15 سبتمبر, 2026 | | هذا المنشور متوفر أيضاً باللغة : الإنجليزية

بعد أكثر من عقد من النزاع، تتحوّل إعادة إعمار سوريا إلى واقع تجاري. إذ يُقدّر البنك الدولي أن إعادة بناء الأصول المادية المتضررة قد تكلّف نحو 216 مليار دولار أمريكي. ومن المرجّح أن تضطلع تركيا بدور بالغ الأهمية في هذه المرحلة الجديدة، فقد بلغ حجم التبادل التجاري الثنائي نحو 3.7 مليار دولار أمريكي في عام 2025، وفي أغسطس 2026 اصطحب وفد تجاري تركي 40 شركة إلى دمشق لاستكشاف فرص التجارة والاستثمار.
غير أن إعادة الإعمار لا تقتصر على سرعة تدفق الاستثمارات. فالنهج المرتكز على حقوق الإنسان يطرح أسئلة حول من يستفيد، ومن يشارك، ومن تُصان حقوقه. ومع تنامي النشاط التجاري التركي في سوريا، يبرز سؤال آخر: إذا تسبّب هذا النشاط في ضرر أو أسهم فيه، فعلى من تقع المساءلة؟
ما الذي نعرفه فعلًا عن الشركات التركية في سوريا؟
خلال البحث، اتضح أمر واحد: لا يوجد مصدر عام متاح بسهولة يجمع بيانات الشركات التركية العاملة حاليًا في سوريا وطبيعة عملها.
وتجنبًا للمبالغة في تصوير الواقع، اقتصر مفهوم «النشاط الحالي» على الخدمات التجارية القائمة فعليًا، أو الوجود المحلي الذي جرى التحقق منه، أو المشاريع الكبرى التي دخلت حيز التنفيذ. ومن أبرز الأنشطة التي جرى التحقق منها المشاركة التركية في برنامج للطاقة بقيمة 7 مليارات دولار أمريكي وبقدرة 5000 ميغاواط، وفي مشروع إعادة تطوير مطار دمشق الدولي بقيمة 4 مليارات دولار أمريكي. كما يمارس الطيران التجاري نشاطه كذلك.
ولا تقتصر الصورة على قطاع البناء وحده، إذ باتت الطاقة والبنية التحتية والنقل مجالات مهمة للانخراط التركي. غير أن المعلومات لا تزال متناثرة بين إعلانات الشركات والتقارير الإعلامية والإفصاحات المتعلقة بالمشاريع. وفي عملية إعادة إعمار تكتسب فيها الشفافية أهمية بالغة، تُعدّ معرفة الجهات العاملة، والكيان الذي تعمل من خلاله، والشروط التي تعمل بموجبها، جزءًا من منظومة المساءلة.
لماذا تكتسب مخاطر حقوق الإنسان أهمية
هذه المخاطر مخاطر أولية يكشف عنها الفحص، وتنشأ عن طبيعة القطاعات المعنية والسياق المتأثر بالنزاع. وهي ليست ادعاءات بأن الشركات التركية العاملة في سوريا قد ارتكبت انتهاكات لحقوق الإنسان.
قد تنطوي مشاريع البناء والبنية التحتية على مخاطر تتعلق بحقوق العمال، والسلامة والصحة المهنيتين، والتوظيف المتسارع، وسلاسل التعاقد من الباطن. وقد حددت منظمة العمل الدولية العمل اللائق والسلامة والصحة المهنيتين بوصفهما عنصرين مهمين في تعافي سوريا.
وتحظى حقوق السكن والأراضي والملكية بالأهمية ذاتها. فسنوات النزوح وفقدان الوثائق أو النزاع عليها تعني أن استخدام الأراضي وملكيتها والعودة والآثار على المجتمعات المحلية قد تتحول إلى قضايا تمسّ حقوق الإنسان. وإعادة الإعمار التي لا تعالج هذه المسائل قد تُعمّق الإقصاء بدلًا من إصلاحه.
كما وثّقت أبحاث سابقة حول سلاسل توريد الملابس التركية مخاطر جسيمة تطال العمال اللاجئين السوريين في تركيا. ولا يُثبت ذلك وقوع انتهاكات حالية داخل سوريا، لكنه يُعدّ إنذارًا ذا صلة إذا توسّعت الصناعات التحويلية كثيفة العمالة والتعاقد من الباطن عبر الحدود.
وهذا تحديدًا هو نوع السياق الذي تكتسب فيه العناية الواجبة المعزّزة بحقوق الإنسان أهميتها. إذ يتعيّن على الشركات أن تنظر إلى ما هو أبعد من عملياتها المباشرة، وأن تأخذ في الحسبان المقاولين والموردين والشركاء المحليين وديناميكيات النزاع الأوسع.
ماذا يحدث في حال وقوع الضرر؟
هنا يصبح الإطار القانوني التركي أكثر تعقيدًا.
تحظى مسألة الأعمال التجارية وحقوق الإنسان باهتمام متزايد في تركيا، إلا أن الإطار القانوني لا يزال مجزّأً. فلم تضع تركيا بعد خطة عمل وطنية بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان، ولا يوجد فيها قانون عام يُلزم بالعناية الواجبة بحقوق الإنسان. كما لا توجد دعوى مدنية خاصة بالأضرار الماسّة بحقوق الإنسان الناجمة عن الأعمال التجارية. وبدلًا من ذلك، يتعيّن على الضحية الاستناد إلى المسارات العادية، كأحكام المسؤولية التقصيرية، وفي بعض الحالات المسؤولية الموضوعية.
وتتوقف المسؤولية إلى حد كبير على طريقة عمل الشركة. فالشركة التركية التي تعمل مباشرة في سوريا أو من خلال فرع لها تختلف من الناحية القانونية عن شركة أم تركية تعمل من خلال شركة تابعة سورية مستقلة أو مقاول من الباطن.
ولا تُغيّر جنسية المالك من ذلك شيئًا. فالشركة المؤسَّسة في تركيا تظل شخصية اعتبارية مستقلة، سواء أكان المساهم فيها تركيًا أم سوريًا أم يحمل الجنسيتين معًا. فالملكية السورية ليست درعًا واقيًا ولا استثناءً، وإن كانت لا تجعل المساهم مسؤولًا شخصيًا بصورة تلقائية.
ويمكن من حيث المبدأ مقاضاة شركة مقرها تركيا أمام المحاكم التركية. غير أن المسألة الأصعب قد تكمن في القانون الواجب التطبيق، إذ يشير وقوع الضرر في سوريا عمومًا إلى تطبيق القانون السوري، وإن كان القانون التركي قد ينطبق حين يكون النزاع أوثق صلة بتركيا.
أما الدعاوى المرفوعة ضد الشركات الأم فهي أصعب من ذلك، لا سيما حين تتعلق القضية بالإخفاق في منع الضرر لا بفعل مباشر. إذ يشترط القانون التركي عمومًا وجود التزام قانوني بالتصرف كي يُرتّب الامتناع مسؤولية، ولا يزال هذا المسار غير مُختبَر إلى حد بعيد. كما قد يواجه الحكم الصادر عن محكمة سورية صعوبات في التنفيذ في تركيا.
وتوفر نقطة الاتصال الوطنية التابعة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في تركيا مسارًا غير قضائي لتقديم الشكاوى، غير أن لحدوده أهمية كبيرة: فنقاط الاتصال الوطنية ليست محاكم، والمشاركة في المساعي الحميدة طوعية، ولا تملك صلاحية إصدار أمر بالانتصاف.
فجوة محتملة في المساءلة
والنتيجة هي فجوة محتملة في المساءلة. فقد تنخرط الشركات التركية على نحو متزايد في إعادة إعمار سوريا، في حين تظل سبل الانتصاف المتاحة للأشخاص المتضررين من الأنشطة التجارية العابرة للحدود غير واضحة.
فبالنسبة إلى عامل أُصيب في أحد المشاريع، أو أسرة تضررت أرضها، أو مجتمع محلي يواجه ضررًا بيئيًا، لا يُعدّ الفرق بين الفرع والشركة التابعة والمقاول من الباطن مسألة نظرية، بل قد يحدد ما إذا كان ثمة مسار واقعي نحو الانتصاف من الأساس.
وخلاصة ما توصلتُ إليه من هذا البحث أن هذه الفجوة تجعل من إقرار إلزامية العناية الواجبة بحقوق الإنسان خيارًا سياساتيًا بالغ الأهمية بالنسبة إلى تركيا. ولن يحلّ مثل هذا الإطار كل إشكاليات الولاية القضائية العابرة للحدود، لكنه قد يُلزم الشركات بتحديد مخاطر حقوق الإنسان ومعالجتها قبل وقوع الضرر، بدلًا من ترك المتضررين يتلمّسون طريقهم عبر مسارات قانونية مجزّأة بعد وقوعه.
وإذا ما أُدير تعميق الروابط التجارية بمسؤولية، فقد يدعم تعافي سوريا ويتيح في الوقت ذاته فرصًا للشركات التركية. ولهذا ينبغي التعامل مع مخاطر حقوق الإنسان بجدية منذ البداية. فسوريا بحاجة إلى الاستثمار وإعادة الإعمار، لكن إعادة البناء بسرعة وإعادة البناء بمسؤولية ليستا هدفين متعارضين. وإذا كان للشركات التركية أن تصبح جزءًا من تعافي سوريا، فينبغي أن تكون المساءلة جزءًا لا يتجزأ من هذا الدور منذ البداية.
بقلم: اسماغول أكدنيز، متدرّبة قانونية، وحدة حقوق الإنسان والأعمال التجارية
