1 أبريل, 2026 | | هذا المنشور متوفر أيضاً باللغة : الإنجليزية

في شمال شرق سوريا، تحولت حراقات النفط، وهي آلات بدائية تُستخدم لتكرير النفط المستخرج وفصل مشتقاته، خلال سنوات الحرب من حلٍّ اضطراري لتأمين الوقود إلى اقتصادٍ موازٍ يُنتج تلوثاً مزمناً، ومخاطر صحية، وحوادث مهنية، وفي الوقت نفسه يُبقي على شبكة واسعة من سبل العيش لعائلات لا تملك خيارات أخرى.
وفي 8 شباط/فبراير 2026، أعلن وزير الطاقة السوري الإغلاق الدائم للحراقات النفطية في محافظة دير الزور، على أساس أنها تُشكّل نشاطاً غير مشروع خارج الأطر القانونية وتُسبب أضراراً بيئية وصحية جسيمة، مع التعهد بدراسة بدائل مهنية للعاملين فيها، وتوفير المشتقات النفطية عبر القنوات الرسمية.
نشوء حراقات النفط في اقتصاد الحرب
لم تنشأ حراقات النفط بوصفها خياراً اقتصادياً بقدر ما كانت استجابة مباشرة لغياب الدولة عن قطاع الطاقة. فقد تراجعت المصافي الرسمية أو توقفت عن العمل، وتوزعت السيطرة على الحقول النفطية بين جهات متعددة، بما في ذلك حقل العمر النفطي الذي ظهرت الحراقات على أطرافه. وفي الوقت نفسه، انهارت شبكات الكهرباء والتدفئة، وأصبح الوقود سلعة نادرة يصعب الوصول إليها. وفي هذا السياق، انتشرت الحراقات قرب الآبار وعلى امتداد الطرق، منتجةً وقودًا منخفض الجودة لكنه أرخص من المشتقات النفطية الرسمية حين كانت تتوافر، الأمر الذي جعله عملياً وقود الفقراء في كثير من القرى والبلدات.
غير أن هذا التوسع لم يأتِ من دون كلفة. فقد ارتبط تشغيل حراقات النفط بنمط إنتاج شديد الخطورة على البيئة والصحة العامة، بسبب الانبعاثات السامة وغياب الحد الأدنى من معايير السلامة، مع امتداد الآثار الضارة إلى التربة والزراعة، وإلى المياه المستخدمة للشرب والري، وإلى العمال المعرّضين للحروق والانفجارات والتلامس المطوّل مع الأبخرة السامة. وقد تفاقمت هذه الخطورة بفعل انتشار الحراقات قرب المناطق المأهولة، وبسبب اعتماد أعداد كبيرة من السكان عليها بوصفها مصدراً مباشراً أو غير مباشر للدخل.
قرار وزارة الطاقة السورية: دوافع بيئية وسيادية في لغة تنظيمية
جمع القرار الرسمي بين بُعدين، الأول بيئي وصحي، قدّم الحراقات النفطية بوصفها مصدراً مستمراً للتلوّث والخطر على السكان. والثاني سيادي وتنظيمي، ربط إغلاقها بإعادة ضبط قطاع النفط تحت إدارة رسمية موحّدة. وبهذا المعنى، لم يُصغ القرار باعتباره مجرد إجراء تقني يتعلق بالسلامة العامة، بل كذلك باعتباره خطوة لإزالة التكرير البدائي من هامش غير منظَّم وإعادته إلى إطار خاضع لسيطرة الدولة ومؤسساتها.
ومن الصعب فصل هذا التوجّه عن التحول الأوسع الذي شهده قطاع الطاقة في مطلع عام 2026، مع استعادة السلطات السورية السيطرة على عدد من الحقول والمنشآت النفطية في الشرق والشمال الشرقي، وبدء زيارات رسمية وعمليات تقييم وتأهيل في المواقع المستعادة. ومن ثمّ، يبدو قرار إغلاق الحراقات جزءاً من مسار أوسع يستهدف استعادة السيطرة على الموارد الطبيعية وإعادة تعريف الجهة التي تملك حق الإنتاج والتكرير والتوزيع داخل قطاع النفط السوري.
ردود الفعل المحلية وإحراق بعض حراقات النفط
كشفت ردود الفعل المحلية عن التناقض الجوهري في المسألة. فالناس يدركون حجم الضرر، لكنهم يخشون الفراغ الذي يخلّفه الإغلاق. وقد شهدت عدة مناطق احتجاجات، وقطعاً للطرق، وإحراقاً للإطارات رفضاً لوقف نشاط أصبح، على مدى سنوات، مصدراً للدخل وبديلاً لتأمين الوقود في آنٍ واحد.
ومن الناحية الاقتصادية، وثّقت شهادات محلية ارتفاعات سريعة في أسعار الوقود بعد بدء تنفيذ القرار، بما فرض ضغوطاً على التدفئة والنقل ورفع كلفة السلع. وفي بعض المناطق، تزامن ذلك مع رفع الدعم عن وقود المولدات، وبما أن كثيراً من المجتمعات كانت تعتمد أصلاً على المولدات الخاصة في ظل غياب كهرباء الدولة الموثوقة، فقد امتد أثر القرار البيئي سريعاً إلى وصول الناس إلى الكهرباء وغيرها من الخدمات الأساسية. وفي ريف دير الزور الغربي، اعترض سكان الجلامدة صهاريج النفط ومنعوها من المغادرة احتجاجاً على نقص الوقود وفقدان سبل العيش.
أما الجانب الأكثر خطورة فكان مسار الإنفاذ الأمني. فقد تحدثت تقارير صحفية عن مداهمات وإحراق أو تدمير بعض الحراقات في ريف دير الزور الشرقي، بما في ذلك مواقع في ذيبان والطيانة والجَرذي، بعد رفض المشغلين إيقافها. كما أشارت تقارير إلى تدمير أو تفجير حراقات في بادية جديد بكارة. والمفارقة أن تفكيكها بالقوة قد يُقلّل النشاط الملوِّث على المدى الطويل، لكنه في الوقت نفسه يحوّل التلوث إلى ذروة سامة، ويزيد من مخاطر التسرب والانفجار.
الموازنة بين الحق في بيئة صحية والحق في العمل والعيش الكريم
من منظور حقوق الإنسان، لا يمكن النظر إلى قرار إغلاق حراقات النفط البدائية بوصفه تدبيراً بيئياً صرفاً، لأنه يقع عند تقاطع عدة حقوق أساسية. فمن جهة، فإن مكافحة التلوث وحماية السكان من الانبعاثات السامة يتوافقان مع الحق في بيئة نظيفة وصحية ومستدامة. ومن جهة أخرى، أصبحت آلاف الأسر في المنطقة تعتمد مادياً على هذا النشاط خلال سنوات الحرب، بما يعني أن إغلاقه المفاجئ، من دون بدائل واضحة، لا يمسّ مصادر الدخل فحسب، بل يهدد أيضاً الحق في العمل والحق في مستوى معيشي لائق.
وعليه، فإن المشكلة لا تكمن في مبدأ الإغلاق ذاته، بل في الكيفية التي نُفّذ بها. فعندما تُفرض سياسة بيئية من دون تشاور مسبق مع المجتمعات المتأثرة، ومن دون معلومات واضحة عن البدائل، ومن دون تعويض أو تدريب أو حماية اجتماعية للعاملين، فإنها تكفّ عن أن تكون إجراءً إصلاحياً وتتحول إلى عبء اجتماعي جديد. كما أنها تمسّ حقوقاً أخرى لا تقل أهمية، مثل الحق في المشاركة، والحق في الوصول إلى المعلومات، والإنصاف في تحمّل كلفة التحول. ولهذا تبرز فكرة الانتقال العادل بوصفها الإطار الأوضح لمعالجة هذه المعضلة؛ أي إدارة التحول البيئي بطريقة تُقلّل الضرر، وتحمي العمال، وتوسّع الحماية الاجتماعية، وتعتمد على الحوار مع الفئات المتأثرة، بحيث لا تتحول حماية البيئة إلى ذريعة لإنتاج مزيد من الفقر والتهميش.
ما الذي يجب فعله؟ نحو مقاربة حكومية شاملة تراعي البيئة وحقوق الإنسان والأوضاع المعيشية
المطلوب هو الانتقال من الإنفاذ إلى الحوكمة. وهذا يعني، أولاً، وضع جدول زمني مرحلي للإغلاق، بالتوازي مع تسجيل العاملين والمنشآت، وتقييم المخاطر، وتفكيك الحراقات بطريقة آمنة تمنع إحراقها المفاجئ، وتحدّ من التسرب، وتبدأ بمعالجة التربة والمياه الملوثة حيثما كان ذلك ضرورياً.
وثانياً، يجب تأمين بدائل فورية للوقود، بكميات كافية للتدفئة والكهرباء والنقل، عبر القنوات الرسمية وبأسعار ميسورة، إلى جانب سياسة دعم مؤقتة وشفافة خلال أشهر الشتاء، بحيث لا يتحول القرار البيئي إلى أزمة خدمات وسبل عيش.
وثالثاً، لا بد من وضع برنامج انتقال عادل للعاملين والمستثمرين، يشمل فرص عمل ضمن سلاسل الإمداد الرسمية، وأعمال إزالة التلوث وتأهيل الأراضي، ومشروعات البنية التحتية للطاقة، إلى جانب تدريب مهني قصير الأجل. والأهم من ذلك، يجب الإعلان عن البديل في الوقت ذاته الذي يُعلن فيه الحظر، لا بعده، وأن يتم ذلك من خلال آليات تظلّم ومعايير واضحة تحمي حقوق العاملين وتحدّ من خسائر المستثمرين قدر الإمكان ضمن إطار سيادة القانون.
وفي المحصلة، فإن قرار الإغلاق، رغم مبرراته البيئية والصحية، يجب ألا يتحول إلى حكم بالدمار الاقتصادي على شريحة واسعة من المجتمع. المطلوب هو رؤية شاملة تربط العدالة البيئية بالعدالة الاجتماعية، وتوازن بين واجب الدولة في حماية الموارد والصحة العامة وواجبها في تأمين سبل عيش كريمة. ومن خلال هذا النهج وحده يمكن تحقيق تنمية مستدامة في دير الزور ومنطقة الجزيرة، بما يعود بالنفع على الإنسان والبيئة معاً.
بقلم: آلاء يونس، باحثة في وحدة حقوق الإنسان والأعمال التجارية
