13 فبراير, 2025 | | هذا المنشور متوفر أيضاً باللغة : الإنجليزية

مقدمة
بينما تعيد سوريا بناء نفسها وتعيد صياغة عقدها الاجتماعي، ينخرط السوريون من مختلف المواقع ووجهات النظر في نقاشات نشطة حول رؤيتهم لمستقبل البلاد. ويُعدّ النقاش بشأن كيفية التعامل الأمثل مع الجرائم الاقتصادية العديدة التي تفشّت خلال تاريخ سوريا أحد أبرز ميادين هذا الجدل. وتُظهر الحوارات المتداخلة بين مختلف أصحاب المصلحة وأصحاب الحقوق، وعبر موضوعات ومحاور متعددة، ملامح هذا التنازع وحدوده.
كما تكشف هذه النقاشات عن مسارات محتملة لمشاركة الضحايا في توجيه وصياغة مسار العدالة الانتقالية وبناء المعايير القانونية في سوريا. ويسعى البرنامج السوري للتطوير القانوني إلى مواءمة جهوده مع مجموعات الضحايا ومنظمات المجتمع المدني المحلية الراغبة في الانخراط في هذه اللحظة المفصلية. ومن خلال تقاريره وتحقيقاته وبرامجه التدريبية لبناء القدرات، يهدف البرنامج إلى تعزيز خطاب أعمق وموجّه نحو النتائج بين المجتمعات المتضررة وصنّاع القرار.
لقد جرى توثيق مدى وطبيعة الجرائم الاقتصادية خلال النزاع وتحت حكم نظام الأسد، بما في ذلك الإثراء غير المشروع والفساد والانتهاكات المرتبطة بالأعمال التجارية لحقوق الإنسان، توثيقًا واسعًا. غير أن السوريين يواجهون اليوم استحقاقًا يتمثل في تحديد كيفية التعامل مع هذا الماضي، وإحداث التغيير المؤسسي اللازم، وضمان عدم التكرار. كما تواجه الضحايا والمجتمعات المتضررة واقع التعامل مع الأضرار المتبقية أو المستمرة بالتوازي مع سعيها للمطالبة بحقوقها في جبر الضرر.
حوارات متداخلة بين أصحاب المصلحة
في 17 كانون الثاني/يناير 2026، استضاف منتدى سلامة كيلة الثقافي ندوة بعنوان: «العدالة الانتقالية… الاقتصاد كساحة انتهاك بحد ذاته». نُظّمت الفعالية بدايةً على شكل حوار مُدار بين ثلاثة متحدثين، قبل أن تتحول إلى نقاش تفاعلي مع الجمهور. وأسفر ذلك عن بروز طبقات متعددة ومتقاطعة من الحوار كشفت مجتمعةً عن مدى بقاء مسألة الجرائم الاقتصادية غير محسومة وخاضعة للتفاوض ضمن مشهد العدالة الانتقالية في سوريا.
ضمّ المشاركون طيفًا واسعًا من المجتمع السوري، بما في ذلك أفرادًا من مجتمعات متأثرة بالجرائم الاقتصادية، وناشطين وخبراء في المجتمع المدني، وأكاديميين وصحفيين، وممثلين عن الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية. وأكد هذا التنوع في الأصوات مركزية الجرائم الاقتصادية في التجربة المعيشية للسوريين، كما عكس غياب توافق حول كيفية معالجتها في المرحلة المقبلة.
وبرزت إحدى طبقات الحوار بين فاعلين وخبراء من المجتمع المدني من جهة، وممثلين عن الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية من جهة أخرى. إذ طرح أعضاء من الهيئة ممن حضروا الفعالية أسئلة على المتحدثين حول ملامح المقاربة «المثلى» للعدالة الاقتصادية والانتهاكات الاقتصادية ضمن إطار العدالة الانتقالية. وأشارت مداخلات الهيئة إلى استعداد للانصات مقرون باستمرار الانشغال بالتعقيد المفاهيمي والقانوني للجرائم الاقتصادية، بما في ذلك مسائل المسؤولية الجنائية، وإسناد المسؤولية، وأشكال جبر الضرر المناسبة.
ولم يقدّم المتحدثون إجابات حاسمة أو معايير واضحة لتحديد السلوكيات التي ينبغي أن تستتبع المساءلة أو الكيفية التي يجب أن تُصمَّم بها برامج التعويض. بل أبرز النقاش أن قضايا جوهرية — من قبيل تحديد الجناة، وتصنيف الانتهاكات، واختيار آليات المساءلة الملائمة — لا تزال مفتوحة ومحل جدل وتحتاج إلى مزيد من التفصيل.
كما أظهرت الفعالية طبقة ثانية من الجدل القائم، تجلّت في الإشارات إلى اتفاق التسوية بين محمد حمشو، أحد أبرز ممولي النظام السابق ورجال الأعمال المعروفين بسجل من الإثراء غير المشروع، وبين الهيئة الوطنية لمكافحة الكسب غير المشروع. وقد عُقدت الندوة بعد فترة وجيزة من الإعلان عن هذا الاتفاق؛ حيث أشار المشاركون صراحةً إليه وإلى التوضيحات اللاحقة الصادرة عن الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، والتي أكدت أن مثل هذه التسويات لا تحول دون الملاحقة أو المساءلة عن الجرائم الدولية أو تمويلها.
ويعكس ذلك إقرارًا ضمنيًا بأن العدالة الاقتصادية لا يجري التفاوض بشأنها فقط بين الدولة والمجتمع، بل أيضًا داخل مؤسسات الدولة ذاتها في ظل تداخل أو تنافس في الاختصاصات. وبذلك برزت كيفية التعامل مع منتهكي القوانين الاقتصادية المعروفين والموثقين كنقطة ارتكاز لمخاوف أوسع تتعلق بالانتقائية في المساءلة وحدود التسوية خلال المرحلة الانتقالية.
وأخيرًا، كشف النقاش عن حوار أوسع بين شرائح مختلفة من المواطنين السوريين، متأثر بانقسامات إقليمية واجتماعية-اقتصادية. إذ تساءل أحد المتحدثين عن سبب تركّز النقاش العام واهتمام العدالة الانتقالية بصورة غير متناسبة على دمشق، رغم الانتشار الواسع للجرائم الاقتصادية في مختلف أنحاء البلاد. وقد أتاح هذا التدخل مساحة للتفكير في كيفية تأثير الجغرافيا والطبقة الاجتماعية ومستوى الظهور الإعلامي على تحديد من تُركَّز أضرارهم ومن تُهمَّش تجاربهم.
وفي المحصلة، كشف هذا الطرح عن استعداد ملحوظ لدى الحضور للانخراط مستقبلًا في نقاش أكثر شمولًا وعمقًا حول تأثير الجرائم والانتهاكات الاقتصادية على السوريين خارج دمشق وعبر الفوارق الاجتماعية والاقتصادية.
مجتمعةً، تُظهر هذه الحوارات المتداخلة أن الجرائم الاقتصادية تحتل موقعًا متنازعًا بعمق في السياق الانتقالي الحالي. فبدلًا من التوافق على سردية واحدة أو حلّ واحد، ينخرط أصحاب المصلحة في مفاوضة نشطة حول المعاني والأولويات وحدود العدالة.
دور البرنامج السوري للتطوير القانوني
غالبًا ما تكون مثل هذه المساحات المتنازع عليها ساحات يمكن للفاعلين المُمكَّنين التأثير في مآلاتها. ومن الأهمية بمكان أن يضطلع الضحايا والمجتمعات المتضررة وغيرهم من أصحاب الحقوق بدور قيادي في التأثير على مقاربة منظومة العدالة الانتقالية للجرائم الاقتصادية.
يؤدي البرنامج السوري للتطوير القانوني دورًا تسهيليًا مقصودًا، يرتكز على سؤال مفاده: أين وكيف يمكن الدفع نحو تغيير يتمحور حول الضحايا بصورة واقعية خلال فترة يشوبها تحوّل مؤسسي؟ ففي لحظات احتدام الجدل، تتموضع منظمات مثل البرنامج في موقع يتيح لها ردم الفجوات بين الضحايا وخبراء المجتمع المدني والمؤسسات الناشئة، عبر تعزيز شروط المشاركة المستنيرة والمُمكِّنة.
وبينما تواصل المجتمعات المتضررة التعامل مع الأعباء المادية والنفسية والعاطفية لإعادة بناء حياتها، يكرّس البرنامج اهتمامًا مستدامًا لرصد التطورات القانونية، وتحليل الآثار القانونية للقرارات السياساتية، ومتابعة تطوّر آليات العدالة الانتقالية.
ويمكّن هذا الانخراط المتخصص البرنامج، وغيره من المنظمات غير الحكومية ذات الصلة، من ترجمة العمليات القانونية والمؤسسية المعقدة إلى معرفة ميسّرة يمكن تقاسمها مع الضحايا والفاعلين المحليين، بما يدعم قدرتهم على ممارسة دورهم الفاعل والمطالبة بالنتائج التي يسعون إليها.
وعلى وجه الخصوص، يشكّل الحوار الناشئ بين المجتمع المدني والمجتمعات المتضررة وهيئات مثل الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية مساحة واعدة لتعزيز مقاربات تتمحور حول الضحايا في معالجة الجرائم الاقتصادية، لا سيما في ضوء قيام الهيئة بدعوة المواطنين السوريين مباشرةً لتقديم رؤاهم بشأن الأسئلة المعقدة المتعلقة بالعدالة عن الجرائم والانتهاكات الاقتصادية.
فعندما يُمكَّن أفراد المجتمع من الإجابة عن هذه الأسئلة، ويُحاطون علمًا بأحدث التطورات، ويكونون مطلعين على المعايير القانونية الدولية والسياقات المقارنة، فإن سوريا والسوريين يستفيدون من أطر عدالة أكثر شمولًا وتمثيلًا.
يمكن النظر إلى المرحلة الانتقالية في سوريا بوصفها لحظة مفاوضات على مستوى الوطن بأسره. ولكي تُفضي هذه المفاوضات إلى أفضل النتائج الممكنة للمجتمعات المتضررة والضحايا، ينبغي أن يكون الضحايا حاضرين على طاولة التفاوض ومُمكَّنين من المناصرة من أجل الوقائع والخيارات والمسارات التي يتصورونها.
بقلم:
سمية داغستاني
متدربة قانونية في وحدة حقوق الإنسان والأعمال التجارية
مرشحة لنيل درجة الدكتوراه في القانون (J.D.)، كلية الحقوق بجامعة هارفارد
