1 يونيو, 2026 | | هذا المنشور متوفر أيضاً باللغة : الإنجليزية

مع الانفتاح الاقتصادي التدريجي في سوريا، بدأت شركات إقليمية عديدة تنظر باهتمام متزايد إلى الفرص المتاحة في قطاعات البناء، والبنية التحتية، والاتصالات، والنقل، والخدمات اللوجستية، والطاقة، والعقارات. وبالنسبة لكثير من هذه الشركات، تبدو سوريا سوقاً واعدة في مرحلة ما بعد النزاع، خصوصاً في ظل الحاجة الكبيرة إلى إعادة الإعمار والتنمية على المدى الطويل. لكن سوريا ليست بيئة استثمارية تقليدية. فسنوات الحرب، والنزوح، وتراجع مؤسسات الدولة، والتفكك الاقتصادي، جعلت أي نشاط اقتصادي يرتبط بشكل مباشر بقضايا أوسع تتعلق بحقوق الإنسان، والحوكمة، والاستقرار الاجتماعي. وهذا يضع أمام الشركات الإقليمية فرصاً مهمة، لكنه يفرض عليها أيضاً مسؤوليات ومخاطر حقيقية.
وتُظهر تجارب دول خرجت من نزاعات، مثل العراق ولبنان والبوسنة والهرسك، أن إعادة الإعمار قد تتحول أحياناً إلى عامل يزيد من عدم الاستقرار عندما تتحرك الاستثمارات بسرعة أكبر من الإصلاحات القانونية والمؤسساتية المطلوبة. ففي كثير من الحالات، ساهمت مشاريع إعادة الإعمار غير المنظمة في انتشار الفساد، واستغلال العمال، والإضرار بالبيئة، وتهميش المجتمعات المتضررة. ومن المهم أن تتجنب الشركات العاملة في سوريا تكرار هذه التجارب.
ومن هنا، تصبح العناية الواجبة في مجال حقوق الإنسان خطوة أساسية لأي شركة تفكر بدخول السوق السورية. فالشركات بحاجة إلى التدقيق في الجهات التي تتعامل معها، وفهم تأثير مشاريعها على المجتمعات المحلية، والتأكد من أن أعمالها لا تسهم في التهجير أو الاستغلال أو الإقصاء. فقد غيّرت سنوات الحرب الكثير من هياكل الملكية، وسلاسل التوريد، وموازين القوى الاقتصادية المحلية. ومن دون تقييم حقيقي للمخاطر، قد تجد الشركات نفسها لاحقاً أمام تبعات قانونية أو مالية أو تشغيلية أو حتى أضرار كبيرة على مستوى السمعة.
وتبقى قضايا السكن والأرض والملكية من أكثر الملفات حساسية في سوريا اليوم. فما يزال ملايين السوريين نازحين داخل البلاد وخارجها، بينما يواجه كثيرون نزاعات ملكية معقّدة، أو فقداناً للوثائق، أو سجلات عقارية متضررة. لذلك، ينبغي على الشركات العاملة في مشاريع الإسكان أو إعادة التطوير العمراني أو البنية التحتية أن تضمن عدم مساهمة مشاريعها في تهجير إضافي أو في حرمان الناس من العودة إلى منازلهم ومناطقهم. كما أن الشفافية والتشاور مع المجتمعات المحلية لا يمثلان فقط التزاماً حقوقياً، بل يشكلان أيضاً حماية للشركات نفسها من النزاعات والمخاطر المستقبلية.
كما يجب النظر إلى حقوق العمال باعتبارها جزءاً أساسياً من أي عملية إعادة إعمار حقيقية. فقد أدّى الانهيار الاقتصادي في سوريا إلى زيادة هشاشة العمال وتراجع ظروفهم المعيشية. وربما تستطيع بعض الشركات تحقيق أرباح سريعة عبر الاعتماد على أجور متدنية أو ظروف عمل غير آمنة أو عمالة غير منظمة، لكن ذلك يحمل في المقابل مخاطر كبيرة على المدى البعيد، سواء على مستوى السمعة أو الاستقرار والاستدامة. أما الشركات التي تستثمر في الأجور العادلة، وتحسين ظروف العمل، وخلق فرص حقيقية للعمالة المحلية، فستكون أكثر قدرة على بناء الثقة وتحقيق استقرار طويل الأمد.
ولا تقل المسؤولية البيئية أهمية عن ذلك. فالحرب خلّفت وراءها تحديات بيئية وصحية خطيرة، من التلوث إلى تضرر البنية التحتية، وصولاً إلى الإدارة غير الآمنة للأنقاض والنفايات. ولهذا، فإن الشركات التي تراعي المعايير البيئية وتدمج إجراءات الحماية ضمن مشاريعها ستكون أقل عرضة للتوترات المجتمعية والمخاطر التنظيمية مستقبلاً.
ومن المهم التأكيد على أن الالتزام بالممارسات التجارية المسؤولة لا ينبغي اعتباره عائقاً أمام الاستثمار أو سبباً لتأخير المشاريع. ففي بيئات ما بعد النزاع، أصبحت هذه الممارسات جزءاً أساسياً من نجاح الأعمال واستدامتها. فالشركات التي ترتبط بالشفافية، والشراكات المسؤولة، وحماية العمال، والتواصل مع المجتمعات المحلية، ستكون أكثر قدرة على جذب الشركاء الدوليين، والحفاظ على مصداقيتها، والتكيف مع أي تغيّرات قانونية أو تنظيمية في المستقبل.
إن إعادة إعمار سوريا لن تحدد فقط شكل الاقتصاد، بل ستساهم أيضاً في رسم مستقبل المجتمع السوري لعقود قادمة. ولذلك، فإن الشركات التي تدخل السوق السورية اليوم ليست مجرد جهات تجارية، بل أطراف فاعلة في مرحلة حساسة من تعافي البلاد. فالشركات التي تتجاهل مخاطر حقوق الإنسان قد تسهم، بشكل مباشر أو غير مباشر، في إعادة إنتاج أسباب عدم الاستقرار، كما قد تعرّض نفسها لعواقب قانونية وسياسية كبيرة. أما الشركات التي تتبنى نهجاً أكثر مسؤولية واحتراماً للمجتمعات المحلية، فستكون الأقدر على تحقيق الاستدامة والنجاح على المدى الطويل في الاقتصاد السوري المتغيّر.
بقلم: إياد حميد
مدير وحدة حقوق الإنسان والأعمال التجارية – البرنامج السوري للتطوير القانوني (SLDP)
