، والآبار الملوّثة. وليس هذا كلّه مشهداً خلفياً للنزاع، بل هو من أبقى ما خلّفه أثراً.
وليست هذه خسائر مجرّدة. فحين تتلوّث بئر، يكون الحق في المياه هو ما على المحك. وحين ينشأ الأطفال بجوار حرّاقة، فالحق في الصحة. وحين تتوقّف الأرض الزراعية عن الإنتاج، فالحق في مستوى معيشي لائق، وفي الغذاء، وفي السكن متى اضطُرّت الأسر إلى الرحيل. وهي مجتمعةً ترقى كذلك إلى إنكار الحق في بيئة نظيفة وصحية ومستدامة، فضلاً عن الحق في الحياة ذاته.
ولم يكن جُلّ هذا الضرر عَرَضياً، بل كان نتاج سياساتٍ وإهمالٍ في ظل نظام الأسد. فقد خلص تقريرنا مسؤولية الشركات تجاه البيئة وحقوق الإنسان في سوريا إلى أنّ تجارة الفحم على الساحل كانت خاضعة لسيطرة أفرادٍ تربطهم صلات مباشرة بعائلة الأسد، وأنّ مناقصات إزالة المواقع المحترقة كانت تُرسى بدورها على رجال أعمال مقرّبين من النظام. وإنّ تدميراً بهذا الحجم، متعمَّداً وقابلاً للتوقّع، يثير التساؤل عمّا إذا كانت هذه الأفعال ترقى إلى الإبادة البيئية.
وبطيّ هذه الصفحة، باتت أمام الحكومة فرصة سانحة لدمقرطة الحوكمة البيئية وتحويلها إلى أداةٍ للتعافي. وليست بحاجة إلى بناء هذه الآلية من الصفر، إذ يوجد بالفعل إطارٌ جاهزٌ في متناول اليد يعود بالنفع على الحكومة والمجتمع معاً: اتفاقية آرهوس.
ما الذي تفعله الاتفاقية
اعتُمدت الاتفاقية عام 1998، وهي تقوم على مقدّمةٍ بسيطة: لا يمكن فصل النتائج البيئية عن الشفافية والمشاركة والمساءلة. وهي لا تملي على الدول ما ينبغي أن تكون عليه سياستها البيئية، بل تحدّد لها كيف ينبغي أن تُتّخذ تلك القرارات، ومن له الحق في أن يكون طرفاً فيها. وتقوم الاتفاقية على ثلاث ركائز:
1. الوصول إلى المعلومات في المسائل البيئية: على السلطات أن تجمع المعلومات البيئية وتنشرها، وأن تستجيب لطلبات الجمهور دون اشتراط إبداء مصلحة.
2. المشاركة العامة في صنع القرار البيئي: يجب أن يكون للمجتمعات رأيٌ فعلي في المشاريع والخطط والسياسات التي تمسّ البيئة، في وقتٍ مبكرٍ بما يكفي لأن تظل النتيجة قابلة للتأثّر.
3. الوصول إلى العدالة في المسائل البيئية: يجب أن يتمكّن الناس من اللجوء إلى إجراءٍ قضائي أو إداري عند المساس بحقوقهم، وأن يحصلوا على سبيل انتصافٍ ذي جدوى.
ومع أنّ الاتفاقية اعتُمدت في إطار لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأوروبا، فإنّ باب الانضمام إليها مفتوح أمام الدول الواقعة خارج تلك المنطقة. وقد كانت غينيا-بيساو أول دولة تفعل ذلك في عام 2023.
لماذا ينبغي أن يكون هذا أولويةً الآن
قد يبدو غريباً أن تُوضع اتفاقية بيئية في صدارة أجندةٍ انتقالية مزدحمة. لكنه ليس كذلك. فالضرر البيئي عاملٌ مضاعِفٌ للنزاع: يدفع إلى الفقر، ويعمّق عدم المساواة، ويُذكي المظالم حول المياه والأرض، ويدفع الناس إلى النزوح. وما لم يُعالَج، فسيظل يولّد الاضطراب ذاته الذي يُفترض بالتعافي أن ينهيه.
ومن شأن الانضمام أن يُدخل ضمانات إجرائية تحول دون وقوع مزيد من الضرر، وأن يُدمج حماية البيئة في صلب إصلاح الحوكمة بدلاً من التعامل معها بوصفها شأناً ثانوياً، وأن يتيح للمواطنين قناةً قانونية لرفع مظالمهم. ولأنّ الاتفاقية تضبط الإجراءات لا السياسات، فهي تلائم السياق الانتقالي على وجه الخصوص. كما أنّها ستبعث بإشارةٍ ذات مصداقية على الالتزام بالشفافية وسيادة القانون، وهو ما يهمّ في كسب ثقة الجهات المانحة. والأهم من ذلك كلّه، أنّ الانضمام سيسهم في استعادة الثقة، وترسيخ المساءلة، وتعزيز الشفافية، واستكمال الجهود المبذولة لمكافحة الفساد الذي يزدهر حيثما تُتَّخذ القرارات خلف أبواب موصدة.
المسائل البيئية مسائل حقوق إنسان
في تشرين الأول 2021، اعترف مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بالحق في بيئة نظيفة وصحية ومستدامة، ثم أكّدته الجمعية العامة للأمم المتحدة في تموز 2022. ولهذا الحق عناصر موضوعية (الهواء النظيف، والمياه المأمونة، والبيئات الخالية من المواد السامة للعيش والعمل فيها)، كما أنّ له عناصر إجرائية أيضاً: الوصول إلى المعلومات، والمشاركة في صنع القرار، والوصول إلى العدالة وسبل الانتصاف الفعّالة. واتفاقية آرهوس هي الأداة التي تضع الشقّ الإجرائي منه موضع التنفيذ.
وفيما تسعى الحكومة السورية إلى إعادة بناء علاقتها بمواطنيها، فإنّ ضمان حقّهم في المعرفة، وفي أن يُسمع صوتهم، وفي التماس الإنصاف بشأن المسائل التي تشكّل حياتهم، هو منطلقٌ جادٌّ لذلك.
بقلم: الريم كمال، مسؤولة قانونية، وحدة حقوق الإنسان والأعمال التجارية
