27 يوليو, 2026 | | هذا المنشور متوفر أيضاً باللغة : الإنجليزية

جاءت زيارة المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان للنازحين إلى سوريا، التي جرت بين 10 و21 تموز/يوليو 2026، في مرحلة مفصلية من مسار الانتقال السياسي في البلاد.
ففي حين أعاد سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024 إحياء الآمال بإمكانية العودة وإعادة الإعمار، لا يزال النزوح الداخلي أحد أكثر التحديات تعقيداً في سوريا. فما زالت آلاف الأسر تواجه واقعاً يتداخل فيه انعدام الأمن، ودمار المساكن، وتعقيدات استعادة حقوق السكن والأرض والملكية، وفقدان الوثائق المدنية، وغياب الضمانات القانونية الكفيلة بتمكينها من العودة بصورة طوعية وآمنة وكريمة.
وفي الوقت نفسه، أظهرت أعمال العنف التي شهدها الساحل السوري والسويداء ومناطق أخرى منذ مطلع عام 2025 أن النزوح الداخلي لم يعد مجرد إرث خلّفه النظام السابق، بل أصبح أيضاً نتيجة للتحديات والانتهاكات التي رافقت المرحلة الانتقالية نفسها. ومن ثم، لم يعد ممكناً التعامل مع النزوح باعتباره قضية إنسانية تقتصر على توفير المساعدات الطارئة، بل بات يشكل أحد الملفات الجوهرية التي ينبغي أن تتصدر جهود العدالة الانتقالية وبناء دولة القانون.
وقد أظهرت اللقاءات التي عُقدت مع المجتمعات المتضررة في مختلف المحافظات السورية أن واقع النزوح يختلف من منطقة إلى أخرى، إلا أن القاسم المشترك بينها هو غياب استجابة وطنية شاملة. ففي دمشق، ما تزال المجتمعات المتضررة من مشاريع إعادة التنظيم العمراني التي أُطلقت في عهد النظام السابق تطعن في نماذج التعويض واسترداد الحقوق، معتبرة أنها لا تعكس حجم الانتهاكات التي تعرضت لها. وفي المقابل، لا تزال العديد من الأسر الكردية النازحة عاجزة عن استعادة منازلها في عفرين وتل أبيض ورأس العين، كما لا يزال كثير من النازحين غير قادرين على العودة إلى مناطقهم في الساحل والسويداء، في ظل غياب سياسة وطنية قادرة على معالجة مختلف أوضاع النزوح في البلاد.
وتؤكد هذه الوقائع أن النزوح في سوريا لا يمكن اختزاله في قضية إنسانية تتطلب تقديم المساعدات، بل يعكس تداخلاً معقداً بين حقوق السكن والأرض والملكية، والعدالة، والمساءلة، والمشاركة المجتمعية، والسلم الأهلي، والإصلاح القانوني. ومن ثم، فإن معالجته تستوجب اعتماد استجابة وطنية شاملة، تقوم على حقوق الإنسان، وتعالج مختلف الأبعاد القانونية والمؤسسية المرتبطة بالنزوح.
وتوفر زيارة المقررة الخاصة فرصة مهمة ينبغي البناء عليها لتطوير إطار وطني تشريعي وسياساتي متكامل لمعالجة النزوح الداخلي. وينبغي ألا يقتصر هذا الإطار على تشجيع العودة، بل أن يتبنى نهجاً قائماً على الحقوق، يعالج أسباب النزوح، ويحول دون تكراره، ويضمن استجابات فعالة عندما يقع.
الفجوة التشريعية: الحاجة إلى استجابة قبل النزوح وبعده
غالباً ما يُنظر إلى النزوح الداخلي في سوريا باعتباره أحد أبرز نتائج النزاع المسلح وسياسات النظام السابق. إلا أن التطورات التي شهدتها البلاد خلال عامي 2025 و2026، إلى جانب استمرار آثار النزوح، تؤكد أن هذه الظاهرة لم تعد مجرد إرثاً تاريخياً، بل تحدياً مستمراً يفرض نفسه خلال المرحلة الانتقالية.
وفي ظل غياب إطار وطني شامل، يضطر النازحون إلى التعامل مع إجراءات قانونية متفرقة لا تعالج الترابط بين مختلف الآثار القانونية والاجتماعية والاقتصادية المترتبة على النزوح.
كما أن استمرار جهود إعادة الإعمار أو اعتماد سياسات للعودة دون وجود إطار وطني واضح ينظمها، قد يؤدي إلى تكريس أنماط الإقصاء والحرمان من الحقوق، بدلاً من توفير حلول مستدامة للنازحين ومعالجة الأسباب التي أدت إلى نزوحهم.
وقد أرست المعايير الدولية الخاصة بالنزوح الداخلي إطاراً متكاملاً لمعالجة هذه القضية، يستند إلى ثلاثة مراجع رئيسية هي:
المبادئ التوجيهية للأمم المتحدة بشأن النزوح الداخلي.
إطار اللجنة الدائمة المشتركة بين الوكالات بشأن الحلول الدائمة للنازحين.
مبادئ بينهيرو بشأن رد المساكن والأراضي والممتلكات للاجئين والنازحين.
وتشكل هذه المرجعيات الأساس القانوني الدولي لمنع النزوح التعسفي، وحماية النازحين أثناء نزوحهم، وتمكينهم من الوصول إلى حلول مستدامة تستند إلى حقوق الإنسان.
الوقاية من النزوح وضمانات عدم التكرار: نحو إطار وطني أكثر شمولاً
يمثل اعتماد إطار وطني يستند إلى حقوق الإنسان، ولا سيما المبادئ التوجيهية للأمم المتحدة بشأن النزوح الداخلي، نقطة الانطلاق لأي سياسة وطنية فعالة لمعالجة النزوح. ورغم أن هذه المبادئ تُلزم الدول بمنع النزوح التعسفي، فإنها لا تقدم تصوراً تفصيلياً للآليات الوطنية والمؤسسية اللازمة لترجمة هذا الالتزام إلى إجراءات عملية.
ومن هنا، لا ينبغي أن يقتصر الإطار الوطني على تنظيم الاستجابة للنزوح بعد وقوعه، بل يجب أن يهدف، في المقام الأول، إلى منع حدوثه. فبينما تركز معظم التشريعات الوطنية الخاصة بالنزوح في دول أخرى على توفير الحماية والمساعدة للنازحين بعد نزوحهم، تظل النماذج التي تعالج الوقاية من النزوح محدودة للغاية. وتمثل هذه الفجوة فرصة أمام سوريا لتبني مقاربة أكثر تطوراً، تجعل من الوقاية وضمانات عدم التكرار الركيزتين الأساسيتين لأي سياسة وطنية للنزوح.
ويتطلب ذلك إخضاع أي قرار تشريعي أو إداري أو أمني أو عسكري قد يؤدي إلى النزوح، أو يفاقم مخاطره، لتقييم مسبق يحدد مدى توافقه مع المعايير الوطنية والدولية الخاصة بحماية النازحين. ومن شأن هذه الآلية أن تحول الالتزامات الواردة في المبادئ التوجيهية للأمم المتحدة إلى إجراءات مؤسسية ملزمة، تضمن مراعاة آثار القرارات الحكومية قبل اعتمادها، لا بعد وقوع الانتهاكات.
ويمكن أن يشمل هذا التقييم، على سبيل المثال، مشاريع إعادة الإعمار، ومخططات التنظيم العمراني، والعمليات العسكرية، والتدابير الأمنية، ومشاريع البنية التحتية واسعة النطاق، متى كان من شأنها التسبب في نزوح جديد أو إعاقة عودة النازحين.
وتبرز أهمية هذا النهج في ضوء الجدل الذي أثير حول مقترحات إعادة الإعمار في جوبر والقابون، حيث أعرب عدد من السكان عن مخاوفهم من أن تؤدي نماذج التعويض المطروحة إلى تكريس موجة جديدة من الحرمان من الملكية، من خلال تحميل السكان المتضررين جزءاً من كلفة إعادة الإعمار على حساب حقوقهم في ممتلكاتهم. ولو كانت هناك آلية وطنية لتقييم أثر هذه المشاريع على النزوح، لأمكن إخضاعها لمراجعة مستقلة قبل اعتمادها، للتحقق من توافقها مع المعايير الدولية، ومدى إشراك المجتمعات المتضررة في إعدادها، وإمكانية اعتماد بدائل أكثر انسجاماً مع حق النازحين في العودة الطوعية والآمنة.
ولا ينبغي أن تتولى الجهة صاحبة المشروع أو القرار إجراء هذا التقييم بنفسها، بل يجب أن تخضع قراراتها لرقابة جهة مستقلة، مثل هيئة وطنية مستقلة، أو البرلمان، أو القضاء، أو المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان، أو أي جهة رقابية أخرى يحددها القانون. وبحسب النموذج الذي ستتبناه الدولة، يمكن منح هذه الجهات صلاحية إصدار قرارات ملزمة، أو طلب تعديل المشاريع، أو وقف تنفيذها مؤقتاً لحين استكمال المراجعة، أو إصدار آراء استشارية بشأن آثارها المحتملة على النزوح.
ومن شأن إرساء مثل هذه الضمانات المؤسسية أن ينقل التعامل مع النزوح من مرحلة الاستجابة اللاحقة للانتهاكات إلى مرحلة الوقاية منها، بما يضمن إدماج مخاطر النزوح في عملية صنع القرار قبل اعتماد أي سياسات أو إجراءات حكومية.
وبذلك، لا تكتفي سوريا بتطبيق الالتزامات الدولية المتعلقة بمنع النزوح، بل تمتلك فرصة لتطوير أحد أوائل الأطر الوطنية التي تجعل الوقاية من النزوح وضمانات عدم التكرار محوراً رئيسياً لسياستها الوطنية، متجاوزةً بذلك المقاربة الإنسانية التقليدية التي تركز على الاستجابة بعد وقوع النزوح فقط.
معالجة انتهاكات حقوق السكن والأرض والملكية بعد النزوح
عندما يقع النزوح، فإن غياب التخطيط الوطني والإطار القانوني الشامل لا يؤدي إلى إطالة أمده فحسب، بل يفاقم أيضاً أوضاع النازحين ويُنتج انتهاكات جديدة لحقوقهم.
وفي السياق السوري، تبرز حقوق السكن والأرض والملكية بوصفها إحدى أكثر القضايا إلحاحاً خلال المرحلة الانتقالية. فقد أرست قواعد القانون الدولي إطاراً متكاملاً لمعالجة هذه الحقوق في حالات النزوح واسعة النطاق، ولا سيما عندما تتقاطع مع سياسات إعادة الإعمار، والتنظيم العمراني، ورد الممتلكات، وما يرافقها من تعقيدات قانونية وعملية.
وفي ظل غياب إطار وطني متكامل، ينبغي أن تسترشد السلطات السورية بهذه المعايير الدولية عند وضع التشريعات والسياسات المستقبلية. فالإطار الوطني المنشود لا ينبغي أن يقتصر على معالجة آثار النزوح بعد وقوعه، بل يجب أن يجمع بين الوقاية من النزوح والاستجابة لآثاره، بما يسهم في منع الانتهاكات مستقبلاً، ويمنح ضمانات عدم التكرار مضموناً عملياً.
وتتجلى أهمية ذلك في الإرث الذي خلفته مشاريع إعادة التنظيم العمراني التي أُطلقت بموجب المرسوم رقم 66، وفي مقدمتها مشروع ماروتا سيتي. فقد عبّرت المجتمعات المتضررة، خلال لقاءاتها مع المقررة الخاصة، عن مخاوفها من أن تكون آليات التعويض وتقاسم الأسهم قد جعلت استرداد الممتلكات أمراً شبه مستحيل، من دون أن توفر بديلاً يعكس حجم الضرر الذي لحق بأصحاب الحقوق.
وفي هذا السياق، توفر مبادئ بينهيرو إطاراً مرجعياً بالغ الأهمية، إذ تؤكد أن رد الممتلكات يظل الأصل، بينما يبقى التعويض استثناءً لا يُلجأ إليه إلا عندما يصبح رد الحق متعذراً فعلياً، أو عندما يقبل صاحب الحق التعويض بحرية وبإرادة كاملة.
وتكتسب هذه المبادئ أهمية خاصة في سوريا، حيث لا يزال كثير من النازحين يواجهون عقبات تحول دون استعادة منازلهم وأراضيهم وممتلكاتهم، نتيجة الدمار، أو فقدان الوثائق، أو إشغال الغير للعقارات، أو النزاعات المتعلقة بالملكية، أو آثار التشريعات والسياسات التمييزية، فضلاً عن الادعاءات الأخيرة المتعلقة بعمليات إخلاء وتهجير ارتبطت ببعض مشاريع إعادة الإعمار.
ولا تقتصر أهمية مبادئ بينهيرو على تحديد أولوية رد الممتلكات، بل تضع أيضاً مجموعة من الضمانات الإجرائية التي ينبغي أن يستند إليها أي إطار وطني مستقبلي. وتشمل هذه الضمانات إنشاء آليات مستقلة وسهلة الوصول للنظر في طلبات رد الممتلكات، وضمان المساواة بين النساء والرجال في استعادة حقوقهم، والاعتراف بمختلف أشكال الحيازة والملكية، بما في ذلك الحالات التي فُقدت فيها الوثائق أو أُتلفت، إضافة إلى ضمان حق المتضررين في اللجوء إلى القضاء والطعن في القرارات التي تمس حقوقهم.
ولا يمكن لأي عملية لرد الحقوق أن تحقق أهدافها من دون مشاركة فعلية للمجتمعات المتضررة. فقد أكدت منظمات المجتمع المدني، خلال المشاورات، ضرورة إشراك النازحين في تصميم سياسات إعادة الإعمار والتنظيم العمراني، باعتبارهم أصحاب مصلحة مباشرين في القرارات التي تمس مساكنهم وأراضيهم وممتلكاتهم. ولا تقتصر أهمية هذه المشاركة على تعزيز شرعية القرارات، بل تشكل أيضاً عاملاً أساسياً في إعادة بناء الثقة، وتهيئة الظروف اللازمة للوصول إلى حلول مستدامة.
وعند الجمع بين آليات الوقاية من النزوح، من خلال تقييم أثر السياسات والقرارات على احتمالات حدوثه، وبين قواعد رد الحقوق التي أرستها مبادئ بينهيرو، يصبح بالإمكان تطوير إطار وطني يعالج جانبي القضية في آن واحد: منع النزوح مستقبلاً، ومعالجة الآثار القانونية والحقوقية للنزوح القائم بما يتيح الوصول إلى حلول مستدامة قائمة على الحقوق.
الخاتمة
كشفت زيارة المقررة الخاصة للأمم المتحدة إلى سوريا أن قضية النزوح لم تعد تقتصر على معالجة آثار الانتهاكات التي وقعت في الماضي، بل أصبحت تتطلب رؤية وطنية قادرة على الاستجابة للتحديات التي ما تزال تُنتج موجات جديدة من النزوح خلال المرحلة الانتقالية.
وتؤكد المشاورات التي أُجريت مع منظمات المجتمع المدني والمجتمعات المتضررة أن غياب إطار وطني شامل لا ينعكس على أوضاع النازحين فحسب، بل يحد أيضاً من قدرة الدولة على بناء سياسات عادلة ومستدامة في مجالات إعادة الإعمار، ورد الحقوق، والعدالة الانتقالية، والسلم الأهلي.
وتوفر المعايير الدولية، وفي مقدمتها المبادئ التوجيهية للأمم المتحدة بشأن النزوح الداخلي، وإطار اللجنة الدائمة المشتركة بين الوكالات للحلول الدائمة، ومبادئ بينهيرو، أساساً قانونياً متيناً يمكن البناء عليه عند إعداد هذا الإطار الوطني. غير أن القيمة الحقيقية لأي إطار لن تكمن في استنساخ هذه المعايير، بل في ترجمتها إلى مؤسسات وتشريعات وإجراءات عملية قادرة على الاستجابة للواقع السوري.
كما تمثل المرحلة الانتقالية فرصة لإرساء مقاربة أكثر تقدماً في التعامل مع النزوح، لا تقتصر على حماية النازحين بعد وقوع الانتهاكات، بل تجعل الوقاية من النزوح وضمانات عدم التكرار جزءاً أساسياً من عملية صنع القرار. فمن خلال إخضاع السياسات والتشريعات والمشاريع التي قد تؤدي إلى النزوح لتقييم مسبق، يمكن الحد من مخاطر إنتاج موجات جديدة من التهجير، قبل أن تتحول إلى واقع يصعب معالجته.
وفي الوقت ذاته، ينبغي أن يترافق ذلك مع إطار واضح لمعالجة انتهاكات حقوق السكن والأرض والملكية، يضع رد الحقوق في مقدمة الحلول، ويضمن اللجوء إلى التعويض فقط عندما يكون رد الممتلكات متعذراً فعلاً، وبما يتوافق مع المعايير الدولية.
وأخيراً، لا يمكن لأي سياسة وطنية أن تحقق حلولاً مستدامة من دون مشاركة فعلية للمجتمعات المتضررة في صياغتها وتنفيذها. فإشراك النازحين ومنظمات المجتمع المدني في تصميم السياسات لا يعزز مشروعيتها فحسب، بل يشكل أيضاً شرطاً أساسياً لإعادة بناء الثقة بين المواطنين والدولة، ودعم مسار العدالة الانتقالية، ومنع تكرار الانتهاكات مستقبلاً.
وتوفر زيارة المقررة الخاصة فرصة مهمة ينبغي استثمارها لإطلاق حوار وطني حول مستقبل سياسة النزوح في سوريا. فاعتماد إطار وطني شامل، قائم على الحقوق، لا يمثل استجابة لالتزامات سوريا الدولية فحسب، بل يشكل أيضاً خطوة أساسية نحو تحقيق حلول مستدامة، وتعزيز سيادة القانون، وبناء سلام عادل ودائم.
