15 أبريل, 2026 | | هذا المنشور متوفر أيضاً باللغة : الإنجليزية

بعد أكثر من عقد من النزاع، تدخل سوريا مرحلة لم تعد فيها إعادة الإعمار احتمالاً بعيداً، بل واقعاً آخذاً في التبلور. تحمل المدن والبلدات في مختلف أنحاء البلاد آثار العنف الممتد والانهيار الاقتصادي. إن حجم الدمار هائل، يوازيه في ذلك الإلحاح الذي تفرضه عملية إعادة البناء. ومع ذلك، فإن إعادة الإعمار في سوريا ليست مجرد تحدٍّ تقني أو مالي، بل هي في جوهرها عملية سياسية واجتماعية ستشكّل مستقبل البلاد لعقود قادمة.
إعادة الإعمار لا تتعلق فقط باستعادة البنية التحتية؛ بل بإعادة تعريف العلاقة بين المواطنين، والمؤسسات، والاقتصاد. وإذا ما جرى التعامل معها من دون ضمانات كافية، فإنها قد تكرّس الأنماط ذاتها من الإقصاء، والفساد، والتجريد من الملكية، التي ساهمت في اندلاع الانتفاضة منذ البداية. ولهذا السبب، يجب أن تسترشد إعادة الإعمار في سوريا بنهج يتمحور حول حقوق الإنسان، يضع المساءلة، والشمول، وحماية الحقوق في صميم التعافي.
وتُبرز التجارب المقارنة حجم المخاطر. ففي العراق، قُوِّضت إعادة الإعمار بسبب الفساد وضعف الرقابة المؤسسية، مما أضعف ثقة الجمهور. وفي البوسنة والهرسك، عززت إعادة الإعمار الانقسامات الإثنية المتجذّرة في نُظم الحوكمة والملكية. وفي لبنان، أعطت إعادة التطوير الأولوية لمصالح النخب، ما أدى إلى الإقصاء وعدم المساواة. أما في أفغانستان، فقد أخفقت الاستثمارات واسعة النطاق في بناء مؤسسات خاضعة للمساءلة أو في تحقيق نتائج عادلة. وتشير هذه الحالات إلى درس ثابت: إن إعادة الإعمار التي تتجاهل الحقوق والحوكمة تخاطر بإعادة إنتاج عدم الاستقرار بدلاً من معالجته.
الخطر المركزي: حقوق السكن والأرض والملكية وسياسات إعادة الإعمار
في سوريا، تتركز المخاطر الأكثر إلحاحاً وتأثيراً في إعادة الإعمار حول حقوق السكن والأرض والملكية. فقد نزح ملايين السوريين، وخسر كثيرون منهم منازلهم أو أراضيهم أو الوثائق اللازمة لإثبات الملكية. وفي هذا السياق، فإن إعادة الإعمار من دون آليات واضحة للرد والتعويض تنطوي على خطر إضفاء الطابع الرسمي على التجريد من الملكية على نطاق واسع.
وتقدّم التطورات في دمشق تحذيراً بالغ الأهمية. فالإطار الذي أُرسِي بموجب المرسوم 66 يوضح كيف يمكن لإعادة التطوير أن تحول مناطق الملكية غير الرسمية إلى مناطق استثمارية منظّمة عبر أنظمة معقدة قائمة على المساهمة بالأسهم. وفي الممارسة العملية، ثبت أن هذه الأنظمة غير متاحة لكثير من السكان الأصليين، ولا سيما النازحين أو من يفتقرون إلى الوثائق. وهكذا، فإن ما يبدو تخطيطاً عمرانياً يمكن أن يعمل في الواقع كآلية لإعادة هيكلة علاقات الملكية على نحو يُقصي السكان السابقين.
كما تشير الخلافات الأحدث في جوبر والقابون إلى استمرار ديناميات مشابهة. فقد أثارت المقترحات الخاصة بإعادة تطوير هاتين المنطقتين المتضررتين بشدة مخاوف لدى السكان النازحين من أن تمضي إعادة الإعمار من دون ضمانات فعلية للعودة، أو الرد، أو التعويض العادل. كما تقدّمت عمليات التخطيط بقدر محدود من الشفافية، مما عزّز الانطباع بأن إعادة التطوير تعطي الأولوية للاستثمار واسع النطاق على حساب الحقوق الأصيلة للمجتمعات المتضررة.
وترتبط هذه الديناميات بأنماط أقدم وأكثر رسوخاً. ففي ظل الأسد، لم تُستخدم الأطر القانونية والتنظيمية لمجرد تنظيم التنمية الحضرية، بل أيضاً لبسط السيطرة على السكان والأراضي. فقد أتاحت القوانين إعادة تصنيف المناطق وإعادة تطويرها بطرق سهّلت الاستيلاء على الأراضي، وغالباً ما أثّرت في مجتمعات كانت أصلاً مهمّشة بسبب النزوح أو بسبب الانتماء السياسي المفترض.
وفي الوقت نفسه، امتنع نظام الأسد عن إضفاء الطابع الرسمي على الأحياء العشوائية الكبيرة التي توسعت مع النمو الحضري والهجرة. ونتيجة لذلك، ظلّت شرائح واسعة من السكان من دون حقوق ملكية آمنة أو اعتراف قانوني. وكانت هذه المناطق غالباً محرومة من الخدمات والحماية، مع بقائها خاضعة للسيطرة الإدارية والأمنية. وخلال النزاع، تكبّدت كثير من هذه المجتمعات كلفة غير متناسبة، ما عمّق هشاشتها أكثر فأكثر.
والأهم من ذلك، أن هذه الأنماط تعزّزت بفعل محدودية الشفافية وضعف الرقابة العامة. فدور محافظة دمشق في المشاريع المرتبطة بالمرسوم 66، وكذلك في عمليات التخطيط الأحدث في جوبر والقابون، اتّسم بتقييد الوصول إلى المعلومات، وغموض عمليات صنع القرار، وندرة الفرص المتاحة للمجتمعات المتضررة للمشاركة أو الاعتراض على خطط إعادة التطوير. وفي مثل هذه الظروف، تنطوي إعادة الإعمار على خطر ترسيخ ممارسات حوكمية يصبح فيها القانون أداة لا للتنمية الحضرية فحسب، بل أيضاً لإدارة السكان وترسيخ السيطرة الاقتصادية والسياسية.
ومن دون نهج يتمحور حول حقوق الإنسان، يُرجَّح أن تستمر هذه الديناميات، بما يرسّخ التجريد من الملكية، والإقصاء، وعدم المساواة في صميم أسس إعادة الإعمار نفسها.
إضافة إلى ذلك، تنطوي إعادة الإعمار على تدفقات مالية ضخمة، وعمليات شراء وتعاقد، وشراكات بين القطاعين العام والخاص. وفي السياقات التي تظل فيها المؤسسات ضعيفة أو غير شفافة، تكون هذه العمليات عرضة بشكل خاص للفساد واستحواذ النخب. وفي سوريا، حيث دأبت شبكات الأعمال المرتبطة بالنفوذ السياسي على تشكيل الحياة الاقتصادية، قد تؤدي إعادة الإعمار إلى ترسيخ هذه الديناميات ما لم تُعتمد ضمانات فعّالة.
والفساد في إعادة الإعمار ليس مجرد مسألة تقنية، بل له آثار مباشرة على حقوق الإنسان. فعندما تُحوَّل الموارد أو يُساء تخصيصها، تتقوّض قدرة الدولة على توفير الخدمات الأساسية، والرعاية الصحية، والتعليم، والسكن، والبنية التحتية. وبهذا المعنى، يصبح الفساد عائقاً أمام إعمال الحقوق الاقتصادية والاجتماعية.
كما قد تؤدي إعادة الإعمار إلى تعميق أوجه عدم المساواة. فقد تتركز الاستثمارات في مشاريع واسعة النطاق في مناطق مختارة، بينما تُهمَل المجتمعات الأكثر تضرراً من النزوح والدمار. ومن دون جهود متعمّدة لضمان تنمية شاملة، قد تفضي إعادة الإعمار إلى تعافٍ غير متكافئ، يخلق مناطق ظاهرة من إعادة التطوير إلى جانب استمرار التهميش.
ما الذي يتطلبه نهج تتمحور فيه إعادة الإعمار حول حقوق الإنسان؟
إن عملية إعادة إعمار تتمحور حول حقوق الإنسان تدمج المعايير الدولية لحقوق الإنسان في مسار التعافي الاقتصادي. وهي لا تنظر إلى إعادة الإعمار بوصفها غاية في حد ذاتها، بل باعتبارها وسيلة لبناء مجتمع أكثر عدلاً، وشمولاً، وخضوعاً للمساءلة.
وتُعد المشاركة عنصراً أساسياً. إذ يجب إشراك المجتمعات المتضررة من النزاع والنزوح بصورة فعلية في القرارات المتعلقة بإعادة التطوير، والسكن، والتخطيط الاقتصادي المحلي. ومن دون هذه المشاركة، قد تعكس إعادة الإعمار أولويات النخب السياسية والاقتصادية بدلاً من احتياجات السكان.
كما أن الشفافية والمساءلة لا تقلان أهمية. فعمليات الشراء المفتوحة، والسجلات العامة المتاحة، وآليات الرقابة المستقلة، كلها ضرورية لمنع الفساد وضمان استخدام موارد إعادة الإعمار بما يخدم المصلحة العامة. وهذا يتطلب أيضاً تعزيز المؤسسات القادرة على التحقيق في الانتهاكات وتسوية النزاعات.
وفي صميم أي استراتيجية إعادة إعمار ذات مصداقية يجب أن تكون حماية حقوق السكن والأرض والملكية. ويشمل ذلك آليات للرد، والتعويض، وتسوية النزاعات، تكون متاحة للسكان النازحين، بمن فيهم اللاجئون. ومن دون هذه الضمانات، قد تؤدي إعادة الإعمار إلى تثبيت أنماط التجريد من الملكية وتقويض فرص العودة والمصالحة.
كما أن دور القطاع الخاص مهم كذلك. إذ يتطلب ضمان سلوك تجاري مسؤول الالتزام بالمعايير الدولية، بما في ذلك المبادئ التوجيهية للأمم المتحدة بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان. ويعني ذلك إجراء العناية الواجبة في مجال حقوق الإنسان، ومعالجة الآثار السلبية المحتملة والفعلية على حقوق الإنسان.
إن إعادة الإعمار في سوريا ليست عملية محايدة أو تقنية بحتة. فهي تعكس اختيارات تتعلق بمن يستفيد، ومن يشارك، وحقوق من التي تُحمى. والأنماط الظاهرة بالفعل في دمشق، ولا سيما فيما يتعلق بحقوق السكن والأرض والملكية، تقدم تحذيراً واضحاً من الكيفية التي يمكن أن تُكرّس بها إعادة الإعمار الإقصاء إذا تُركت من دون ضوابط.
إن النهج الذي يتمحور حول حقوق الإنسان لا يقف في مواجهة إعادة الإعمار، بل هو شرط مسبق لنجاحها. فمن خلال ترسيخ مبادئ الشمول، والشفافية، والمساءلة، تمتلك سوريا فرصة ليس فقط لإعادة بناء ما دُمّر، بل أيضًا لإعادة تشكيل أسس الحوكمة والحياة الاقتصادية.
ولا يكمن التحدي فقط في إعادة بناء المدن، بل في ضمان أن تُسهم إعادة الإعمار في تحقيق العدالة، والعودة، والاستقرار طويل الأمد.
إعداد: إياد حميد، رئيس وحدة حقوق الإنسان والأعمال التجارية، البرنامج السوري للتطوير القانوني
