إغلاق حراقات النفط في دير الزور: بين حماية البيئة والحق في سبل العيش

1 أبريل, 2026    |      |    هذا المنشور متوفر أيضاً باللغة : الإنجليزية

في شمال شرق سوريا، تحولت حراقات النفط، وهي آلات بدائية تُستخدم لتكرير النفط المستخرج وفصل مشتقاته، خلال سنوات الحرب من حلٍّ اضطراري لتأمين الوقود إلى اقتصادٍ موازٍ يُنتج تلوثاً مزمناً، ومخاطر صحية، وحوادث مهنية، وفي الوقت نفسه يُبقي على شبكة واسعة من سبل العيش لعائلات لا تملك خيارات أخرى.

وفي 8 شباط/فبراير 2026، أعلن وزير الطاقة السوري الإغلاق الدائم للحراقات النفطية في محافظة دير الزور، على أساس أنها تُشكّل نشاطاً غير مشروع خارج الأطر القانونية وتُسبب أضراراً بيئية وصحية جسيمة، مع التعهد بدراسة بدائل مهنية للعاملين فيها، وتوفير المشتقات النفطية عبر القنوات الرسمية.

نشوء حراقات النفط في اقتصاد الحرب

لم تنشأ حراقات النفط بوصفها خياراً اقتصادياً بقدر ما كانت استجابة مباشرة لغياب الدولة عن قطاع الطاقة. فقد تراجعت المصافي الرسمية أو توقفت عن العمل، وتوزعت السيطرة على الحقول النفطية بين جهات متعددة، بما في ذلك حقل العمر النفطي الذي ظهرت الحراقات على أطرافه. وفي الوقت نفسه، انهارت شبكات الكهرباء والتدفئة، وأصبح الوقود سلعة نادرة يصعب الوصول إليها. وفي هذا السياق، انتشرت الحراقات قرب الآبار وعلى امتداد الطرق، منتجةً وقودًا منخفض الجودة لكنه أرخص من المشتقات النفطية الرسمية حين كانت تتوافر، الأمر الذي جعله عملياً وقود الفقراء في كثير من القرى والبلدات.

غير أن هذا التوسع لم يأتِ من دون كلفة. فقد ارتبط تشغيل حراقات النفط بنمط إنتاج شديد الخطورة على البيئة والصحة العامة، بسبب الانبعاثات السامة وغياب الحد الأدنى من معايير السلامة، مع امتداد الآثار الضارة إلى التربة والزراعة، وإلى المياه المستخدمة للشرب والري، وإلى العمال المعرّضين للحروق والانفجارات والتلامس المطوّل مع الأبخرة السامة. وقد تفاقمت هذه الخطورة بفعل انتشار الحراقات قرب المناطق المأهولة، وبسبب اعتماد أعداد كبيرة من السكان عليها بوصفها مصدراً مباشراً أو غير مباشر للدخل.

قرار وزارة الطاقة السورية: دوافع بيئية وسيادية في لغة تنظيمية

جمع القرار الرسمي بين بُعدين، الأول بيئي وصحي، قدّم الحراقات النفطية بوصفها مصدراً مستمراً للتلوّث والخطر على السكان. والثاني سيادي وتنظيمي، ربط إغلاقها بإعادة ضبط قطاع النفط تحت إدارة رسمية موحّدة. وبهذا المعنى، لم يُصغ القرار باعتباره مجرد إجراء تقني يتعلق بالسلامة العامة، بل كذلك باعتباره خطوة لإزالة التكرير البدائي من هامش غير منظَّم وإعادته إلى إطار خاضع لسيطرة الدولة ومؤسساتها.

ومن الصعب فصل هذا التوجّه عن التحول الأوسع الذي شهده قطاع الطاقة في مطلع عام 2026، مع استعادة السلطات السورية السيطرة على عدد من الحقول والمنشآت النفطية في الشرق والشمال الشرقي، وبدء زيارات رسمية وعمليات تقييم وتأهيل في المواقع المستعادة. ومن ثمّ، يبدو قرار إغلاق الحراقات جزءاً من مسار أوسع يستهدف استعادة السيطرة على الموارد الطبيعية وإعادة تعريف الجهة التي تملك حق الإنتاج والتكرير والتوزيع داخل قطاع النفط السوري.

ردود الفعل المحلية وإحراق بعض حراقات النفط

كشفت ردود الفعل المحلية عن التناقض الجوهري في المسألة. فالناس يدركون حجم الضرر، لكنهم يخشون الفراغ الذي يخلّفه الإغلاق. وقد شهدت عدة مناطق احتجاجات، وقطعاً للطرق، وإحراقاً للإطارات رفضاً لوقف نشاط أصبح، على مدى سنوات، مصدراً للدخل وبديلاً لتأمين الوقود في آنٍ واحد.

ومن الناحية الاقتصادية، وثّقت شهادات محلية ارتفاعات سريعة في أسعار الوقود بعد بدء تنفيذ القرار، بما فرض ضغوطاً على التدفئة والنقل ورفع كلفة السلع. وفي بعض المناطق، تزامن ذلك مع رفع الدعم عن وقود المولدات، وبما أن كثيراً من المجتمعات كانت تعتمد أصلاً على المولدات الخاصة في ظل غياب كهرباء الدولة الموثوقة، فقد امتد أثر القرار البيئي سريعاً إلى وصول الناس إلى الكهرباء وغيرها من الخدمات الأساسية. وفي ريف دير الزور الغربي، اعترض سكان الجلامدة صهاريج النفط ومنعوها من المغادرة احتجاجاً على نقص الوقود وفقدان سبل العيش.
أما الجانب الأكثر خطورة فكان مسار الإنفاذ الأمني. فقد تحدثت تقارير صحفية عن مداهمات وإحراق أو تدمير بعض الحراقات في ريف دير الزور الشرقي، بما في ذلك مواقع في ذيبان والطيانة والجَرذي، بعد رفض المشغلين إيقافها. كما أشارت تقارير إلى تدمير أو تفجير حراقات في بادية جديد بكارة. والمفارقة أن تفكيكها بالقوة قد يُقلّل النشاط الملوِّث على المدى الطويل، لكنه في الوقت نفسه يحوّل التلوث إلى ذروة سامة، ويزيد من مخاطر التسرب والانفجار.

الموازنة بين الحق في بيئة صحية والحق في العمل والعيش الكريم

من منظور حقوق الإنسان، لا يمكن النظر إلى قرار إغلاق حراقات النفط البدائية بوصفه تدبيراً بيئياً صرفاً، لأنه يقع عند تقاطع عدة حقوق أساسية. فمن جهة، فإن مكافحة التلوث وحماية السكان من الانبعاثات السامة يتوافقان مع الحق في بيئة نظيفة وصحية ومستدامة. ومن جهة أخرى، أصبحت آلاف الأسر في المنطقة تعتمد مادياً على هذا النشاط خلال سنوات الحرب، بما يعني أن إغلاقه المفاجئ، من دون بدائل واضحة، لا يمسّ مصادر الدخل فحسب، بل يهدد أيضاً الحق في العمل والحق في مستوى معيشي لائق.

وعليه، فإن المشكلة لا تكمن في مبدأ الإغلاق ذاته، بل في الكيفية التي نُفّذ بها. فعندما تُفرض سياسة بيئية من دون تشاور مسبق مع المجتمعات المتأثرة، ومن دون معلومات واضحة عن البدائل، ومن دون تعويض أو تدريب أو حماية اجتماعية للعاملين، فإنها تكفّ عن أن تكون إجراءً إصلاحياً وتتحول إلى عبء اجتماعي جديد. كما أنها تمسّ حقوقاً أخرى لا تقل أهمية، مثل الحق في المشاركة، والحق في الوصول إلى المعلومات، والإنصاف في تحمّل كلفة التحول. ولهذا تبرز فكرة الانتقال العادل بوصفها الإطار الأوضح لمعالجة هذه المعضلة؛ أي إدارة التحول البيئي بطريقة تُقلّل الضرر، وتحمي العمال، وتوسّع الحماية الاجتماعية، وتعتمد على الحوار مع الفئات المتأثرة، بحيث لا تتحول حماية البيئة إلى ذريعة لإنتاج مزيد من الفقر والتهميش.

ما الذي يجب فعله؟ نحو مقاربة حكومية شاملة تراعي البيئة وحقوق الإنسان والأوضاع المعيشية

المطلوب هو الانتقال من الإنفاذ إلى الحوكمة. وهذا يعني، أولاً، وضع جدول زمني مرحلي للإغلاق، بالتوازي مع تسجيل العاملين والمنشآت، وتقييم المخاطر، وتفكيك الحراقات بطريقة آمنة تمنع إحراقها المفاجئ، وتحدّ من التسرب، وتبدأ بمعالجة التربة والمياه الملوثة حيثما كان ذلك ضرورياً.

وثانياً، يجب تأمين بدائل فورية للوقود، بكميات كافية للتدفئة والكهرباء والنقل، عبر القنوات الرسمية وبأسعار ميسورة، إلى جانب سياسة دعم مؤقتة وشفافة خلال أشهر الشتاء، بحيث لا يتحول القرار البيئي إلى أزمة خدمات وسبل عيش.

وثالثاً، لا بد من وضع برنامج انتقال عادل للعاملين والمستثمرين، يشمل فرص عمل ضمن سلاسل الإمداد الرسمية، وأعمال إزالة التلوث وتأهيل الأراضي، ومشروعات البنية التحتية للطاقة، إلى جانب تدريب مهني قصير الأجل. والأهم من ذلك، يجب الإعلان عن البديل في الوقت ذاته الذي يُعلن فيه الحظر، لا بعده، وأن يتم ذلك من خلال آليات تظلّم ومعايير واضحة تحمي حقوق العاملين وتحدّ من خسائر المستثمرين قدر الإمكان ضمن إطار سيادة القانون.

وفي المحصلة، فإن قرار الإغلاق، رغم مبرراته البيئية والصحية، يجب ألا يتحول إلى حكم بالدمار الاقتصادي على شريحة واسعة من المجتمع. المطلوب هو رؤية شاملة تربط العدالة البيئية بالعدالة الاجتماعية، وتوازن بين واجب الدولة في حماية الموارد والصحة العامة وواجبها في تأمين سبل عيش كريمة. ومن خلال هذا النهج وحده يمكن تحقيق تنمية مستدامة في دير الزور ومنطقة الجزيرة، بما يعود بالنفع على الإنسان والبيئة معاً.

بقلم: آلاء يونس، باحثة في وحدة حقوق الإنسان والأعمال التجارية

 

إعادة البناء بنزاهة: كيف يمكن للحوكمة الرقمية أن تساعد في الحد من الفساد في سوريا

15 مارس, 2026    |      |    هذا المنشور متوفر أيضاً باللغة : الإنجليزية

بعد عقود من الحكم السلطوي في ظل نظام الأسد تواجه سوريا مهمة هائلة تتمثل في إعادة بناء مؤسسات أضعفتها سنوات من الفساد الممنهج، وانعدام الشفافية في الحكم، وانتشار الجرائم الاقتصادية على نطاق واسع. بالنسبة لكثير من السوريين، لا تمثل المرحلة الانتقالية الجارية مجرد نقطة تحول سياسية، بل فرصة لبناء مؤسسات عامة تتسم بالشفافية والمساءلة والاستجابة لاحتياجات المواطنين. ولذلك، يحتل القضاء على الفساد، ومنع ترسخه في الهياكل العامة والخاصة الجديدة، موقعاً متقدماً على أجندة المجتمع المدني وصنّاع السياسات على حد سواء.

فالفساد ليس مجرد خلل في الحوكمة؛ بل هو في جوهره قضية تتعلق بحقوق الإنسان. فعندما تُستنزف الموارد العامة عبر الرشوة أو الاختلاس أو منح العقود على أساس المحسوبية، تظهر آثار ذلك بشكل مباشر في حياة الناس اليومية. إذ تُحوَّل الأموال المخصصة للمدارس والمستشفيات والبنية التحتية والخدمات الاجتماعية، مما يضعف قدرة الدولة على الوفاء بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية. وغالباً ما تكون الفئات المهمشة هي الأكثر تضرراً، إذ يحدد الفساد من يحصل على الخدمات العامة والفرص ومن يُحرم منها. وفي سوريا، ساهم الفساد أيضاً في تغذية العنف، من خلال تمويل شبكات مسلحة وتعزيز البنى الاقتصادية التي تُبقي حالة عدم الاستقرار قائمة.

ومع بدء سوريا مساراً طويلاً من إعادة الإعمار والإصلاح المؤسسي، يبرز أحد الأدوات التي يُناقش استخدامها بشكل متزايد لمعالجة الفساد وإعادة بناء الثقة، وهو الحوكمة الرقمية — أي رقمنة السجلات والبيانات، واستخدام التكنولوجيا الرقمية لتحسين العمليات والخدمات الحكومية. فإذا ما طُبِّقت هذه الأنظمة الرقمية بعناية، يمكنها أن تسهم في تعزيز الشفافية، وتمكين المواطنين من الرقابة، وتقوية المساءلة داخل المؤسسات العامة. ومع ذلك، فإن هذه العمليات تنطوي أيضاً على مخاطر إذا جرى إدخالها من دون ضمانات مناسبة، وأطر قانونية واضحة، وتصميم شامل يراعي جميع فئات المجتمع.

من الرقمنة إلى التحول الرقمي

غالباً ما يُنظر إلى الحوكمة الرقمية على أنها مفهوم واحد، إلا أنها في الواقع تشمل عمليتين مختلفتين.

تشير الرقمنة إلى تحويل المعلومات المادية إلى صيغ رقمية، مثل مسح السجلات الورقية ضوئياً، أو إنشاء قواعد بيانات إلكترونية، أو رقمنة الأرشيفات. فعلى سبيل المثال، يمكن أن تقلل رقمنة سجلات الأراضي أو عقود المشتريات العامة من مخاطر ضياع الوثائق أو تعديلها أو إتلافها. كما تسمح هذه العملية بالبحث في السجلات ومراجعتها بسهولة أكبر، مما يمكّن هيئات الرقابة من رصد أنماط الفساد.
ومع ذلك، فإن الرقمنة وحدها لا تؤدي بالضرورة إلى تغيير جوهري في أساليب الحوكمة. فإذا ظل المسؤولون أنفسهم يتحكمون في الوصول إلى قواعد البيانات، فقد تبقى ديناميكيات السلطة القائمة على التقدير الشخصي والسرية دون تغيير.

أما التحول الرقمي، فيعني استخدام التقنيات الرقمية لإحداث تغيير أعمق في كيفية عمل المؤسسات العامة وتقديمها للخدمات. ويمكن لهذا التحول أن يقلل فرص الفساد من خلال أتمتة الإجراءات، وتعزيز إمكانية تتبع العمليات، وفتح البيانات الحكومية أمام التدقيق العام.

وباختصار، بينما تساعد الرقمنة على حفظ السجلات والأدلة بشكل آمن، يمكن للتحول الرقمي أن يعيد تشكيل آليات العمل داخل الإدارة العامة ويحد من المساحات التي ينشأ فيها الفساد. وفي الحالة السورية، ستكون العمليتان معاً ضروريتين، إلا أن أثرهما سيعتمد إلى حد كبير على كيفية تصميمهما وتنفيذهما.

الشفافية في المشتريات العامة
تُعد المشتريات العامة تاريخياً من أكثر القطاعات عرضة للفساد، خاصة في البيئات الخارجة من النزاعات حيث تُمنح عقود إعادة الإعمار الكبيرة. ويمكن أن تبدأ الرقمنة بمسح عقود المشتريات السابقة ضوئياً وإنشاء قواعد بيانات قابلة للبحث تضم وثائق المناقصات والمشاريع التي تم ترسيتها. ومن شأن ذلك حفظ السجلات لعمليات التدقيق المستقبلية وجعل إخفاء العقود المبالغ في قيمتها أو الأموال المفقودة أكثر صعوبة.

لكن التحول الرقمي يمكن أن يذهب أبعد من ذلك. إذ يمكن لمنصة إلكترونية للمشتريات العامة أن تنشر إعلانات المناقصات، وقوائم المتقدمين، ومعايير التقييم، وقيم العقود، وقرارات الترسية عبر الإنترنت. كما يمكن لأنظمة متابعة تنفيذ العقود أن تراقب تقدم مشاريع إعادة الإعمار بشكل مستمر، في حين تسمح بوابات البيانات المفتوحة لمنظمات المجتمع المدني بتحليل أنماط المشتريات العامة.
إن مثل هذا المستوى من الشفافية يجعل من الصعب بدرجة كبيرة على شبكات الفساد التلاعب بعمليات التعاقد أو إخفاء تضارب المصالح.

تتبع المالية العامة
يمكن للأدوات الرقمية أيضاً أن تعزز الشفافية في إدارة المالية العامة. إذ إن رقمنة موازنات الوزارات، وإيصالات الدفع، وسجلات الرواتب من شأنها إنشاء أرشيفات رقمية موثوقة وتمكين مراجعة الإنفاق الحكومي.

أما التحول الرقمي، فيمكن أن يوسع نطاق الرقابة العامة. إذ يمكن للحكومات نشر تقارير شهرية عن الإنفاق، والتحويلات إلى البلديات، وصرف أموال إعادة الإعمار عبر منصات إلكترونية باستخدام بيانات قابلة للقراءة الآلية. وهذا من شأنه أن يسمح لمنظمات المجتمع المدني والباحثين وهيئات الرقابة المستقبلية بتتبع كيفية استخدام الأموال العامة ورصد أنماط مريبة، مثل المشاريع الوهمية أو فجوات الإنفاق غير المبررة.

وفي بلد من المرجح أن تلعب فيه أموال إعادة الإعمار الدولية دوراً كبيراً، ستكون الأنظمة المالية الشفافة ضرورية للحفاظ على ثقة الجمهور وثقة الجهات المانحة.

مخاطر التحول الرقمي
على الرغم من هذه الفوائد المحتملة، فإن الحوكمة الرقمية ليست حلاً سحرياً. فإدخال الأنظمة الرقمية من دون معالجة الهياكل المؤسسية التي تسمح بالفساد قد يؤدي ببساطة إلى نقل الفساد إلى أشكال تكنولوجية جديدة.

ومن أبرز التحديات المباشرة الفجوة الرقمية. فليس جميع السوريين يمتلكون اتصالاً موثوقاً بالإنترنت أو المهارات الرقمية اللازمة لاستخدام الخدمات الإلكترونية. ومن دون تصميم شامل وإبقاء بدائل غير رقمية متاحة، قد تؤدي الأنظمة الرقمية إلى استبعاد سكان المناطق الريفية وكبار السن والفئات المهمشة من الوصول إلى الخدمات الأساسية أو المشاركة في صنع القرار.

كما تطرح قضايا الأمن السيبراني وحماية البيانات تحديات كبيرة. فكثيراً ما تحتوي قواعد البيانات الحكومية على معلومات شخصية حساسة، مثل سجلات الهوية أو البيانات المالية أو المعلومات الصحية، مما يجعلها أهدافاً محتملة للهجمات الإلكترونية. وقد تؤدي الأطر الأمنية الضعيفة إلى تعريض المواطنين لإساءة استخدام بياناتهم الشخصية.

وربما الأهم من ذلك أن الأنظمة الرقمية نفسها يمكن أن تتحول إلى أدوات للسيطرة إذا جرى تنفيذها من دون ضمانات قائمة على حقوق الإنسان. وتوضح التجربة السابقة في سوريا مع القمع الرقمي حجم هذه المخاطر. ففي ظل نظام الأسد، استُخدمت القوانين الرقمية مراراً لمراقبة المواطنين، وقمع الأصوات المعارضة، واستغلال البيانات الشخصية. ومن دون حماية قانونية قوية للخصوصية وحرية التعبير وحماية البيانات، يمكن أن تتحول الأدوات الرقمية الجديدة إلى وسائل للمراقبة بدلاً من تمكين المواطنين.

بناء مستقبل رقمي قائم على الحقوق
لكي تدعم الحوكمة الرقمية الانتقال الديمقراطي في سوريا، يجب أن تكون جزءاً من إصلاح مؤسسي أوسع. فالتكنولوجيا وحدها لا تستطيع القضاء على الفساد؛ بل يجب أن تقترن بوجود هيئات رقابة مستقلة، وأطر قانونية شفافة، ومشاركة مدنية حقيقية.

وقد يكون من الضروري اعتماد نهج مرحلي. ففي المراحل الأولى، يمكن التركيز على رقمنة الأرشيفات الأساسية، مثل سجلات الأراضي وعقود المشتريات العامة، من أجل حفظ الأدلة ومنع التلاعب بها. أما في المراحل اللاحقة، فيمكن إدخال منصات رقمية للمشتريات العامة، وبوابات شفافية للمالية العامة، وأنظمة بيانات مفتوحة تمكّن المواطنين من مراقبة عمل الحكومة.
ومن الأهمية بمكان أيضاً أن تكون الأنظمة الرقمية متمحورة حول المواطن. فواجهات الاستخدام السهلة وبرامج تعزيز الثقافة الرقمية يمكن أن تساعد في ضمان قدرة جميع السوريين — وليس فقط من يمتلكون اتصالاً رقمياً — على الوصول إلى الخدمات الحكومية والمشاركة في الحوكمة.

كما سيكون للتعاون الدولي دور مهم في هذا المسار. إذ يمكن للشراكات مع خبراء التكنولوجيا والمنظمات الدولية ومنظمات المجتمع المدني أن تسهم في تطوير بنية تحتية رقمية آمنة، وتبادل أفضل الممارسات، وتعزيز القدرات داخل المؤسسات السورية.

التكنولوجيا كأداة للمساءلة
مع دخول سوريا مرحلة جديدة من تاريخها، سيكون إعادة بناء الثقة بين المواطنين والدولة أحد أكبر التحديات في السنوات المقبلة. فالمؤسسات الشفافة، والحكم الخاضع للمساءلة، والمشاركة العامة الفاعلة تشكل ركائز أساسية لمستقبل مستقر قائم على احترام الحقوق.

ورغم أن الحوكمة الرقمية لا تمثل حلاً شاملاً، فإنها تتيح فرصة لبناء إدارة عامة أكثر شفافية ومساءلة، وأكثر قدرة على خدمة الشعب السوري.

ففي مواجهة الفساد، يمكن للحوكمة الرقمية أن تسهم في إنشاء مؤسسات يصعب التلاعب بها، ويسهل مراقبتها، وتكون أكثر استجابة لاحتياجات المواطنين.

بقلم: الريم كمال، مسؤولة قانونية، وحدة حقوق الإنسان والأعمال التجارية

 

ماروتا سيتي ليست نموذجًا لإعمار سوريا

1 مارس, 2026    |      |    هذا المنشور متوفر أيضاً باللغة : الإنجليزية

التهجير وحقوق الملكية المعلّقة

عندما أُعلن عن مشروع ماروتا (وباسيليا) سيتي في دمشق عام 2012، جرى تقديمه بوصفه درّة العاصمة الجديدة: أبراج زجاجية لامعة، شقق فاخرة، مراكز تسوّق، وشوارع عريضة توحي بولادة مدينة «عصرية» من قلب الدمار. وروّجت محافظة دمشق للمشروع باعتباره باكورة إعادة الإعمار، بل واعتبره البعض تجربة قابلة للتعميم في سائر المدن السورية.
غير أن الصورة بدت مختلفة تمامًا بالنسبة لعشرات آلاف السوريين الذين عاشوا في حي بساتين الرازي، حيث انطلقت أعمال ماروتا، وللعدد الأكبر من المتضررين في نطاق مشروع باسيليا سيتي. بالنسبة لهؤلاء، لم يكن المشروع وعدًا بالنهضة، بل عنوانًا للتهجير والإقصاء. فقد هُدمت منازلهم، وحُوّلت ملكياتهم إلى أسهم مبهمة جرى تقييمها بصورة مجحفة، ووُعدوا بسكن بديل طال انتظاره دون أن يتحقق كما أُعلن عنه.

تبلغ مساحة المنطقة نحو 2.2 كيلومتر مربع، وكان يقطنها قرابة خمسين ألف نسمة. وقد تعهّدت السلطات ببناء 12 ألف وحدة سكنية تستوعب ستين ألف شخص. إلا أن السكان الأصليين استُبعدوا عمليًا منذ البداية. فقبل عام 2011، لم تكن نسبة كبيرة من الأراضي في سوريا منظّمة أو مسجّلة رسميًا، واعتمدت آلاف العائلات على وثائق عرفية أو حجج إرثية لم تصمد أمام لجان التقييم الحكومية التي افتقرت إلى الشفافية. فحصل البعض على أسهم لا تعكس القيمة الحقيقية لممتلكاتهم، فيما خسر آخرون حقوقهم بالكامل بسبب فقدان الوثائق أو عدم امتلاكها أصلًا، لا سيما بعد النزوح.

أما السكن البديل الذي نُصّ عليه قانونًا خلال أربع سنوات من الإخلاء، فما يزال حلمًا مؤجّلًا بعد أكثر من عقد. وتلقّى بعض المتضررين بدل إيجار لا يتجاوز 500 ألف ليرة سورية سنويًا (نحو 137 دولارًا)، وهو مبلغ لا يوفّر الحد الأدنى من العيش الكريم. واضطر كثيرون إلى بيع أسهمهم لتغطية تكاليف السكن في مناطق أخرى، في وقت خسر فيه آخرون مصادر رزقهم المرتبطة بمحلاتهم أو أراضيهم في الحي.

وزادت معاناة اللاجئين والنازحين الذين وجدوا أنفسهم عاجزين عن المطالبة بحقوقهم. فقد اشترطت الإجراءات الحضور الشخصي أو إبراز وثائق رسمية غالبًا ما ضاعت أو تعذّر استخراجها. وبالنسبة لمن غادروا البلاد أو خشوا الملاحقة الأمنية، كان المسار شبه مستحيل، خاصة مع اشتراط «الموافقة الأمنية» من أجهزة النظام السابق. وترد أيضًا شهادات تفيد بأن بعض المساهمين الذين تعرّضوا للاعتقال أُجبروا على توقيع تنازلات عن أسهمهم.

الخط الزمني الرئيسي: ماروتا سيتي وإعادة إعمار سوريا

ما قبل 2011 الملكية غير الرسمية للأراضي
لم تكن نحو نصف الأراضي في سوريا منظَّمة أو مُسجَّلة رسميًا، واعتمدت آلاف العائلات على وثائق عرفية أو إرثية، ما جعلها عرضة لخطر نزع الملكية مستقبلًا.
خطر التهجير
2012 إطلاق مشروع ماروتا (وباسيليا) سيتي

أطلقت محافظة دمشق المشروع بموجب المرسوم 66 في منطقة بساتين الرازي، التي تمتد على نحو 2.2كم². وقد قُدِّم بوصفه مشروع إعادة إعمار «حديث» ورائد، مع وعود ببناء 12 ألف وحدة سكنية.

السياسات والتخطيط

منذ 2012 بدء التهجير الواسع

تم تهجير آلاف السكان، وحُوِّلت حقوق الملكية إلى أسهم مبهمة. ولم يتمكن كثير من العائلات، خاصة اللاجئين والنازحين، من المطالبة بحقوقهم بسبب متطلبات الوثائق والموافقات الأمنية.

التهجير

2012–2024 مصالح تجارية مرتبطة بالنظام
حصلت شركات مرتبطة بشخصيات من نظام الأسد على حصص في المشروع، وأصبحت شركة دمشق الشام القابضة أداة رئيسية فيه. وفُرضت لاحقًا عقوبات دولية على هذه الكيانات لدورها في تهجير المجتمعات.
المساءلة
2018 توسيع الإطار عبر القانون رقم 10

تم توسيع نطاق المرسوم 66 ليشمل عموم سوريا، ما منح المحافظين صلاحيات لإعادة تنظيم أحياء مدمّرة، خاصة تلك المرتبطة بالمعارضة، بالشراكة مع القطاع الخاص، الأمر الذي زاد من خطر نزع الملكية الدائم تحت غطاء التنظيم العمراني.

الإطار القانوني

بعد أكثر من 4 سنوات على الإخلاء عدم تنفيذ وعود السكن البديل

ينص القانون على تسليم المساكن البديلة خلال أربع سنوات، لكن بعد أكثر من عقد لا يزال كثير من السكان ينتظرون. وبلغ بدل الإيجار نحو 137 دولارًا سنويًا فقط، ما أجبر العديد من العائلات على بيع أسهمها.

وعود غير محققة

أواخر 2024 سقوط نظام الأسد

أدّى انهيار نظام الأسد إلى فتح نافذة نادرة للعدالة الانتقالية، وبرزت فرصة لإعادة النظر في الأسس القانونية للمرسوم 66 والقانون 10، والانتهاكات المرتبطة بحقوق الملكية في مشروع ماروتا.

المرحلة الانتقالية

2025 وما بعده مطالبات بالإصلاح واستعادة الحقوق

تطالب منظمات المجتمع المدني بمراجعة مستقلة، ورقابة قضائية، ومشاركة مجتمعية فعلية. وتواجه السلطات الانتقالية ضغوطًا لإنشاء آليات تعويض عادلة والتمييز بين الاستفادة القسرية المرتبطة بالنزاع والمعاملات المشروعة بحسن نية.

العدالة الانتقالية

اقتصاد الحرب والقانون رقم 10

في المقابل، شكّل المشروع فرصة استثمارية لشركات مرتبطة برجال أعمال نافذين مقرّبين من النظام السابق. وقد طالت العقوبات الدولية عددًا من هذه الكيانات، بما في ذلك شركة دمشق الشام القابضة، لدورها في المشروع. وبهذا تحوّلت الشراكات بين القطاعين العام والخاص إلى أداة لترسيخ اقتصاد الحرب، بدل أن تكون مدخلًا لتعافٍ عادل، وغدا الإعمار وسيلة لإعادة تشكيل الخريطة السكانية على حساب مجتمعات كاملة.

ولم يتوقف هذا النهج عند حدود دمشق. ففي عام 2018، جاء القانون رقم 10 ليوسّع نطاق المرسوم 66 ويمنح السلطات المحلية صلاحيات واسعة لإعادة تنظيم مناطق أخرى في البلاد، ولا سيما تلك التي دُمّرت خلال النزاع. وهكذا بات «التنظيم العمراني» إطارًا قانونيًا قد يحوّل التهجير المؤقت إلى فقدان دائم للملكية.

ما بعد سقوط الأسد: الإنصاف المتوازن بدلاً من التطبيع مع المظالم

شكّل سقوط نظام الأسد قبل أكثر من عام فرصة تاريخية لإعادة النظر في هذا المسار. وكان من المنتظر أن تعيد المرحلة الانتقالية تقييم الأسس القانونية للمشروع، وأن تراجع آليات التقدير وتوزيع الأسهم، وأن تنشئ هيئات مستقلة تعالج ملفات الاسترداد والتعويض بمشاركة المتضررين أنفسهم. لقد أتاح التغيير السياسي إمكانية إعادة توجيه الإعمار ليقوم على مبادئ العدالة والشفافية والمساءلة بدل منطق السيطرة.

إلا أن الاحتجاجات ما تزال تتكرر حول مشروع ماروتا. ويؤكد المتضررون أن تغيير القيادة لم يُفضِ بعد إلى تغيير حقيقي في السياسات. فما تزال المطالب بإعادة تقييم عادلة، وتعويض منصف، ومسار واضح للعودة، قائمة دون استجابة كافية. وتحذّر منظمات المجتمع المدني من أن غياب المراجعة المستقلة والرقابة القضائية قد يؤدي إلى تثبيت المظالم السابقة في ثوب جديد، بما يكرّس انتهاكات حقوق السكن والأرض والملكية، وربما يرقى إلى جرائم نهب وتهجير قسري وفق القانون الدولي.

وفي الوقت ذاته، ينبغي أن تراعي أي معالجة جديدة حقوق من اشتروا أو استثمروا بحسن نية خلال السنوات الماضية. فقد نشأت سوق ثانوية، وأُبرمت عقود، وانتقلت ملكيات ضمن الإطار القانوني السائد آنذاك. ولا يمكن أن يكون تصحيح الظلم عبر خلق ظلم جديد. المطلوب هو صياغة حلول متوازنة تضمن استعادة الحقوق لأصحابها الأصليين، مع الحفاظ على الاستقرار القانوني للمتعاملين بحسن نية، والتمييز بوضوح بين من استفاد من الإكراه أو النفوذ، ومن أجرى معاملات مشروعة. فإعادة الثقة في نظام الملكية وسيادة القانون ركيزة أساسية لأي تعافٍ مستدام.

ورغم كل ما سبق، ما تزال ماروتا سيتي تُقدَّم أحيانًا كواجهة للإعمار الحديث. لكنها في حقيقتها درس قاسٍ في إعمار يتجاهل الحقوق. فالبناء الذي يقتلع الناس من جذورهم ويحوّل بيوتهم إلى أوراق مالية ليس إعادة إعمار، بل إعادة إنتاج للظلم. إن مستقبل سوريا لا يمكن أن يُبنى على المصادرة أو الإقصاء، بل على إنصاف المتضررين، وضمان التعويض العادل، وتمكين العودة الآمنة، وإشراك المجتمعات في رسم ملامح مدنها. فالمباني قد تُشيَّد بالإسمنت والزجاج، أما السلام فلا يقوم إلا على العدالة.

كيف يمكننا المساعدة

إن التحديات التي يطرحها هذا المقال، من استعادة الممتلكات إلى المساءلة المؤسسية والمشاركة المجتمعية، لا تستلزم إرادة سياسية وحسب، بل تستوجب أيضاً خبرة تقنية متخصصة. البرنامج السوري للتطوير القانوني يقدم  خدمات استشارية في مجال حقوق الإنسان و الأعمال التجارية لمراكز الأبحاث وصانعي السياسات والمسؤولين بما يخص التعامل مع هذه القضايا المعقدة في سوريا. تستند خبرتنا إلى تجربة راسخة في القانون الدولي، ومبنية على التفاعل مع المجتمعات المتضررة.

للتواصل: info@sldp.ngo  / تفضل بزيارة : https://sldp.ngo/en/what-we-do 

 

 

اللحظة الراهنة من الجدل حول حدود الجرائم الاقتصادية تخلق فرصًا لمناصرة تتمحور حول الضحايا

13 فبراير, 2026    |      |    هذا المنشور متوفر أيضاً باللغة : الإنجليزية

مقدمة
بينما تعيد سوريا بناء نفسها وتعيد صياغة عقدها الاجتماعي، ينخرط السوريون من مختلف المواقع ووجهات النظر في نقاشات نشطة حول رؤيتهم لمستقبل البلاد. ويُعدّ النقاش بشأن كيفية التعامل الأمثل مع الجرائم الاقتصادية العديدة التي تفشّت خلال تاريخ سوريا أحد أبرز ميادين هذا الجدل. وتُظهر الحوارات المتداخلة بين مختلف أصحاب المصلحة وأصحاب الحقوق، وعبر موضوعات ومحاور متعددة، ملامح هذا التنازع وحدوده.

كما تكشف هذه النقاشات عن مسارات محتملة لمشاركة الضحايا في توجيه وصياغة مسار العدالة الانتقالية وبناء المعايير القانونية في سوريا. ويسعى البرنامج السوري للتطوير القانوني إلى مواءمة جهوده مع مجموعات الضحايا ومنظمات المجتمع المدني المحلية الراغبة في الانخراط في هذه اللحظة المفصلية. ومن خلال تقاريره وتحقيقاته وبرامجه التدريبية لبناء القدرات، يهدف البرنامج إلى تعزيز خطاب أعمق وموجّه نحو النتائج بين المجتمعات المتضررة وصنّاع القرار.

لقد جرى توثيق مدى وطبيعة الجرائم الاقتصادية خلال النزاع وتحت حكم نظام الأسد، بما في ذلك الإثراء غير المشروع والفساد والانتهاكات المرتبطة بالأعمال التجارية لحقوق الإنسان، توثيقًا واسعًا. غير أن السوريين يواجهون اليوم استحقاقًا يتمثل في تحديد كيفية التعامل مع هذا الماضي، وإحداث التغيير المؤسسي اللازم، وضمان عدم التكرار. كما تواجه الضحايا والمجتمعات المتضررة واقع التعامل مع الأضرار المتبقية أو المستمرة بالتوازي مع سعيها للمطالبة بحقوقها في جبر الضرر.

حوارات متداخلة بين أصحاب المصلحة

في 17 كانون الثاني/يناير 2026، استضاف منتدى سلامة كيلة الثقافي ندوة بعنوان: «العدالة الانتقالية… الاقتصاد كساحة انتهاك بحد ذاته». نُظّمت الفعالية بدايةً على شكل حوار مُدار بين ثلاثة متحدثين، قبل أن تتحول إلى نقاش تفاعلي مع الجمهور. وأسفر ذلك عن بروز طبقات متعددة ومتقاطعة من الحوار كشفت مجتمعةً عن مدى بقاء مسألة الجرائم الاقتصادية غير محسومة وخاضعة للتفاوض ضمن مشهد العدالة الانتقالية في سوريا.

ضمّ المشاركون طيفًا واسعًا من المجتمع السوري، بما في ذلك أفرادًا من مجتمعات متأثرة بالجرائم الاقتصادية، وناشطين وخبراء في المجتمع المدني، وأكاديميين وصحفيين، وممثلين عن الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية. وأكد هذا التنوع في الأصوات مركزية الجرائم الاقتصادية في التجربة المعيشية للسوريين، كما عكس غياب توافق حول كيفية معالجتها في المرحلة المقبلة.

وبرزت إحدى طبقات الحوار بين فاعلين وخبراء من المجتمع المدني من جهة، وممثلين عن الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية من جهة أخرى. إذ طرح أعضاء من الهيئة ممن حضروا الفعالية أسئلة على المتحدثين حول ملامح المقاربة «المثلى» للعدالة الاقتصادية والانتهاكات الاقتصادية ضمن إطار العدالة الانتقالية. وأشارت مداخلات الهيئة إلى استعداد للانصات مقرون باستمرار الانشغال بالتعقيد المفاهيمي والقانوني للجرائم الاقتصادية، بما في ذلك مسائل المسؤولية الجنائية، وإسناد المسؤولية، وأشكال جبر الضرر المناسبة.

ولم يقدّم المتحدثون إجابات حاسمة أو معايير واضحة لتحديد السلوكيات التي ينبغي أن تستتبع المساءلة أو الكيفية التي يجب أن تُصمَّم بها برامج التعويض. بل أبرز النقاش أن قضايا جوهرية — من قبيل تحديد الجناة، وتصنيف الانتهاكات، واختيار آليات المساءلة الملائمة — لا تزال مفتوحة ومحل جدل وتحتاج إلى مزيد من التفصيل.

كما أظهرت الفعالية طبقة ثانية من الجدل القائم، تجلّت في الإشارات إلى اتفاق التسوية بين محمد حمشو، أحد أبرز ممولي النظام السابق ورجال الأعمال المعروفين بسجل من الإثراء غير المشروع، وبين الهيئة الوطنية لمكافحة الكسب غير المشروع. وقد عُقدت الندوة بعد فترة وجيزة من الإعلان عن هذا الاتفاق؛ حيث أشار المشاركون صراحةً إليه وإلى التوضيحات اللاحقة الصادرة عن الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، والتي أكدت أن مثل هذه التسويات لا تحول دون الملاحقة أو المساءلة عن الجرائم الدولية أو تمويلها.

ويعكس ذلك إقرارًا ضمنيًا بأن العدالة الاقتصادية لا يجري التفاوض بشأنها فقط بين الدولة والمجتمع، بل أيضًا داخل مؤسسات الدولة ذاتها في ظل تداخل أو تنافس في الاختصاصات. وبذلك برزت كيفية التعامل مع منتهكي القوانين الاقتصادية المعروفين والموثقين كنقطة ارتكاز لمخاوف أوسع تتعلق بالانتقائية في المساءلة وحدود التسوية خلال المرحلة الانتقالية.

وأخيرًا، كشف النقاش عن حوار أوسع بين شرائح مختلفة من المواطنين السوريين، متأثر بانقسامات إقليمية واجتماعية-اقتصادية. إذ تساءل أحد المتحدثين عن سبب تركّز النقاش العام واهتمام العدالة الانتقالية بصورة غير متناسبة على دمشق، رغم الانتشار الواسع للجرائم الاقتصادية في مختلف أنحاء البلاد. وقد أتاح هذا التدخل مساحة للتفكير في كيفية تأثير الجغرافيا والطبقة الاجتماعية ومستوى الظهور الإعلامي على تحديد من تُركَّز أضرارهم ومن تُهمَّش تجاربهم.

وفي المحصلة، كشف هذا الطرح عن استعداد ملحوظ لدى الحضور للانخراط مستقبلًا في نقاش أكثر شمولًا وعمقًا حول تأثير الجرائم والانتهاكات الاقتصادية على السوريين خارج دمشق وعبر الفوارق الاجتماعية والاقتصادية.

مجتمعةً، تُظهر هذه الحوارات المتداخلة أن الجرائم الاقتصادية تحتل موقعًا متنازعًا بعمق في السياق الانتقالي الحالي. فبدلًا من التوافق على سردية واحدة أو حلّ واحد، ينخرط أصحاب المصلحة في مفاوضة نشطة حول المعاني والأولويات وحدود العدالة.

دور البرنامج السوري للتطوير القانوني

غالبًا ما تكون مثل هذه المساحات المتنازع عليها ساحات يمكن للفاعلين المُمكَّنين التأثير في مآلاتها. ومن الأهمية بمكان أن يضطلع الضحايا والمجتمعات المتضررة وغيرهم من أصحاب الحقوق بدور قيادي في التأثير على مقاربة منظومة العدالة الانتقالية للجرائم الاقتصادية.

يؤدي البرنامج السوري للتطوير القانوني دورًا تسهيليًا مقصودًا، يرتكز على سؤال مفاده: أين وكيف يمكن الدفع نحو تغيير يتمحور حول الضحايا بصورة واقعية خلال فترة يشوبها تحوّل مؤسسي؟ ففي لحظات احتدام الجدل، تتموضع منظمات مثل البرنامج في موقع يتيح لها ردم الفجوات بين الضحايا وخبراء المجتمع المدني والمؤسسات الناشئة، عبر تعزيز شروط المشاركة المستنيرة والمُمكِّنة.

وبينما تواصل المجتمعات المتضررة التعامل مع الأعباء المادية والنفسية والعاطفية لإعادة بناء حياتها، يكرّس البرنامج اهتمامًا مستدامًا لرصد التطورات القانونية، وتحليل الآثار القانونية للقرارات السياساتية، ومتابعة تطوّر آليات العدالة الانتقالية.

ويمكّن هذا الانخراط المتخصص البرنامج، وغيره من المنظمات غير الحكومية ذات الصلة، من ترجمة العمليات القانونية والمؤسسية المعقدة إلى معرفة ميسّرة يمكن تقاسمها مع الضحايا والفاعلين المحليين، بما يدعم قدرتهم على ممارسة دورهم الفاعل والمطالبة بالنتائج التي يسعون إليها.

وعلى وجه الخصوص، يشكّل الحوار الناشئ بين المجتمع المدني والمجتمعات المتضررة وهيئات مثل الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية مساحة واعدة لتعزيز مقاربات تتمحور حول الضحايا في معالجة الجرائم الاقتصادية، لا سيما في ضوء قيام الهيئة بدعوة المواطنين السوريين مباشرةً لتقديم رؤاهم بشأن الأسئلة المعقدة المتعلقة بالعدالة عن الجرائم والانتهاكات الاقتصادية.

فعندما يُمكَّن أفراد المجتمع من الإجابة عن هذه الأسئلة، ويُحاطون علمًا بأحدث التطورات، ويكونون مطلعين على المعايير القانونية الدولية والسياقات المقارنة، فإن سوريا والسوريين يستفيدون من أطر عدالة أكثر شمولًا وتمثيلًا.

يمكن النظر إلى المرحلة الانتقالية في سوريا بوصفها لحظة مفاوضات على مستوى الوطن بأسره. ولكي تُفضي هذه المفاوضات إلى أفضل النتائج الممكنة للمجتمعات المتضررة والضحايا، ينبغي أن يكون الضحايا حاضرين على طاولة التفاوض ومُمكَّنين من المناصرة من أجل الوقائع والخيارات والمسارات التي يتصورونها.

بقلم:
سمية داغستاني
متدربة قانونية في وحدة حقوق الإنسان والأعمال التجارية
مرشحة لنيل درجة الدكتوراه في القانون (J.D.)، كلية الحقوق بجامعة هارفارد

دعوة عاجلة لحماية المدنيين ووقف العمليات العسكرية واعتماد الحلول السياسية

25 يناير, 2026        |   هذا المنشور متوفر أيضاً باللغة : الإنجليزية

تتابع المنظمات الموقّعة بقلق بالغ الوضع الإنساني والأمني في شمال شرق سوريا وذلك بعد توقيع الاتفاق الذي تم التوصل إليه بين الحكومة السورية الانتقالية وقوات سوريا الديمقراطية في الحادي والعشرين من الشهر الحالي، والذي يهدف إلى وقف لإطلاق النار واتخاذ خطوات نحو الاندماج ضمن الدولة السورية. ومع اقتراب انتهاء مهلة الأيام الأربعة المنصوص عليها في الاتفاق، وفي لحظة تتسم بالخوف، والنزوح الواسع، وتجدد العنف، فإن الانتقال من المواجهة المسلحة إلى مسارات ترتكز على حماية المدنيين، وحماية حقوق وكرامة الشعب السوري، والحوار والحلول السياسية يُعد أمراً بالغ الأهمية، ويجب الحفاظ عليه وتعزيزه.

لقد شهدت الأيام الماضية تصعيداً خطيراً في أعمال العنف في مدينة حلب وعدد من مناطق شمال وشرق سوريا، رافقه نزوح واسع النطاق وتدهور ملحوظ في الأوضاع الإنسانية. وخلال هذه الفترة، أُبلغ عن ارتكاب انتهاكات جسيمة للقانون الدولي من قبل طرفي النزاع بحق الشعب السوري، ترقى في كثير من الحالات إلى مستوى العقاب الجماعي لأغراض الضغط السياسي. وتدعو المنظمات الموقعة أدناه إلى إجراء تحقيق مستقل ومحايد في جميع الانتهاكات المزعومة التي ارتكبتها جميع أطراف النزاع، وذلك في إطار ولاية لجنة التحقيق (CoI)، وملاحقة جميع الأفراد الذين يثبت تورطهم في ارتكاب هذه الانتهاكات.

ونتيجة لهذا التصعيد والعنف المتزايد، سُجل نزوح واسع النطاق في شمال شرق سوريا، شمل أكثر من 134,000 شخص خلال فترة زمنية قصيرة، بحسب الأمم المتحدة، وصلوا إلى مدن القامشلي وعامودا والمالكية/ديريك وكوباني. ويواجه العديد من النازحين-ات نقصاً حاداً في المأوى والغذاء والمساعدات الإنسانية، في ظل ظروف جوية قاسية تزيد من هشاشة أوضاعهم الإنسانية. وفي ظل الوضع الإنساني الحرج والتطويق العسكري لعدة مناطق منها كوباني، تطالب المنظمات الموقعة الحكومة السورية الانتقالية بضمان اتخاذ كافة الإجراءات اللازمة لإعادة الخدمات الأساسية من كهرباء وماء وغذاء وإنترنت وأدوية لسكان المناطق المتضررة، وفتح ممرات إنسانية آمنة وتسهيل عمل المنظمات الإنسانية للتخفيف من أثر النزوح على السكان.

وقد ولّد هذا التصعيد مخاوف عميقة لدى السكان، ولا سيّما في كوباني والحسكة، من دخول الحكومة السورية الانتقالية، وهي مخاوف لا تنفصل عن الأثر التراكمي لانتهاكات سابقة وإرثها المستمر على المجتمعات المحلية، وما خلّفته من انعدام ثقة عميق. ويؤكد هذا الواقع على الأهمية المحورية لبناء الثقة والعواقب الخطيرة لغيابها. فلا يمكن فرض الثقة أو انتزاعها بالقوة، بل يجب كسبها من خلال خطوات ملموسة، تشمل حماية المدنيين، وضبط سلوك الأطراف المسلحة، وضمان المساءلة عن الانتهاكات، وإعادة الحقوق المسلوبة، بما في ذلك حقوق الملكية والأراضي والسكن، والانخراط في حوار حقيقي وفعّال مع السوريين/ات بكل مكوناتهم.

وعليه تطالب المنظمات الموقعة كلا من الحكومة السورية الانتقالية وقوات سوريا الديمقراطية بالوفاء بالتزاماتهما القانونية في حماية المدنيين والمدنيات ومنع إلحاق أي ضرر بهم/ن، واتخاذ تدابير فعالة وملموسة لمنع أي فعل أو خطاب من شأنه التحريض على العنف أو تأجيج التوترات المجتمعية أو تعميق الانقسامات بين السوريين-ات، لما يشكّله ذلك من خطر مباشر على السلم الأهلي، وما قد يترتب عليه من مسؤوليات قانونية جسيمة. وفي ضوء حالات العنف المجتمعي التي وقعت في عام 2025، تتحمل كل من الحكومة السورية الانتقالية وقوات سوريا الديمقراطية التزامات مشددة لضمان الحماية الفعالة لجميع المجتمعات المعرضة للخطر، واتخاذ تدابير استباقية وملموسة لمنع أي شكل من أشكال العنف أو الأذى الجماعي بحق السوريين-ات وضمان عدم تكرار الانتهاكات.

وفي هذا السياق، تؤكد المنظمات الموقّعة أن أي مقاربة تتعلق بالحقوق القومية للكُرد، بما في ذلك ما ورد في المرسوم الرئاسي رقم 13، يجب أن تنطلق أولاً من حوار جدي ومفتوح مع أصحاب القضية أنفسهم، وأن تتطور بما ينسجم مع رؤاهم وتطلعاتهم الجماعية. كما تشدد على أن أي اعتراف بالحقوق لا يكتمل إلا إذا تُرجم إلى ضمانات قانونية وحماية دستورية، تُصان من العبث، وتوفّر حماية فعلية على أرض الواقع، بما في ذلك اتخاذ تدابير صريحة لمنع أي شكل من أشكال العقاب الجماعي بحق المجتمعات الكردية أو غيرها من المكونات.

كما نؤكد على الحاجة الملحّة للتصدي لخطاب الكراهية والتحريض والمحاسبة والمساءلة عليه. فالخطاب التحريضي، والسرديات اللاإنسانية، والمعلومات المضللة تغذي الخوف، و تشرعن العنف، وتعرّض المدنيين للخطر. كما أنها تقوّض الجهود الرامية إلى إعادة بناء الثقة بين المجتمعات وتكرّس دوامات المظلومية والانتقام. ويتعيّن على جميع الأطراف، بما في ذلك الجهات الإعلامية، التصرّف بمسؤولية والامتناع عن استخدام لغة تروّج الكراهية أو تبرر الانتهاكات بحق أي مكوّن مجتمعي وتنشر الشائعات. كما تؤكد المنظمات الموقعة على ضرورة ضمان وصول غير مشروط لمجموعات التوثيق ووسائل الإعلام الدولية والمستقلة لضمان توثيق وتغطية شفافين.

كما تؤكد المنظمات الموقعة على ضرورة النظر للتغيرات الأمنية والإدارية من زاوية حقوق ضحايا الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري وتطبيق واجب حماية الملفات والوثائق وأماكن الاعتقال والسجون. كما نطالب الحكومة السورية الانتقالية بالشفافية و مشاركة المعلومات حول ملفات عناصر تنظيم داعش المعتقلين من مرتكبي الجرائم وملف مفقودي وضحايا التنظيم وملف المعتقلين والمفقودين في سجون الحكومة الانتقالية، و سجون قوات سورية الديمقراطية، بما في ذلك المعتقلين حديثاً.

ونؤكد أن كلاً من الحكومة السورية الانتقالية وقوات سوريا الديمقراطية تتحملان مسؤولية مشتركة عن شكل سوريا التي يجري بناؤها اليوم. فلا أحد بمنأى عن المساءلة، ولا يمكن لأي هدف سياسي أو عسكري أن يبرر انتهاك حقوق المدنيين. وتقع على عاتق جميع الأطراف مسؤولية ليس فقط إنهاء العنف، بل أيضًا ضمان عدم التسبب في مظالم جديدة من شأنها الإضرار بمستقبل الشعب السوري. ويجب أن تتقدم مصالح المدنيين السوريين وسلامتهم وكرامتهم على اعتبارات السلطة أو السيطرة أو النفوذ. وينبغي أن يشكل هذا الاتفاق نقطة تحوّل حقيقية، يُستبدل فيها استخدام القوة بضبط النفس، ويحل فيها الحوار محل العنف، وتُجعل حقوق جميع السوريين وكرامتهم أساسًا لمستقبل البلاد.

وفي الختام، تدعو المنظمات الموقعة إلى فتح قنوات تواصل فعّالة مع منظمات المجتمع المدني العاملة في المناطق المتأثرة بالأحداث الأخيرة، وإطلاق نقاش جدي حول الضمانات والتطمينات المقدّمة للسكان، ولا سيما في ظل واقع تُقدَّم فيه هذه الضمانات غالباً للأطراف العسكرية دون المدنيين/ات. كما تشدد المنظمات على ضرورة إشراك ممثلي السكان بصورة حقيقية وفعّالة في أي ترتيبات أمنية أو إدارية تمسّ حياتهم/ن وحقوقهم/ن، وتؤكد استعدادها للمساهمة في أي جهد من شأنه تخفيف الاحتقان وحقن الدماء.

المنظمات الموقعة على البيان:
1. حملة من أجل سوريا
2. النساء الآن للتنمية
3. متحف السجون
4. البرنامج السوري للتطوير القانوني
5. جمعية ليلون للضحايا
6. رابطة تآزر للضحايا
7. مواطنون لأجل سوريا
8. اليوم التالي
9. منظمة هيڤي للإغاثة و التنمية
10. المؤسسة السورية للأبحاث و التنمية المستدامة
11. لأجل النسوية
12. المزن
13. ابتكار
14. مسارات إبدالية
15. مركز المواطنة المتساوية
16. رابطة دار لضحايا التهجير القسري ( DAR)
17. منصة أسر المفقودين/ات في شمال وشرق سوريا
18. سين للسلم الأهلي
19. دولتي
20. منظمة إنسايت
21. وحدة تمكين المجتمع المدني
22. منظمة وايت هوب
23. مركز وصول لحقوق الإنسان (ACHR)
24. المركز السوري للدراسات والحوار
25. مبادرة فجين الشبابية
26. دارعدالة
27. سوريون من أجل الحقيقة والعدالة
28. العدالة من أجل الحياة
29. إعلام من أجل النساء
30. كش ملك
31. الشبكة السورية في الدانمارك
32. آشنا للتنمية
33. بيتنا
34. مؤسسة جيان الانسانية
35. المركز الكردي للدراسات القانونية ” ياسا ”
36. بيل – الأمواج المدنية
37. ايمباكت
38. ايلا للتنمية وبناء السلام
39. حقوقيات
40. مالفا للفنون والثقافة والتعلم
41. مركز آسو للاستشارات والدراسات الإستراتيجية
42. بدايتنا_ سوريا للجميع
43. التعاون الإنساني والإنمائي – HDC
44. مكتب التنمية المحلية ودعم المشاريع الصغيرة
45. ديموس
46. مركز المجتمع المدني والديمقراطية
47. مؤسسة سلام للأمل
48. مبادرة تعافي
49. شبكة الصحفيين الكورد
50. مركز اداد للدراسات وقضايا المراة والشباب
51. الجمعية النسائية السورية
52. منظمة ملفات قيصر للعدالة
53. جمعية نوجين للتنمية المجتمعية
54. RÊ للتاهيل و التنمية
55. منظمة الرسالة الانسانية المستقلة
56. آراس
57. حُماة حقوق الإنسان
58. دان للإغاثة والتنمية
59. شبكة ضحايا انعدام الجنسية في الحسكة
60. حراس الحقيقة

لتحميل التقرير

«تسوية» محمد حمشو الحكومية: قراءة قانونية وحقوقية

21 يناير, 2026        |   هذا المنشور متوفر أيضاً باللغة : الإنجليزية

محمد صابر حمشو رجل أعمال سوري برز بوصفه أحد أبرز الفاعلين الاقتصاديين المرتبطين بنظام الأسد خلال أربعة عشر عاماً من الثورة السورية. وُلد في دمشق عام 1966، وبنى إمبراطورية تجارية متعددة القطاعات شملت البناء والبتروكيماويات والاتصالات والإنتاج الإعلامي والهندسة. وقد ارتبط صعوده الاقتصادي ارتباطاً وثيقاً بشبكات النفوذ والمحسوبية السياسية، ولا سيما من خلال علاقته بماهر الأسد، شقيق الرئيس السابق بشار الأسد.

وبسبب هذه الارتباطات، فرضت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي عقوبات على حمشو وشركاته في وقت مبكر من عمر الثورة، وجرى تصنيفه كأحد الممكّنين الاقتصاديين الرئيسيين للنظام. واتُّهم بالعمل كواجهة تجارية لمصالحه، وبالاستفادة من العنف والنهب، ومن فرص ما سُمّي بإعادة الإعمار المرتبطة بالحملات العسكرية ضد المناطق المدنية.

في أواخر عام 2025 ومطلع عام 2026، عاد اسم حمشو إلى واجهة النقاش العام في سوريا، عقب إعلان لجنة مكافحة الكسب غير المشروع في الحكومة السورية الجديدة عن التوصل إلى تسوية شاملة معه. وبموجب هذه التسوية، قدّم حمشو إفصاحات واسعة عن أصوله وتنازل عن ممتلكات كبيرة مقابل تسوية وضع ثروته من الناحيتين القانونية والمالية. وهي خطوة أكدت لجنة مكافحة الكسب غير المشروع على أنها تنحصر فقط في استرداد المال العام المتحصل من الكسب غير المشروع خلال المرحلة السابقة، ولا تمتد إلى المحاسبة الجرمية أو الجزائية، بما في ذلك الجرائم المرتبطة بالحرب أو ما يُعرف بالتكسب من الحروب.

غير أن هذا الاتفاق أثار فوراً موجة واسعة من الانتقادات داخل سوريا وخارجها. فقد تساءل الكثيرون عن قدرة شخص يُنظر إليه على نطاق واسع بوصفه متواطئاً في انتهاكات جسيمة من الحصول على تسوية إدارية من دون أي رقابة قضائية، محذرين من أن مثل هذه الترتيبات تُفرغ مبدأ المساءلة من مضمونه وتُكرّس الإفلات الانتقائي من العقاب.

فلا يوجد في التشريعات السورية النافذة إطار قانوني سليم يجيز للدولة «تسوية أوضاع» أشخاص يُشتبه بارتكابهم جرائم مالية جسيمة، ناهيك عن أولئك الذين يُحتمل تورطهم في دعم وتسهيل انتهاكات خطيرة، من دون إخضاعهم للمساءلة القضائية. والمقصود بغياب الإطار القانوني هنا ليس انعدام نص مانع صريح، بل غياب نص تشريعي يحدد على نحو واضح الجهة المختصة بإجراء مثل هذه التسويات، ونطاقها، وآلياتها، وضماناتها، وحدودها، بما في ذلك ما يتصل بحقوق الضحايا والرقابة القضائية. ولا يجوز للسلطة التنفيذية مباشرة إجراءات من هذا النوع إلا استنادًا إلى أساس قانوني صريح، وهو ما لا يمكن أن يتحقق بمجرد تفويض إداري أو قرار رئاسي لا يسمو على القانون ولا يستبدل اختصاص القضاء.

ووفق المبادئ العامة للقانون الوطني، وبما يتوافق مع الالتزامات القانونية الدولية، تقع على عاتق الدولة مسؤولية التحقيق في الجرائم المزعومة وتحديد المسؤولية الجنائية الفردية من خلال إجراءات قضائية عادلة ومستقلة.

ويقتضي المسار القانوني السليم إجراء التحقيق، ثم إحالة القضية إلى القضاء، وصولاً إلى صدور حكم بالبراءة أو الإدانة. ولا يترتب على هذه العملية أي آثار قانونية نهائية إلا بصدور قرار قضائي مكتسب للدرجة القطعية. وفي هذا الإطار، لا يكون لأي مقاربات بديلة، كالتسويات أو أشكال المعالجة غير القضائية، محلّ للنقاش إلا في نطاق ضيق للغاية، وبعد استكمال الإجراءات القضائية، وبما يضمن عدم المساس بحقوق المتضررين والضحايا في المساءلة والإنصاف وجبر الضرر.

ما جرى في حالة حمشو التفّ على هذا التسلسل القانوني. فقد أُبرمت تسوية مالية وإدارية خارج إطار القضاء، من خلال لجنة لا يمنحها مرسوم إنشائها أي صلاحية قضائية أو سلطة لتحديد المسؤولية الجنائية. وحتى لو قُدّمت هذه التسويات شكلياً على أنها لا تمنح حصانة ولا تُغلق ملفات جنائية، فإن إبرامها قبل الشروع في الإجراءات القضائية يؤدي عملياً إلى استباق مسار المساءلة الطبيعي. كما لا يمكن تبرير هذه الخطوة قانوناً بالاستناد إلى قانون للعدالة الانتقالية لم يُقرّ بعد، إذ إن استخدام تشريع لاحق لتبرير ترتيبات سابقة يُعد خروجاً عن المبادئ القانونية المستقرة التي تحكم مسارات المساءلة.
ومن الصعب تفادي الخلاصة التالية: لا يمكن وصف هذا الاتفاق بأنه منسجم مع الأطر القانونية الوطنية. بل إنه يثير مخاوف جدية بشأن تكريس تسويات استثنائية تُقوّض سيادة القانون وتُرسّخ الإفلات الانتقائي من العقاب.

وعلى المستوى الدولي، يفرض القانون الدولي على الدول التزاماً واضحاً بالتحقيق في الجرائم الدولية، مثل جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وملاحقة مرتكبيها. ولا يقتصر هذا الالتزام على العسكريين أو الجماعات المسلحة، بل يشمل جميع الفاعلين، بمن فيهم الفاعلون الاقتصاديون.

وتنص القاعدة 158 من دراسة القانون الدولي الإنساني العرفي الصادرة عن اللجنة الدولية للصليب الأحمر، والملزمة لجميع الدول، على وجوب التحقيق في جرائم الحرب التي يُشتبه بارتكابها من قبل رعايا الدولة وملاحقة مرتكبيها، ما يضع حمشو بوضوح ضمن نطاق هذا الالتزام.

وقد شهدت السنوات الأخيرة تزايداً ملحوظاً في قضايا مساءلة الشركات عن التواطؤ المزعوم في الجرائم الدولية. ففي فرنسا، تُحاكم حالياً عملاقة صناعة الإسمنت «لافارج» وعدد من مدرائها التنفيذيين بتهم تمويل الإرهاب وانتهاك العقوبات الدولية، فيما لا يزال التحقيق في تواطؤ الشركة بجرائم ضد الإنسانية مستمراً. وفي السويد، يُحاكم مديرون تنفيذيون سابقون في شركة «لوندين أويل» بتهمة التواطؤ في جرائم حرب ارتُكبت في جنوب السودان. وتعكس هذه القضايا توجهاً متنامياً نحو إخضاع الفاعلين الاقتصاديين للمساءلة عن دورهم في الجرائم التي تصدم الضمير الإنساني.

ومع ذلك، فإن التركيز على دور الفاعلين الاقتصاديين في القانون الجنائي الدولي ليس ظاهرة حديثة. ففي محاكمات نورمبرغ، حوكم عدد كبير من المدراء التنفيذيين في صناعات مثل الفولاذ والكيماويات وتصنيع الأسلحة بتهم التواطؤ في الفظائع النازية.

وعليه، فإن أي قرار تتخذه الحكومة السورية الانتقالية بإعفاء حمشو من مسؤوليته عن المساعدة أو التحريض على فظائع ارتُكبت على نطاق واسع من قبل نظام الأسد من شأنه أن يشكّل إخلالاً جسيماً بواجباتها بموجب القانون الدولي، وانتهاكاً صريحاً لحقوق الضحايا.

وإلى جانب البعد القانوني، تنطوي التسوية مع حمشو أيضاً على دلالات رمزية وإعلامية خطيرة قد تُقوّض الثقة بمسارات العدالة الانتقالية والمساءلة.

ففي الأيام التي أعقبت إعلان التسوية، خرج متظاهرون في مختلف أنحاء سوريا للتنديد بالاتفاق. وشارك سوريون، بمن فيهم أشخاص متضررون بشكل مباشر، في احتجاجات في مدن وأحياء تضررت بشدة من ممارسات حمشو، مثل جوبر وداريا والقابون. وأكد الضحايا أن موافقة الدولة على التسوية مع حمشو لا تُسقط مطالبهم الفردية بحقه، وأن هذه المطالب لا تزال قائمة ويجب احترامها.

وقد ترددت مشاعر الغضب والإحباط بسبب غياب الإنصاف وجبر الضرر في الشارع وعلى وسائل التواصل الاجتماعي. وحذّر آخرون من أن «تطبيع العلاقات» مع أحد أبرز ممولي النظام وأركانه الاقتصادية يشير إلى استمرار النهج السائد قبل كانون الأول/ديسمبر 2024، حيث كانت الثروة والصلات السياسية كفيلة بتمكين الأفراد من الإفلات من العدالة.

وفي هذا السياق، أوضحت الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية أن التسويات الإدارية لا تحل محل المساءلة القضائية ضمن مسار العدالة الانتقالية. كما شدد البيان التوضيحي على أن تمويل الجرائم الجسيمة وانتهاكات حقوق الإنسان، وهو سلوك ينطبق على حالة حمشو، يُعد جريمة لا يجوز شمولها بالعفو.

إن الإفلات من العقاب، وحتى مجرد الإحساس بوجوده، يقوّض العدالة الانتقالية التي تقوم أساساً على ثقة ومشاركة أصحاب الحقوق المتضررين. وإذا شعر الضحايا السوريون بأن القرارات المتعلقة بالعدالة تُتخذ من دون إشراكهم بشكل فعّال، فقد يفقدون الثقة بوعد العدالة الانتقالية وينسحبون من مساراتها المستقبلية، بما في ذلك لجان الحقيقة أو المحاكمات. كما أن عدم اتخاذ تدابير فعالة لتفكيك نفوذ كبار المتورطين السابقين يترك خطر تكرار الانتهاكات قائماً دون معالجة حقيقية.

ولهذه الأسباب، إذا كان لمشروع العدالة الانتقالية في سوريا أن يحتفظ بمصداقيته، فلا يمكن التعامل مع اتفاق حمشو بوصفه حلاً نهائياً. وعلى أقل تقدير، يجب على السلطات أن تُعلن بوضوح الفصل بين استرداد الأصول والمساءلة الجنائية، بما يضمن ألا تؤدي التسويات المالية إلى إنهاء أو استباق الإجراءات القضائية. وينبغي ربط أي أصول مُستردة بشكل شفاف بجبر ضرر الضحايا، لا التعامل معها كإيرادات تقديرية للدولة.

وبصورة أعمق، يجب أن تمضي التحقيقات الجدية في الدور المزعوم لحمشو في تمويل الجرائم الجسيمة وتسهيلها عبر قنوات قضائية مستقلة، سواء على المستوى الوطني أو من خلال التعاون الدولي. ويجب الاعتراف بالضحايا كأصحاب حقوق، لا كمجرد متفرجين على «صفقات نخبوية»، ومنحهم الصفة القانونية اللازمة لمتابعة مطالباتهم.

وفي نهاية المطاف، فإن الخيار الذي يواجه سوريا ليس بين التعافي الاقتصادي والعدالة. فالتعافي المستدام لا يمكن أن يتحقق إلا في ظل سيادة القانون. وقد توفّر الصفقات الاستثنائية مع أصحاب النفوذ مكاسب مالية قصيرة الأجل، لكنها تحمل كلفة بعيدة المدى تتمثل في تآكل الشرعية، وإضعاف المؤسسات، وإفراغ العدالة الانتقالية من مضمونها. وإذا كانت المصالحة أكثر من مجرد شعار، فلا بد أن تقوم على المساءلة.

حماية المدنيين في جميع أنحاء حلب

يناير 8,  2026      

تعرب المنظمات الموقعة أدناه عن بالغ قلقها إزاء تجدد موجة العنف التي تطال المدنيين في مدينة حلب. ومرة أخرى، يتحمّل المدنيون-ات العبء الأكبر للأعمال العدائية وحالة الجمود السياسي بين أطراف متعددة في سوريا، بما يعرّض حياتهم-ن وكرامتهم وحقوقهم الأساسية لتهديدات جسيمة. يؤدي هذا العنف المتجدد إلى تقويض التماسك الاجتماعي ويبدد فرص إقامة سوريا آمنة وحرة وشاملة لجميع المواطنين السوريين.

وتذكر المنظمات الموقعة أن جميع أطراف النزاع ملزمة، بموجب القانون الدولي بحماية المدنيين-ات وبالامتناع عن شن أي هجمات عشوائية أو غير متناسبة من شأنها إلحاق أضرار بالمدنيين أو بالأعيان المدنية. وفي هذا الإطار، تطالب المنظمات الحكومة السورية الانتقالية وقوات سوريا الديمقراطية إلى الوقف الفوري لأي أعمال عسكرية أو أمنية تنتهك هذه الالتزامات، واتخاذ جميع التدابير الممكنة لمنع أي ضرر قد يلحق بالمدنيين. إن حماية المدنيين ليست مسألة اختيارية، بل هي التزام قانوني بموجب القانون الدولي، وشرط أساسي لأي مسار جاد نحو العدالة والسلام المستدام، ولأي جهود تهدف إلى بناء سوريا جديدة.

ونحث الحكومة السورية الانتقالية بشكل خاص عقب إعلانها عن عملية عسكرية في بعض الأحياء، على وقف أي عمليات عسكرية حالية أو مستقبلية في المناطق المكتظة بالسكان، متى انطوى أي عمل عسكري على خطر أن يكون عشوائياً ويعرض المدنيين للخطر. ونؤكد في هذا السياق أن على الحكومة السورية الانتقالية واجباً معزّزاً لضمان حماية جميع المواطنين ات السوريين ات، كما يقع على عاتقها واجب الامتناع عن تنفيذ أي عمل عسكري إذا تعذر توفير ضمانات حماية المدنيين ات. إن تسهيل مرور المدنيين ات لا يُعد بديلا عن واجب حمايتهم-ن، ولا سيما في الحالات التي لا يضمن فيها ضيق الوقت أو الطبيعة المكتظة للمناطق أو ظروف النزوح الحماية من العنف.
كما تُبدي المنظمات الموقعة قلقها البالغ إزاء الأوضاع الإنسانية التي تواجهها العائلات النازحة من المناطق التي تشهد اشتباكات، والعائلات التي مازالت عالقة في هذه المناطق, في ظل الحاجة الملحة إلى استجابة إنسانية فورية. وتدعو المنظمات الجهات الإنسانية إلى الاستجابة لاحتياجات المتضررين ات، بما في ذلك توفير المأوى وحزم المواد الأساسية والمساعدات المنقذة للحياة، لتمكينهم-ن من الصمود في ظل الظروف الجوية القاسية إلى حين توقف الأعمال العدائية وعودتهم إلى مناطقهم. كما تؤكد ضرورة التزام جميع الأطراف بضمان حماية العائلات النازحة من أي عنف أو عقوبات جماعية أو تمييز قد يتعرضون له في المناطق التي نزحوا إليها. كما أن اتخاذ إجراءات شاملة وسريعة لتوثيق الانتهاكات أمرُ أساسي لضمان المساءلة.

وتحذر المنظمات الموقعة من خطر تصاعد الاستقطاب الاجتماعي المصاحب لهذا العنف، كما حدث في أحداث سابقة، وتذكر بمسؤولية وسائل الإعلام والفاعلين في المجال العام في الالتزام بالموضوعية والمهنية في نقل الأخبار والامتناع عن خطاب الكراهية والتحريض أو أي ممارسات قد تؤدي إلى العنف أو التمييز، وضمان ألا تسهم التغطيات الإعلامية أو الخطاب العام في إلحاق مزيد من الضرر أو الوصم أو التصعيد. وعليه ، تؤكّد المنظمات أن المسؤولية الأساسية تقع على عاتق الحكومة في منع ومكافحة خطاب الكراهية والتحريض، من خلال اتخاذ التدابير القانونية والمؤسسية اللازمة لتجريمه، ومحاسبة المسؤولين عنه.

وفي الختام، ندعوا الحكومة السورية الانتقالية وقوات سوريا الديمقراطية الى استخلاص الدروس من موجات العنف السابقة التي شهدتها سوريا عام ٢.٢٥ واتخاذ خطوات جدية من أجل تعزيز التدابير الوقائية وضمان حماية جميع السوريين-ات من الاستهداف الجماعي، وإظهار التزام ملموس ببناء سوريا حرة وآمنة للجميع عن طريق الحوار والتفاوض السلمي إن حماية المدنيين في جميع أنحاء حلب يجب أن تكون في صميم جميع القرارات الأمنية والسياسية والعسكرية. إن استمرار تجاهل حماية المدنيين-ات لن يؤدي إلا إلى مزيد من الخسائر في الأرواح وإلى آثار مدمّرة على الأطفال، وتعميق الانقسامات المجتمعية، وتقويض إمكانية بناء سوريا حرة وآمنة يعيش فيها جميع الناس بكرامة ودون خوف.

المنظمات الموقعة
المنظمات الموقعة
• البرنامج السوري للتطوير القانوني
• جمعية صفا التنموية
• منصة ديفاكتو الحوارية
• المركز السوري للإعلام وحرية التعبير
• حملة من أجل سوريا
• منظمة آشنا للتنمية
• إعلام من أجل النساء
• دوزنة
• منظمة ارتيست للثقافة و التنمية
• ارزو
• دولتي
• منظمة الرسالة الإنسانية المستقبة
• أكشن فور سما
• دان للإغاثة والتنمية
• منظمة الفرات
• التعاون الإنساني والإنمائي – HDC
• دار عدالة
• منظمة روز للدعم والتمكين
• أهيمسا للاعنف
• ديموس
• منظمة وايت هوب
• اليوم التالي
• رابطة تآزر للضحايا
• مواطنون لأجل سوريا
• النساء الان للتنمية
• RP للريادة المجتمعية
• منظمة نساء الغد
• العدالة من أجل الحياة
• RÊ للتاهيل و التنمية
• مركز وصول لحقوق الإنسان (ACHR(
• لأجل النسوية
• ملفات قيصر للعدالة
• الجمعية الثقافية الدانماركية السورية
• سلام للأمل
• منظمة حيان الإنسانية
• الشبكة السورية في الدانمارك
• سين للسلم الأهلي
• مركز اشتي لبناء السلام
• آراس
• شبكة قائدات السلام
• منظمة بادر للتنمية المجتمعية
• بيتنا
• مؤسسة بلدنا
• اللجنة الدبلوماسية لمؤتمر ستار
• بيل- الأمواج المدنية
• مؤسسة آشتي
• مؤسسة جوى
• ببام للصحة النفسية والتنمية البشرية
• مؤسسة جيان لحقوق الانسان
• منظمة دعاة المساءلة
• تاء مربوطة
• مالفا للفنون والثقافة والتعلم
• منظمة روج آفا
• جمعية السفراء للأشخاص ذوي الإعاقة
• مركز آسو للاستشارات والدراسات الاستراتيجية
• مركز المواطنة المتساوية
• جمعية شاوشكا للمرأة
• مركز المجتمع المدني والديمقراطية
• مكتب التنمية المحلية ودعم المشاريع الصغيرة
• جمعية ليلون للضحايا
• مسارات إبدالية
• نون لبناء السلام
• منظمة روج كار للإغاثة والتنمية
• مكتب تمكين المرأة
• الجمعيه النسائيه السورية
• ناجيات سوريات
• مركز أداد للدراسات وقضايا المرأة والشباب
• شبكة الصحفيين الكورد السوريين
• جمعية ماري للثقافة والفنون والبيئة
• مجلس المرأة السورية
• وحدة تمكين المجتمع المدني
• مبادرة تعافي
• رابطة معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا
• ُحماة حقوق الإنسان
• الشبكة السورية لحقوق الإنسان
• منظمة المزن
• المركز المدني
• نودم
• منظمة دجلة للتنمية والبيئة
• الحزب الديمقراطي السوري
• شبكة ضحايا انعدام الجنسية في الحسكة
• منظمة احلام صغيرة لدعم وتمكين المرأة
• منظمة ايلا للتنمية وبناء السلام
• المؤسسة السورية للأبحاث و التنمية المستدامة
• مبادرات نسائية
• منصة مؤسسات المجتمع المدني في شمال وشرق سوريا
• منظمة دجلة للتنمية والبيئة
• المركز السوري للدراسات والحوار
• جمعية Yekpar للثقافة والفن
• الزاجل
• منظمة احلام صغيرة لدعم وتمكين المرأة
• مؤسسة ايزدينا
• دودري
• ّ فريق صناع المستقبل
• ّ تطوع لنبني
• فجر
• منظمة زيلا للتنمية والبيئة
• نساء لأجل السلام
• منظمة هيڤي للإغاثة و التنمية
• منظمة تارا للتنمية
• منظمة الحياة
• منظمة هوري لحقوق الإنسان
• دوز
• منظمة سارا لمناهضة العنف ضد المراة
• وي كير
• حقوقيات
• الأرشيف السوري – نيمنك
• جمعية جدائل خضراء البيئية
• رابطة عائلات من أجل الحرية
• سوريانا الامل
• منصة أسر المفقودين/ات في شمال وشرق سوريا
• فريق حبق
• خيمة الحقيقة جرمانا
• شبكة السلم الأهلي نول
• رابطة غياث مطر

لتحميل التقرير

ناجيات و ناجون ومحامون وعائلات ضحايا الاختفاء القسري في سوريا يقدّمون شكوى تاريخية في الأرجنتين ضدّ الأسد

16 ديسمبر, 2025        |   هذا المنشور متوفر أيضاً باللغة : الإنجليزية

بيان إعلامي: 16 كانون الأول/ديسمبر 2025

● مجموعات تطالب بفتح تحقيق بحق بشار الأسد وأسماء الأسد ومسؤولين بارزين عن جريمة الاختفاء القسري كجريمة ضدّ الإنسانية
● الأرجنتين في موقع فريد للتحقيق في جرائم الاختفاء القسري، بما في ذلك انتزاع الأطفال من عائلاتهم وإخفاء هوياتهم

قدّمت عائلات وناجون من ميثاق الحقيقة والعدالة (TJC)، ورابطة معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا (ADMSP)، والبرنامج السوري للتطوير القانوني (SLDP)، وبدعمٍ قانوني من Estudio Durrieu ومؤسستهم لضحايا الانتهاكات الدولية، شكوى جزائية ضمن نظام العدالة الفدرالي في الأرجنتين بتاريخ 5 كانون الأول/ديسمبر، طالبت بفتح تحقيق حول مسؤولية الرئيس السابق بشار الأسد، وأسماء الأسد، ومسؤولين بارزين في النظام السوري عن جرائم ضدّ الإنسانية تتمثّل في الاختفاء القسري. واليوم، تشرح المجموعات ما الذي تعنيه هذه القضية لمسار البحث عن الحقيقة والعدالة.

تركّز الشكوى على جرائم الاختفاء القسري كجرائم ضدّ الإنسانية، مع اهتمام خاص بحالات الاختفاء المنهجي للأطفال عبر الاعتقال التعسفي، وانتزاعهم من عائلاتهم، والإخفاء طويل الأمد لمصيرهم وأماكن وجودهم.

رُفعت القضية استنادًا إلى مبدأ الولاية القضائية العالمية، الذي يخول المحاكم الفدرالية في الأرجنتين التحقيق في الجرائم الدولية وملاحقتها، بغضّ النظر عن مكان ارتكابها أو جنسية الجناة أو الضحايا. وقد لعبت الأرجنتين دورًا رياديًا في ملاحقة جرائم الاختفاء القسري، بما في ذلك القضايا المتعلّقة بانتزاع الأطفال وطمس هوياتهم.

وقالت فاطمة الوحيدي من مجموعة الميثاق، ووالدة مهند عمر الذي اختفى قسرًا منذ عام 2012، وتلقت في تشرين الثاني/نوفمبر 2025 وثائق تشير إلى إعدامه في سجن صيدنايا:

“كما قادت أمهات وجدّات الأرجنتين طريق العدالة؛ متحدّيات الصمت والخوف والإنكار، ومغيّرات مجرى التاريخ بنضالهن، فإننا نحن الأمهات السوريات نسير على خطاهن بإيمان لا يتزعزع.
وكما حملنا صور أبنائنا وبناتنا في كل ساحة قبل سقوط النظام، سنواصل اليوم مسيرتنا، نلاحق المجرمين أينما كانوا، حتى نحقق لأطفالنا العدالة والحرية والكرامة التي حلموا بها.”

وقالت سنا كيخيا، المديرة التنفيذية للبرنامج السوري للتطوير القانوني (SLDP):

“تعكس هذه القضية جوهر التضامن القضائي العابر للحدود: الفهم بأن ارتكاب الجرائم ضدّ الإنسانية يفرض على كل دولة واجب استخدام جميع الوسائل المتاحة ضمن ولايتها، بما في ذلك الولاية القضائية العالمية، لدعم جهود العدالة، وضمان ألّا يكون هناك ملاذ آمن للمسؤولين ولا حواجز أمام الحقيقة للناجين. إن العدالة للسوريين مسؤولية جماعية، ويمكن للأرجنتين، المتجذّرة في قيادتها الخاصة بمواجهة جريمة الاختفاء القسري، أن تقف كفعل تضامن قوي مع العائلات السورية والمسار السوري المستمر للمساءلة.”

وقالت ملك عوده، والدة الطفل ماهر خانكان الذي اعتُقل من مدرسته عام 2012:

“لم يكن اختفاء ابني من مقعده الدراسي مصيرًا غامضًا، بل جريمة مستمرة، وشكلًا متواصلًا من العقاب القاسي واللا إنساني له ولي.”

وقالت ريم قاري، والدة الطفل كريم ترجمان الذي اعتُقل مع والده وصديق والده على حاجز عسكري في ريف حمص عام 2013:

“منذ اختفاء ابني كريم وهو في الثانية والنصف من عمره، مع والده على حاجز عسكري تابع لنظام الأسد، أرى وجهه في كل طفل أصادفه؛ في الشوارع والأسواق وفي كل مكان أذهب إليه. كريم يكبر ويتغيّر بعيدًا عني، فيما لم أعثر على خيط واحد يمكن أن يعيدني إليه.”

تأتي هذه الشكوى ضمن مجموعة أوسع من الجهود التي تبذلها العائلات والخبراء القانونيون لتعزيز الحقيقة والعدالة لعائلات المختفين والمفقودين من الأطفال، داخل سوريا وخارجها.

لقد أسّست عملية العدالة الانتقالية في الأرجنتين، والعمل الدؤوب لرابطات عائلات الضحايا هناك، لاجتهادات قضائية وآليات تحقيق رائدة لملاحقة الحقيقة والعدالة للأفراد والأطفال الذين تعرّضوا للاختفاء.

وقالت وفا مصطفى، مديرة المناصرة في حملة The Syria Campaign وابنة علي مصطفى المختفي قسرًا منذ عام 2013:

“منذ سقوط الأسد قبل عام، تطالب آلاف العائلات بالحقيقة والعدالة لأحبّتها، بما في ذلك العائلات التي اختطف النظام أطفالها ولا يزال مصيرهم وهوياتهم وأماكن وجودهم مجهولة. يجب على المجتمع الدولي والسلطات الانتقالية في سوريا ألا يدّخروا جهدًا للاستجابة لهذه المطالب. إن العدالة لجريمة الاختفاء القسري أساسية لضمان ألّا يُبنى مستقبل سوريا على الإنكار أو الصمت أو الإفلات من العقاب.”

انتهى
________________________________________
ملاحظات للمحررين

● ميثاق الحقيقة والعدالة هو ائتلاف من جمعيات الضحايا والعائلات يعمل من أجل العدالة والمساءلة.
● لتنظيم مقابلات مع العائلات أو الناجين أو الخبراء القانونيين، يُرجى التواصل مع:

لمتحدثي البرنامج السوري للتطوير القانوني: فيرونيكا بيلينتاني (إنكليزي/عربي/إسباني): v.bellintani@sldp.ngo

لمتحدثي مجموعة الميثاق: جود الحمادة (إنكليزي/عربي): joud.alhammadeh@tjcharter.org

لمتحدثي رابطة معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا: حنان حليمة (إنكليزي/عربي): hanan.h@admsp.org

Estudio Durrieu / مؤسسة ضحايا الانتهاكات الدولية (إنكليزي/إسباني): tag@victimsinternational.org و rdf@durrieu-lex.com (المستشارون القانونيون للأطراف المقدِّمة للشكوى)

أو: media@thesyriacampaign.org

مرجع: https://thesyriacampaign.org/survivors-lawyers-and-families-of-syrias-disappeared-file-historic-complaint-in-argentina-against-assad/

ﺗﺠﺮﯾﻢ »اﻹﯾﻜﻮﺳﺎﯾﺪ« او اﻹﺑﺎدة اﻟﺒﯿﺌﯿﺔ: ﺗﺄﻣﻼت ﻣﻦ ﻣﻨﺘﺪى اﻷﻣﻢ اﻟﻤﺘﺤﺪة ﻟﻸﻋﻤﺎل اﻟﺘﺠﺎرﯾﺔ وﺣﻘﻮق اﻹﻧﺴﺎن

12 ديسمبر, 2025        |   هذا المنشور متوفر أيضاً باللغة : الإنجليزية

ﻓﻲ اﻟﺪورة اﻟﺮاﺑﻌﺔ ﻋﺸﺮة ﻣﻦ ﻣﻨﺘﺪى اﻷﻣﻢ اﻟﻤﺘﺤﺪة ﻟﻸﻋﻤﺎل وﺣﻘﻮق اﻹﻧﺴﺎن ﻓﻲ ﺟﻨﯿﻒ اﻟﺸﮭﺮ اﻟﻤﺎﺿﻲ، ﻗﺪّﻣَﺖ ﺣﻠﻘﺔ اﻟﻨﻘﺎش اﻟﻤﻌﻨﻮﻧﺔ »ﺗﻌﺰﯾﺰ اﻟﻤﺴﺎءﻟﺔ ﻋﻦ اﻟﻀﺮر اﻟﺒﯿﺌﻲ: ﻣﺴﺎرات ﻟﻤﻤﺎرﺳﺎت ﺗﺠﺎرﯾﺔ ﺗﺤﻮّﻟﯿﺔ« ﺗﺬﻛﯿﺮاً ﻗﻮﯾﺎً ﺑﻜﯿﻒ ﺗﻐﯿّﺮ اﻟﻨﻘﺎش اﻟﻌﺎﻟﻤﻲ ﺣﻮل ﺣﻤﺎﯾﺔ اﻟﺒﯿﺌﺔ ﺑﻌﻤﻖ. ﻟﻢ ﺗﻌﺪ ﻣﺴﺄﻟﺔ اﻟﺘﺪﻣﯿﺮ اﻟﺒﯿﺌﻲ ﺗُﺆطﱠﺮ ﻛﻤﺸﻜﻠﺔ ﺗﻘﻨﯿﺔ أو ﻗﻄﺎﻋﯿﺔ ﻓﺤﺴﺐ؛ ﺑﻞ ﺗُﻌﺮَف اﻟﯿﻮم ﺑﺸﻜﻞ ﻣﺘﺰاﯾﺪ ﻋﻠﻰ أﻧﮭﺎ أزﻣﺔ ﺣﻘﻮق إﻧﺴﺎن، وﻣﺤﻔﺰٌ ﻟﻼﻧﻌﺪام اﻷﻣﻨﻲ، واﻷھﻢ ﻣﻦ ذﻟﻚ — اﺣﺘﻤﺎلُ أن ﺗﻜﻮن ﺟﺮﯾﻤﺔً دوﻟﯿﺔ.

اﻹطﺎر اﻟﻤﻌﻨﻮي اﻟﻘﺎﺋﻢ ﯾﺤﻤّﻞ اﻟﺠﮭﺎت اﻟﻌﺎﻣﺔ واﻟﺨﺎﺻﺔ ﻣﺴﺆوﻟﯿﺔ اﻻﻣﺘﻨﺎع ﻋﻦ اﻟﺘﺴﺒﺐ ﻓﻲ ﺿﺮر ﺑﯿﺌﻲ. ﺗُﺤ ﱢﺪد ﻣﺒﺎدئ اﻷﻣﻢ اﻟﻤﺘﺤﺪة اﻟﺘﻮﺟﯿﮭﯿﺔ ﺑﺸﺄن اﻷﻋﻤﺎل اﻟﺘﺠﺎرﯾﺔ وﺣﻘﻮق اﻹﻧﺴﺎن ﺗﻮﻗﻌﺎتٍ ﻟﻠﺸﺮﻛﺎت ﺑﻀﺮورة اﺣﺘﺮام ﺣﻘﻮق اﻹﻧﺴﺎن واﻟﺒﯿﺌﺔ ﻣﻌﺎً، ﺑﻤﺎ ﻓﻲ ذﻟﻚ ﺗﻄﺒﯿﻖ ﻗﻮاﻋﺪ اﻟﻘﺎﻧﻮن اﻟﺪوﻟﻲ اﻹﻧﺴﺎﻧﻲ ﻓﻲ ﺣﺎﻻت اﻟﻨﺰاع اﻟﻤﺴﻠّﺢ — وھﻲ ﻗﻮاﻋﺪ ﺗﺤﺘﻮي ﻋﻠﻰ ﻋﺪد ﻣﻦ اﻷﺣﻜﺎم ﻓﯿﻤﺎ ﯾﺘﻌﻠﻖ ﺑﺤﻤﺎﯾﺔ اﻟﺒﯿﺌﺔ ﻓﻲ اﻟﻨﺰاﻋﺎت اﻟﺪوﻟﯿﺔ وﻏﯿﺮ اﻟﺪوﻟﯿﺔ. وﻓﻲ ﯾﻮﻟﯿﻮ 2022، اﻋﺘﻤﺪت اﻟﺠﻤﻌﯿﺔ اﻟﻌﺎﻣﺔ ﻟﻸﻣﻢ اﻟﻤﺘﺤﺪة ﻗﺮاراً ﯾﻌﺘﺮف ﺑـﺎﻟﺤﻖ ﻓﻲ ﺑﯿﺌﺔ ﻧﻈﯿﻔﺔ وﺻﺤﯿﺔ وﻣﺴﺘﺪاﻣﺔ، ﻣﺆﻛﺪاً اﻟﻄﺒﯿﻌﺔ اﻟﻤﺘﺮاﺑﻄﺔ ﻟﺤﻘﻮق اﻹﻧﺴﺎن وﺣﻤﺎﯾﺔ اﻟﺒﯿﺌﺔ. وﻋﻠﻰ اﻟﺮﻏﻢ ﻣﻦ أن ﻧﻈﺎم روﻣﺎ ﻟﻠﻤﺤﻜﻤﺔ اﻟﺠﻨﺎﺋﯿﺔ اﻟﺪوﻟﯿﺔ ﯾﻮﻓﺮ ﺣﻤﺎﯾﺔ ﺑﯿﺌﯿﺔ ﻣﺤﺪودة ﻓﻲ ﺳﯿﺎق ﻧﺰاﻋﺎت ﻏﯿﺮ دوﻟﯿﺔ، إﻻ أنّ اﻷﺿﺮار اﻟﺒﯿﺌﯿﺔ ﻗﺪ ﺗُﻤﺜّﻞ ﻋﻨﺎﺻﺮ ﻣﺎدﯾﺔ ﻟﺠﺮاﺋﻢ أﺧﺮى — ﻣﺜﻞ ﺟﺮﯾﻤﺔ اﻟﻨﮭﺐ. وﻣﻊ ذﻟﻚ، ﺗﺒﻘﻰ ھﻨﺎك ﻓﺠﻮة: إذ ﯾَﺼﻌُﺐُ ﻋﻠﻰ اﻟﻘﺎﻧﻮن أن ﯾﺴﺘﻮﻋﺐَ اﻷذى اﻟﺒﯿﺌﻲ اﻟﻤﺘﻌﻤّﺪ، اﻟﻤﻨﮭﺠﻲ، واﻟﻤﺪﻓﻮع ﺑﻤﻨﻄﻖ اﻟﺮﺑﺢ.

ﻓﻲ ﺳﻮرﯾﺎ، أدت ﺗﺠﺰﺋﺔ اﻟﺤﻮﻛﻤﺔ اﻟﺴﯿﺎﺳﯿﺔ واﻻﻗﺘﺼﺎدﯾﺔ، وﺗﺪﻣﯿﺮ اﻟﺒﻨﻰ اﻟﺘﺤﺘﯿﺔ، واﻧﮭﯿﺎر إﺷﺮاف اﻟﺪوﻟﺔ إﻟﻰ ﻧﺸﻮء ﺑﻌﺾٍ ﻣﻦ أﺷﺪّ اﻷزﻣﺎت اﻟﺒﯿﺌﯿﺔ ﻓﻲ اﻟﻤﻨﻄﻘﺔ. ﻓﻲ اﻟﺸﻤﺎل اﻟﺸﺮﻗﻲ، أدت ﺗﻔﻜﯿﻚ اﻟﺒﻨﯿﺔ اﻟﻨﻔﻄﯿﺔ اﻟﺮﺳﻤﯿﺔ وﺗﻔﻮﯾﺾ ﻋﻤﻠﯿﺎت اﻻﺳﺘﺨﺮاج إﻟﻰ ﻣﺘﻌﮭّﺪﯾﻦ ﻣﺮﺗﺒﻄﯿﻦ ﺑﻔﺎﻋﻠﯿﻦ ﻣﺴﻠﺤﯿﻦ ﻏﯿﺮ ﺣﻜﻮﻣﯿﯿﻦ إﻟﻰ اﻧﺘﺸﺎر اﻟﻤﺤﺎرق اﻟﺒﺪاﺋﯿﺔ ﻟﺘﻜﺮﯾﺮ اﻟﻨﻔﻂ. ھﺬه اﻟﻤﺼﺎﻓﻲ اﻻرﺗﺠﺎﻟﯿﺔ، اﻟﺘﻲ ﺗﺪﯾﺮھﺎ أﻋﻤﺎل ﻣﺤﻠﯿﺔ وﺷﺒﻜﺎت ﻏﯿﺮ رﺳﻤﯿﺔ، أﻧﺘﺠﺖ ﺳﺤﺒﺎً ﻛﺜﯿﻔﺔ ﻣﻦ اﻟﺪﺧﺎن اﻟﺴﺎم، وﻧﻮاﺗﺞٍ ﻣﺸﻌﺔ، وﺗﻠﻮﯾﺜﺎً ﻋﻠﻰ ﺿﻔﺎف اﻷﻧﮭﺎر. وﻻ ﺗﺰال اﻟﻤﺠﺘﻤﻌﺎت ﺗﺘﺤﻤﻞ أﻋﺒﺎء ﺻﺤﯿﺔ ﺟﺴﯿﻤﺔ: ﺳﺮطﺎﻧﺎت، ﺣﺎﻻت إﺟﮭﺎض، أﻣﺮاض ﺗﻨﻔﺴﯿﺔ، ﺗﻠﻮث ﻣﺼﺎدر اﻟﺸﺮب، وﺗﺪھﻮر اﻟﺘﺮﺑﺔ. ﻋﻼوة ﻋﻠﻰ ذﻟﻚ، ﻏﺬّت ﻧﺪرة اﻟﻮﻗﻮد واﻟﯿﺄس اﻻﻗﺘﺼﺎدي ﺳﻮﻗﺎً ﺳﻮداء ﻧﺸﻄﺔ ﻟﻘﻄﻊ اﻷﺷﺠﺎر. رﺑﺤﺖ ﺷﺒﻜﺎتُ ﺗﺠﺎرٍ ﻣﻨﻈّﻤﺔ وﻣﻨﺘﺠﻮ ﻓﺤﻢ اﻟﺨﺸﺐ وﺟﻤﺎﻋﺎتٌ ﻣﺴﻠّﺤﺔ وﻓﺎﻋﻠﻮن ﺗﺠﺎرﯾﻮن ﻣﺮﺗﺒﻄﻮن ﺑﺎﻟﻨﺨﺐ اﻟﺴﯿﺎﺳﯿﺔ ﻣﻦ ﻋﻤﻠﯿﺎت ﻗﻄﻊ اﻟﻐﺎﺑﺎت ﻋﻠﻰ ﻧﻄﺎق واﺳﻊ ﻓﻲ ﻣﻨﺎطﻖ ﻣﺘﻌﺪّدة. وزاد ﻣﻦ ﺗﻌﻘﯿﺪ اﻷﻣﺮ أنّ ﻋﺪداً ﻣﻦ ﺣﺮاﺋﻖ اﻟﻐﺎﺑﺎت ﻛﺎﻧﺖ ﻣﺘﻌﻤﺪةً — أﺣﯿﺎﻧﺎً ﻣﻦ ﻗِﺒَﻞ ﻧﺨﺐٍ ﺗﺠﺎرﯾﺔ ﻣﺮﺗﺒﻄﺔ ﺑﺎﻟﻨﻈﺎم اﻟﺴﻮري — ﺑﮭﺪف ﺗﻄﮭﯿﺮ اﻷراﺿﻲ ﻟﻠﺒﻨﺎء أو ﻟﻼﺳﺘﻌﻤﺎل اﻟﺼﻨﺎﻋﻲ أو ﻹﻧﺘﺎج اﻟﻔﺤﻢ اﻟﺮﺑﺤﻲ. ھﺬه اﻟﺤﺮاﺋﻖ ﻣﺤّﺖ ﺳﺒﻞ ﻋﯿﺶ وأﻏﺮﻗﺖ ﻧﻈﻤﺎً إﯾﻜﻮﻟﻮﺟﯿﺔ ھﺸﺔ ﻓﻲ ﺗﻐﯿّﺮ داﺋﻢ.

ﻋﻠﻰ ﺧﻠﻔﯿﺔ ھﺬا اﻟﺪﻣﺎر اﻟﺒﯿﺌﻲ اﻟﻮاﺳﻊ ﻋﺎﻟﻤﯿﺎً، وﺑﻐﯿﺎب اﻹرادة اﻟﺴﯿﺎﺳﯿﺔ ﻟﺘﻨﻈﯿﻢ اﻟﻘﻮة اﻟﻤﺆﺳﺴﯿﺔ ﻏﯿﺮ اﻟﻤﻘﯿﺪة وﻓﺮض اﻟﻤﺴﺎءﻟﺔ، ﺗﺴﺮّع اﻟﺰﺧﻢ ﺑﺎﺗﺠﺎه اﻻﻋﺘﺮاف ﺑﺎﻹﺑﺎدة اﻟﺒﯿﺌﯿﺔ ﻛﺠﺮﯾﻤﺔ دوﻟﯿﺔ. اﻗﺘﺮﺣﺖ ﻟﺠﻨﺔ اﻟﺨﺒﺮاء اﻟﻤﺴﺘﻘﻠﺔ ﻟﺘﻌﺮﯾﻒ اﻹﺑﺎدة اﻟﺒﯿﺌﯿﺔ ﻋﺎم 2021 ﺗﻌﺮﯾﻔﺎً ﻣﻔﺎده:

“اﻹﯾﻜﻮﺳﺎﯾﺪ )اﻹﺑﺎدة اﻟﺒﯿﺌﯿﺔ( ﯾﻌﻨﻲ اﻷﻓﻌﺎل ﻏﯿﺮ اﻟﻤﺸﺮوﻋﺔ أو اﻟﻌﻤﺪﯾﺔ اﻟﺘﻲ ﺗُﺮﺗﻜﺐ ﻣﻊ اﻟﻌﻠﻢ ﺑﻮﺟﻮد اﺣﺘﻤﺎل ﻛﺒﯿﺮ أن ﺗﺘﺴﺒﺐ ﺗﻠﻚ اﻷﻓﻌﺎل ﻓﻲ ﺿﺮرٍ ﺷﺪﯾﺪ وواﺳﻊ اﻟﻨﻄﺎق أو طﻮﯾﻞ اﻷﻣﺪ ﻟﻠﺒﯿﺌﺔ”.

أﺷﺎرت ﻛﯿﺖ ﻣﺎﻛﻨﺘﻮش، ﻧﺎﺋﺒﺔ اﻟﺮﺋﯿﺴﺔ اﻟﻤﺸﺎرﻛﺔ ﻓﻲ ﻟﺠﻨﺔ اﻟﺨﺒﺮاء، إﻟﻰ أن إدراج اﻹﺑﺎدة اﻟﺒﯿﺌﯿﺔ ﻓﻲ اﻟﺘﺸﺮﯾﻌﺎت ﺑﺪأ ﻓﻌﻠﯿﺎً ﻓﻲ ﺑﻠﺠﯿﻜﺎ وﺗﺸﯿﻠﻲ، ﻓﻲ ﺣﯿﻦ ﺗﺘﻘﺪم ﻣﻘﺘﺮﺣﺎت ﺗﺸﺮﯾﻌﯿﺔ ﻓﻲ اﻟﺒﺮازﯾﻞ واﻟﻤﻜﺴﯿﻚ وإﯾﻄﺎﻟﯿﺎ واﺳﻜﺘﻠﻨﺪا وإﺳﺒﺎﻧﯿﺎ ودول أﺧﺮى. وﺑﺤﻠﻮل أﯾﺎر/ﻣﺎﯾﻮ 2026، ﺳﯿُﻄﻠﺐ ﻣﻦ دول اﻻﺗﺤﺎد اﻷوروﺑﻲ ﺗﺠﺮﯾﻢ ﺳﻠﻮكٍ ﻣﻜﺎﻓﺊٍ ﻟﻤﻔﮭﻮم اﻹﺑﺎدة اﻟﺒﯿﺌﯿﺔ وﻓﻖ ﺗﻮﺟﯿﮫ ﺟﺪﯾﺪ ﻟﺠﺮاﺋﻢ اﻟﺒﯿﺌﺔ. وﻋﻠﻰ اﻟﻤﺴﺘﻮى اﻟﺪوﻟﻲ، ﻗﺪّﻣﺖ دول ﺻﻐﯿﺮة ﺟﺰر ﻧﺎﻣﯿﺔ — ﺑﻤﺎ ﻓﻲ ذﻟﻚ ﻓﺎﻧﻮاﺗﻮ وﻓﯿﺠﻲ وﺳﺎﻣﻮا — إﺿﺎﻓﺔ إﻟﻰ ﺟﻤﮭﻮرﯾﺔ اﻟﻜﻮﻧﻐﻮ اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاطﯿﺔ، ﻣﻘﺘﺮﺣﺎً رﺳﻤﯿﺎً ﺑﺘﻌﺪﯾﻞ ﻧﻈﺎم روﻣﺎ اﻷﺳﺎﺳﻲ ﻟﻠﻤﺤﻜﻤﺔ اﻟﺠﻨﺎﺋﯿﺔ اﻟﺪوﻟﯿﺔ ﻹدراج اﻹﺑﺎدة اﻟﺒﯿﺌﯿﺔ ﻛﺎﻟﺠﺮﯾﻤﺔ اﻟﺪوﻟﯿﺔ اﻟﺨﺎﻣﺴﺔ إﻟﻰ ﺟﺎﻧﺐ اﻹﺑﺎدة اﻟﺠﻤﺎﻋﯿﺔ واﻟﺠﺮاﺋﻢ ﺿﺪ اﻹﻧﺴﺎﻧﯿﺔ وﺟﺮاﺋﻢ اﻟﺤﺮب وﺟﺮم اﻟﻌﺪوان. ﻣﻦ اﻟﻤﻨﻄﻘﻲ إذن أن ﻗﻀﯿﺔ اﻹﺑﺎدة اﻟﺒﯿﺌﯿﺔ ﻣﺸﺮوع ﻗﺎﻧﻮﻧﻲ ﺳﺮﯾﻊ اﻟﺘﻄﻮر ﯾﺤﻈﻰ ﺑﺰﺧﻢ ﻣﺘﻨﺎمٍ؛ واﻟﺴﺆال اﻷھﻢ ﯾﺒﻘﻰ: ﻣﺎ اﻟﻔﺮق اﻟﺬي ﺳﯿُﺤﺪﺛﮫ ﺗﺠﺮﯾﻢ اﻹﺑﺎدة اﻟﺒﯿﺌﯿﺔ؟

ﺣﺪّدت ﻣﺎﻛﻨﺘﻮش ﺳﺒﻞَ اﻟﺘﺄﺛﯿﺮ اﻟﺮﺋﯿﺴﯿﺔ اﻟﺘﻲ ﻗﺪ ﺗﻐﯿّﺮ ﻣﻦ ﺳﻠﻮك اﻟﺸﺮﻛﺎت:

أوﻻً، ﻣﺴﺘﻮى رادع أﻗﻮى: اﻟﻌﻘﻮﺑﺎت اﻟﻤﺪﻧﯿﺔ واﻹدارﯾﺔ ﻧﺎدراً ﻣﺎ ﺗﺮدع اﻟﺸﺮﻛﺎت اﻟﻜﺒﺮى؛ أﻣﺎ اﺗﮭﺎمُ ﺟﮭﺔٍ ﻣﺎ ﺑﺎرﺗﻜﺎب ﺟﺮﯾﻤﺔٍ دوﻟﯿﺔ — إﻟﻰ ﺟﺎﻧﺐ اﻟﻌﻮاﻗﺐ اﻟﻘﺎﻧﻮﻧﯿﺔ واﻟﻤﺎﻟﯿﺔ واﻟﺴﻤﻌﺔ اﻟﺘﻲ ﻗﺪ ﺗﻼﺣﻖ اﻟﺘﻨﻔﯿﺬﯾﯿﻦ واﻟﻤﺴﺘﺜﻤﺮﯾﻦ — ﻓﮭﺬا ﯾﻐﯿّﺮ ﺣﺴﺎﺑﺎت اﻟﻤﺨﺎطﺮ ﺟﺬرﯾﺎً. ﻓﺒﻤﻮﺟﺐ اﻟﻘﺎﻧﻮن اﻟﺠﻨﺎﺋﻲ اﻟﺪوﻟﻲ، اﻟﻤﺴﺆوﻟﯿﺔ ﺷﺨﺼﯿﺔ وﻻ ﯾﻤﻜﻦ ﻟﻠﺘﻨﻔﯿﺬﯾﯿﻦ ﺗﻔﻮﯾﻀﮭﺎ أو ﺗﻔﺮﯾﻐﮭﺎ.

ﺛﺎﻧﯿﺎً، ﺗﺪﻗﯿﻖ أﻗﻮى وأﻛﺜﺮ ﻣﺒﻜﺮاً وﺑﺸﻜﻞٍ ﻋﻤﻠﻲ: ﯾُﺠﺒﺮ ﺗﻌﺮﯾﻒ اﻹﺑﺎدة اﻟﺒﯿﺌﯿﺔ اﻟﺸﺮﻛﺎت ﻋﻠﻰ إﻋﺎدة اﻟﺘﻔﻜﯿﺮ ﻓﻲ اﻟﻤﺸﺎرﯾﻊ ﻣﻨﺬ ﻟﺤﻈﺔ اﻟﺘﺼﻮر اﻷوﻟﻲ، ﻻ ﺑﻌﺪ وﻗﻮع اﻟﻀﺮر. ﯾﺠﺐ ﻋﻠﻰ اﻟﺸﺮﻛﺎت أن ﺗﺴﺄل: ھﻞ ھﺬا اﻟﻤﺸﺮوع آﻣﻦ أﺳﺎﺳﺎً؟ ﻣﻦ ﯾﺘﺤﻤّﻞ اﻟﻤﺨﺎطﺮ؟ ھﻞ ﺗﺘﻌﺮّض اﻟﻤﺠﺘﻤﻌﺎت اﻟﻀﻌﯿﻔﺔ ﻟﺨﻄﺮٍ ﻣُﻀﺎﻋﻒ؟

ﺛﺎﻟﺜﺎً، رﻓﻊ اﻟﻌﺐء ﻋﻦ اﻟﻀﺤﺎﯾﺎ: ﯾﻀﻊ اﻟﺘﻘﺎﺿﻲ اﻟﻤﺪﻧﻲ اﻟﻌﺐءَ ﻋﻠﻰ اﻟﻀﺤﺎﯾﺎ أﻧﻔﺴﮭﻢ ﻟﻤﺘﺎﺑﻌﺔ ﺗﺤﻘﯿﻖ اﻟﻌﺪاﻟﺔ، ﺑﯿﻨﻤﺎ ﺗُﻨﻘﻞ اﻟﻤﺴﺎءﻟﺔُ ﻓﻲ اﻟﻘﻮاﻧﯿﻦ اﻟﺠﻨﺎﺋﯿﺔ إﻟﻰ اﻟﺪوﻟﺔ واﻟﻤﺠﺘﻤﻊ اﻟﺪوﻟﻲ؛ ﻓﯿﺼﺒﺢ اﻟﺘﺪﻣﯿﺮ اﻟﺒﯿﺌﻲ ﻣﺴﺄﻟﺔً ﺗﺆﺛﺮ ﻓﻲ اﻹﻧﺴﺎﻧﯿﺔ ﺟﻤﻌﺎء، ﻻ ﻧﺰاﻋﺎً ﺧﺎﺻﺎً ﺑﯿﻦ أطﺮاف.

ﺗﺸﺮﯾﻌﺎت ﺳﻮرﯾﺎ اﻟﺒﯿﺌﯿﺔ اﻟﺤﺎﻟﯿﺔ ﻻ ﺗﺰال ﺿﻌﯿﻔﺔ اﻟﺘﻄﺒﯿﻖ وﻏﯿﺮ ﻣﻨﺎﺳﺒﺔ ﻟﻤﺪى اﻟﺪﻣﺎر اﻟﺤﺎﺻﻞ ﻓﻲ زﻣﻦ اﻟﺤﺮب، وﺗﺸﻜﻞ اﻟﻤﺮﺣﻠﺔُ اﻟﺴﯿﺎﺳﯿﺔ اﻻﻧﺘﻘﺎﻟﯿﺔ ﻓﺮﺻﺔً ﻧﺎدرةً ﻟﺘﺤﺪﯾﺚ ھﺬه اﻟﻘﻮاﻧﯿﻦ ﺑﻤﺎ ﯾﻌﻜﺲ أزﻣﺎت اﻟﺒﻼد اﻟﺮاھﻨﺔ. وﻣﻊ ﺗﺪﻓّﻖ اﻻﺳﺘﺜﻤﺎرات اﻟﻤﺮﺗﺒﻄﺔ ﺑﺈﻋﺎدة اﻹﻋﻤﺎر إﻟﻰ ﺑﯿﺌﺔٍ ﻋﺎﻟﯿﺔ اﻟﻤﺨﺎطﺮ، ﺑﺎت وﺟﻮدُ ﻗﺎﻧﻮنٍ ﺟﻨﺎﺋﻲ ﺻﺎرم أﻛﺜﺮ إﻟﺤﺎﺣﺎً ﻣﻦ أي وﻗﺖٍ ﻣﻀﻰ.

ﻓﻲ وﺣﺪة ﺣﻘﻮق اﻹﻧﺴﺎن واﻷﻋﻤﺎل اﻟﺘﺠﺎرﯾﺔ، أﻛّﺪﻧﺎ ﺑﺎﺳﺘﻤﺮار ﻋﻠﻰ اﻟﻤﺨﺎطﺮ اﻟﻘﺎﻧﻮﻧﯿﺔ واﻟﻤﺎﻟﯿﺔ اﻟﺘﻲ ﺗﻮاﺟﮭﮭﺎ اﻟﺸﺮﻛﺎت ﻋﻨﺪﻣﺎ ﺗﻔﺸﻞ ﻓﻲ اﺣﺘﺴﺎب اﻷﺿﺮار اﻟﺒﯿﺌﯿﺔ واﻟﻤﺘﻌﻠّﻘﺔ ﺑﺎﻟﻨﺰاع. ﺗﻮﺻﯿﺎﺗﻨﺎ اﻷﺧﯿﺮة ﻟﻠﻤﺴﺘﺜﻤﺮﯾﻦ ﻓﻲ ﺳﻮرﯾﺎ ﺗﺸﺪّد ﻋﻠﻰ أن اﻟﻌﻨﺎﯾﺔَ اﻟﻮاﺟﺒﺔ اﻟﺒﯿﺌﯿﺔ ﻋﻨﺼﺮٌ ﻻ ﯾﺘﺠﺰأ ﻣﻦ ﺳﻠﻮك ﺗﺠﺎري ﺣﺴﺎس ﻟﻠﺼﺮاع وﯾﺤﺘﺮم اﻟﺤﻘﻮق. ﻓﻲ ﻧﻮﻓﻤﺒﺮ 2025، وﻗﺒﻞ اﻟﻤﻨﺘﺪى ﻣﺒﺎﺷﺮة، اﺳﺘﻀﻔﻨﺎ أول ﻣﺆﺗﻤﺮ ﺳﻮري ﻟﻸﻋﻤﺎل وﺣﻘﻮق اﻹﻧﺴﺎن وﻛﺮّﺳﻨﺎ ﺟﻠﺴﺔً ﻛﺎﻣﻠﺔ ﻟﻠﺘﺤﺪﯾﺎت اﻟﺒﯿﺌﯿﺔ اﻟﻤﺘﻌﻠﻘﺔ ﺑﺈﻋﺎدة اﻹﻋﻤﺎر. ﺳﺘﻜﻮن ﻋﻠﻰ ﻋﺎﺗﻖ اﻟﺤﻜﻮﻣﺔ اﻻﻧﺘﻘﺎﻟﯿﺔ ﻣﺴﺆوﻟﯿﺔ وﻓﺮﺻﺔ ﺑﻨﺎء إطﺎرٍ ﺗﻨﻈﯿﻤ ﱟﻲ ﻗﻮ ﱟي ﯾﻜﺒﺢ ﺟﻤﺎحَ اﻟﻤﺴﺘﺜﻤﺮﯾﻦ اﻷﺟﺎﻧﺐ، ﯾَﺤﺼّﻦُ اﻟﻤﺠﺘﻤﻌﺎت، وﯾُﻌﻄﻲ اﻷوﻟﻮﯾﺔَ ﻻﻧﺘﻌﺎشٍ ﻣﺴﺘﺪام.

ﻟﻦ ﯾﺤﻞّ ﺗﺠﺮﯾﻢ اﻹﺑﺎدة اﻟﺒﯿﺌﯿﺔ ﻛ ﱠﻞ ﻣﺸﻜﻼت ﺳﻮرﯾﺎ اﻟﺒﯿﺌﯿﺔ اﻟﻤﺘﺠﺬّرة، ﻟﻜﻨﮫ ﺳﯿﻀﻊ ﻣﻌﯿﺎراً ﻣﻌﻨﻮﯾﺎً وﻗﺎﻧﻮﻧﯿﺎً ﻗﻮﯾﺎً: ﻻ ﯾﺠﻮز ﻷي ﻓﺎﻋﻞ—ﺷﺮﻛﺔً ﻛﺎﻧﺖ أم ﻏﯿﺮھﺎ—أن ﯾﺮﺑﺢ ﻣﻦ ﺗﺪﻣﯿﺮ ﺑﯿﺌﺔ ﺳﻮرﯾﺎ دون أن ﯾﻮاﺟﮫ أﻋﻠﻰ ﻣﺴﺘﻮﯾﺎت اﻟﻤﺴﺎءﻟﺔ.

وﻛﻤﺎ ﻗﺎﻟﺖ ﻣﺎﻛﻨﺘﻮش: “ﺗﺠﺮﯾﻢ اﻹﺑﺎدة اﻟﺒﯿﺌﯿﺔ ﻟﯿﺲ اﻟﺤﻞّ اﻟﺴﺤﺮي، ﻟﻜﻨﮫ ﯾﻐﯿّﺮ اﻟﺤﻮاﻓﺰ ﺑﻄﺮﯾﻘﺔٍ ﻗﻮﯾﺔ… ﻋﻨﺪﻣﺎ ﺗﺘﻐﯿﺮ اﻟﺤﻮاﻓﺰ، ﯾﺘﻐﯿﺮ اﻟﺴﻠﻮك”.

بقلم: الريم كمال، مسؤولة قانونية في وحدة حقوق الإنسان والأعمال التجارية

الذكرى السنوية الاولى لسقوط نظام الاسد

8 ديسمبر, 2025        |   هذا المنشور متوفر أيضاً باللغة : الإنجليزية

في الذكرى السنوية الأولى لسقوط نظام الأسد، نستحضر محطة فارقة في التاريخ الحديث لسوريا.

يمثل هذا اليوم تذكيراً بمعاناة السوريين والسوريات العميقة، وبالإرادة الجماعية لإعادة بناء وطن يقوم على العدالة والكرامة وسيادة القانون.

وخلال العام الماضي، ساهم البرنامج السوري للتطوير القانوني (LDP) في وضع اللبنات الأولى لهذه المرحلة الانتقالية من خلال عمل مبدئي وتنسيق وثيق مع المجتمع المدني السوري، وروابط الضحايا والناجين والناجيات، والمؤسسات الوطنية، والآليات الأممية، والدول.

وخلال عام ٢٠٢٥، ساهم عمل البرنامج في دعم عدة خطوات جوهرية على مستوى العدالة وحقوق الإنسان في سوريا، من بينها:

• تعزيز حقوق الفئات الأكثر تضرراً من الانتهاكات:
قدم البرنامج الدعم للناجين والناجيات من الهجمات الكيميائية وعائلات المختفين، والمجتمعات المهجرة قسرا، والسكان المتضررين من انتهاكات السكن والأرض والملكية، بما يضمن أن تكون رؤيتهم جزءاً موجهاً لجهود العدالة الانتقالية والمساءلة.

• تصميم مبادرات تركز على الضحايا بمشاركة المجتمعات المتأثرة بانتهاكات السكن والأرض والملكية، وتنظيم اجتماعات مع أصحاب المصلحة والجهات المعنية داخل سوريا. هدف هذا النموذج إلى دعم جهود العدالة الانتقالية وتقديم إطار لمعالجة الانتهاكات على مستوى البلاد كما بدأ البرنامج بإعداد خارطة للأعمال التجارية المتورطة في انتهاكات السكن والأرض والملكية تمهيداً للمساءلة وللتواصل الدولي، بما في ذلك مع المقرر الخاص المعني بالحق في السكن اللائق.

• تعزيز التواصل بين الدولة والمجتمع المدني: من خلال الإحاطات المنتظمة في مجلس حقوق الإنسان والاجتماعات الثنائية، أسهم البرنامج في رفع مستوى فهم الدول لوضع حقوق الإنسان في سوريا بعد سقوط النظام، وفي مواءمة سياساتها مع أولويات السوريين المتعلقة بالتحول الديمقراطي والعدالة.

• توسيع التضامن القضائي عبر الحدود سعياً للعدالة ضد النظام السوري:
سيعلن البرنامج وروابط الضحايا قريباً عن تطورات بخصوص قضية جديدة تحت الولاية القضائية العالمية في الأرجنتين. وسيُقدّم المزيد من التفاصيل لاحقاً.

• ترسيخ الدور الاستراتيجي لهيئات الأمم المتحدة لحقوق الإنسان: من خلال تواصل مستمر مع هيئات حقوق الإنسان بما في ذلك الإجراءات الخاصة والهيئات المنشأة المعاهدات، دعم البرنامج الجهود لضمان أن تؤدي هذه الهيئات دوراً فعالاً في المرحلة الجديدة بموجب من سوريا بهدف دعم الدعوات السورية للإصلاح والمساءلة وحماية حقوق الإنسان بعد سقوط النظام.

• دعم البنية الوطنية للعدالة الانتقالية:
من خلال المساهمة في تطوير وتنسيق وتيسير مجموعة تنسيق العدالة الانتقالية – التي تضم نحو ٥٠ منظمة سورية – ساعد البرنامج في وضع مبادئ مشتركة حول الحقيقة وجبر الضرر وضمانات عدم التكرار، وهي مبادئ باتت اليوم مرجعاً للمؤسسات الوطنية.

• بناء الأسس القانونية للمرحلة الانتقالية: أصدر البرنامج تحليلات حول الالتزامات الدستورية، ومسارات العدالة الجنائية والإصلاح، والأطر الانتخابية، تُستخدم حالياً من قبل اللجان الوطنية وصانعي السياسات والشركاء الدوليين ضمن عملهم خلال المرحلة الانتقالية في سوريا.

• ترسيخ ضمانات حقوق الإنسان في إعادة الإعمار والاقتصاد:
عبر وحدة حقوق الإنسان والأعمال التجارية، عزز البرنامج معايير العناية الواجبة بحقوق الإنسان لدى الوزارات والوكالات الأممية والشركات والمانحين، ونظم أول مؤتمر في سوريا حول الأعمال التجارية وحقوق الإنسان، في محاولة اولية لوضع معيار لاقتصاد قائم على حقوق الإنسان.

• تطوير العمل المتعلق بالعقوبات من خلال إصدار ورقة موقف تدعو إلى رفع العقوبات القطاعية مع الإبقاء على العقوبات الفردية المفروضة على منتهكي حقوق الإنسان – وهو نهج اعتمدته لاحقاً عدة منظمات مجتمع مدني. كما عقد البرنامج اجتماعات منتظمة مع وزارات الخارجية البريطانية والأوروبية، ومع مكاتب العقوبات والشركاء متعددي الأطراف للدفع لرفع العقوبات وتوافق ذلك مع حماية حقوق الإنسان واستقرار الاقتصاد بعد سقوط النظام.

• رفع الوعي بمسؤوليات الأعمال التجارية في مجال حقوق الإنسان في مجالات رئيسية تشمل إعادة الإعمار وانتهاكات السكن والأرض والملكية والاستثمار المسؤول، وحماية البيئة، عبر جلسات توعية ومنشورات وأنشطة إعلامية. كما دافع البرنامج عن احترام الأعمال التجارية لحقوق الإنسان في سوريا ضمن محافل دولية بارزة، بما في ذلك الاجتماع السنوي لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، والاجتماع السنوي لـ ICAR، والحوار الإقليمي الإفريقي العربي حول الأعمال وحقوق الإنسان وفعاليات حول استعادة الأصول السورية وتأسيس صندوق للضحايا.

• الدعوة لإدماج العناية الواجبة بحقوق الإنسان في جميع الاجتماعات مع المسؤولين الحكوميين والجهات الإنسانية، مع التأكيد على وجوب أن تقوم جهود إعادة الإعمار والتنمية على نهج يضع حقوق الإنسان في صلبه، لضمان حماية المجتمعات المتضررة في كل مراحل التعافي.

بعد مرور عام تبقى المرحلة الانتقالية هشّة ولا بد من تعزيز أسس مستقبل يستند إلى الحقوق. يظل البرنامج السوري للتطوير القانوني ملتزماً بالعمل مع جميع الشركاء – السوريين والدوليين – دعماً للحقيقة والعدالة والإصلاح المؤسسي وعدم التكرار والمساهمة في بناء سوريا تصان فيها الكرامة وترسخ فيها المساءلة. التزامنا مستمر – نحو مستقبل عادل وشفاف ومرتكز على الحقوق للجميع.

“لدينا مئة سبب للخوف، لكن لدينا مليون سبب للأمل. خلال العام الماضي، انتقل المجتمع المدني في سوريا من مراقبة العالم وهو يهرع إلى تطبيع نظام إجرامي، إلى الوقوف بثبات إلى جانب شعبنا داخل سوريا – منخرطا مع الهيئات الوطنية المعنية بالعدالة، وضاغطاً من أجل المساءلة لجميع الضحايا قبل ۸ كانون الأول/ديسمبر ٢.٢٤ وبعده، ودافعاً بالنقاش إلى الأمام. إنها لحظة صمود وإصرار، يجمعهما أمل نبنيه يوماً بعد يوم.

سنا كيخيا، المديرة التنفيذية للبرنامج السوري للتطوير القانوني

Advisory Services Enquiry


Please enable JavaScript in your browser to complete this form.
Preferred Mode of Consultation:

This will close in 0 seconds

استفسار عن خدمات الاستشارات


Please enable JavaScript in your browser to complete this form.
طريقة التواصل المفضلة

This will close in 0 seconds