1 مارس, 2026 | | هذا المنشور متوفر أيضاً باللغة : الإنجليزية

التهجير وحقوق الملكية المعلّقة
عندما أُعلن عن مشروع ماروتا (وباسيليا) سيتي في دمشق عام 2012، جرى تقديمه بوصفه درّة العاصمة الجديدة: أبراج زجاجية لامعة، شقق فاخرة، مراكز تسوّق، وشوارع عريضة توحي بولادة مدينة «عصرية» من قلب الدمار. وروّجت محافظة دمشق للمشروع باعتباره باكورة إعادة الإعمار، بل واعتبره البعض تجربة قابلة للتعميم في سائر المدن السورية.
غير أن الصورة بدت مختلفة تمامًا بالنسبة لعشرات آلاف السوريين الذين عاشوا في حي بساتين الرازي، حيث انطلقت أعمال ماروتا، وللعدد الأكبر من المتضررين في نطاق مشروع باسيليا سيتي. بالنسبة لهؤلاء، لم يكن المشروع وعدًا بالنهضة، بل عنوانًا للتهجير والإقصاء. فقد هُدمت منازلهم، وحُوّلت ملكياتهم إلى أسهم مبهمة جرى تقييمها بصورة مجحفة، ووُعدوا بسكن بديل طال انتظاره دون أن يتحقق كما أُعلن عنه.
تبلغ مساحة المنطقة نحو 2.2 كيلومتر مربع، وكان يقطنها قرابة خمسين ألف نسمة. وقد تعهّدت السلطات ببناء 12 ألف وحدة سكنية تستوعب ستين ألف شخص. إلا أن السكان الأصليين استُبعدوا عمليًا منذ البداية. فقبل عام 2011، لم تكن نسبة كبيرة من الأراضي في سوريا منظّمة أو مسجّلة رسميًا، واعتمدت آلاف العائلات على وثائق عرفية أو حجج إرثية لم تصمد أمام لجان التقييم الحكومية التي افتقرت إلى الشفافية. فحصل البعض على أسهم لا تعكس القيمة الحقيقية لممتلكاتهم، فيما خسر آخرون حقوقهم بالكامل بسبب فقدان الوثائق أو عدم امتلاكها أصلًا، لا سيما بعد النزوح.
أما السكن البديل الذي نُصّ عليه قانونًا خلال أربع سنوات من الإخلاء، فما يزال حلمًا مؤجّلًا بعد أكثر من عقد. وتلقّى بعض المتضررين بدل إيجار لا يتجاوز 500 ألف ليرة سورية سنويًا (نحو 137 دولارًا)، وهو مبلغ لا يوفّر الحد الأدنى من العيش الكريم. واضطر كثيرون إلى بيع أسهمهم لتغطية تكاليف السكن في مناطق أخرى، في وقت خسر فيه آخرون مصادر رزقهم المرتبطة بمحلاتهم أو أراضيهم في الحي.
وزادت معاناة اللاجئين والنازحين الذين وجدوا أنفسهم عاجزين عن المطالبة بحقوقهم. فقد اشترطت الإجراءات الحضور الشخصي أو إبراز وثائق رسمية غالبًا ما ضاعت أو تعذّر استخراجها. وبالنسبة لمن غادروا البلاد أو خشوا الملاحقة الأمنية، كان المسار شبه مستحيل، خاصة مع اشتراط «الموافقة الأمنية» من أجهزة النظام السابق. وترد أيضًا شهادات تفيد بأن بعض المساهمين الذين تعرّضوا للاعتقال أُجبروا على توقيع تنازلات عن أسهمهم.
الخط الزمني الرئيسي: ماروتا سيتي وإعادة إعمار سوريا
| ما قبل 2011 | الملكية غير الرسمية للأراضي لم تكن نحو نصف الأراضي في سوريا منظَّمة أو مُسجَّلة رسميًا، واعتمدت آلاف العائلات على وثائق عرفية أو إرثية، ما جعلها عرضة لخطر نزع الملكية مستقبلًا. خطر التهجير |
| 2012 | إطلاق مشروع ماروتا (وباسيليا) سيتي
أطلقت محافظة دمشق المشروع بموجب المرسوم 66 في منطقة بساتين الرازي، التي تمتد على نحو 2.2كم². وقد قُدِّم بوصفه مشروع إعادة إعمار «حديث» ورائد، مع وعود ببناء 12 ألف وحدة سكنية. السياسات والتخطيط |
| منذ 2012 | بدء التهجير الواسع
تم تهجير آلاف السكان، وحُوِّلت حقوق الملكية إلى أسهم مبهمة. ولم يتمكن كثير من العائلات، خاصة اللاجئين والنازحين، من المطالبة بحقوقهم بسبب متطلبات الوثائق والموافقات الأمنية. التهجير |
| 2012–2024 | مصالح تجارية مرتبطة بالنظام حصلت شركات مرتبطة بشخصيات من نظام الأسد على حصص في المشروع، وأصبحت شركة دمشق الشام القابضة أداة رئيسية فيه. وفُرضت لاحقًا عقوبات دولية على هذه الكيانات لدورها في تهجير المجتمعات. المساءلة |
| 2018 | توسيع الإطار عبر القانون رقم 10
تم توسيع نطاق المرسوم 66 ليشمل عموم سوريا، ما منح المحافظين صلاحيات لإعادة تنظيم أحياء مدمّرة، خاصة تلك المرتبطة بالمعارضة، بالشراكة مع القطاع الخاص، الأمر الذي زاد من خطر نزع الملكية الدائم تحت غطاء التنظيم العمراني. الإطار القانوني |
| بعد أكثر من 4 سنوات على الإخلاء | عدم تنفيذ وعود السكن البديل
ينص القانون على تسليم المساكن البديلة خلال أربع سنوات، لكن بعد أكثر من عقد لا يزال كثير من السكان ينتظرون. وبلغ بدل الإيجار نحو 137 دولارًا سنويًا فقط، ما أجبر العديد من العائلات على بيع أسهمها. وعود غير محققة |
| أواخر 2024 | سقوط نظام الأسد
أدّى انهيار نظام الأسد إلى فتح نافذة نادرة للعدالة الانتقالية، وبرزت فرصة لإعادة النظر في الأسس القانونية للمرسوم 66 والقانون 10، والانتهاكات المرتبطة بحقوق الملكية في مشروع ماروتا. المرحلة الانتقالية |
| 2025 وما بعده | مطالبات بالإصلاح واستعادة الحقوق
تطالب منظمات المجتمع المدني بمراجعة مستقلة، ورقابة قضائية، ومشاركة مجتمعية فعلية. وتواجه السلطات الانتقالية ضغوطًا لإنشاء آليات تعويض عادلة والتمييز بين الاستفادة القسرية المرتبطة بالنزاع والمعاملات المشروعة بحسن نية. العدالة الانتقالية |
اقتصاد الحرب والقانون رقم 10
في المقابل، شكّل المشروع فرصة استثمارية لشركات مرتبطة برجال أعمال نافذين مقرّبين من النظام السابق. وقد طالت العقوبات الدولية عددًا من هذه الكيانات، بما في ذلك شركة دمشق الشام القابضة، لدورها في المشروع. وبهذا تحوّلت الشراكات بين القطاعين العام والخاص إلى أداة لترسيخ اقتصاد الحرب، بدل أن تكون مدخلًا لتعافٍ عادل، وغدا الإعمار وسيلة لإعادة تشكيل الخريطة السكانية على حساب مجتمعات كاملة.
ولم يتوقف هذا النهج عند حدود دمشق. ففي عام 2018، جاء القانون رقم 10 ليوسّع نطاق المرسوم 66 ويمنح السلطات المحلية صلاحيات واسعة لإعادة تنظيم مناطق أخرى في البلاد، ولا سيما تلك التي دُمّرت خلال النزاع. وهكذا بات «التنظيم العمراني» إطارًا قانونيًا قد يحوّل التهجير المؤقت إلى فقدان دائم للملكية.
ما بعد سقوط الأسد: الإنصاف المتوازن بدلاً من التطبيع مع المظالم
شكّل سقوط نظام الأسد قبل أكثر من عام فرصة تاريخية لإعادة النظر في هذا المسار. وكان من المنتظر أن تعيد المرحلة الانتقالية تقييم الأسس القانونية للمشروع، وأن تراجع آليات التقدير وتوزيع الأسهم، وأن تنشئ هيئات مستقلة تعالج ملفات الاسترداد والتعويض بمشاركة المتضررين أنفسهم. لقد أتاح التغيير السياسي إمكانية إعادة توجيه الإعمار ليقوم على مبادئ العدالة والشفافية والمساءلة بدل منطق السيطرة.
إلا أن الاحتجاجات ما تزال تتكرر حول مشروع ماروتا. ويؤكد المتضررون أن تغيير القيادة لم يُفضِ بعد إلى تغيير حقيقي في السياسات. فما تزال المطالب بإعادة تقييم عادلة، وتعويض منصف، ومسار واضح للعودة، قائمة دون استجابة كافية. وتحذّر منظمات المجتمع المدني من أن غياب المراجعة المستقلة والرقابة القضائية قد يؤدي إلى تثبيت المظالم السابقة في ثوب جديد، بما يكرّس انتهاكات حقوق السكن والأرض والملكية، وربما يرقى إلى جرائم نهب وتهجير قسري وفق القانون الدولي.
وفي الوقت ذاته، ينبغي أن تراعي أي معالجة جديدة حقوق من اشتروا أو استثمروا بحسن نية خلال السنوات الماضية. فقد نشأت سوق ثانوية، وأُبرمت عقود، وانتقلت ملكيات ضمن الإطار القانوني السائد آنذاك. ولا يمكن أن يكون تصحيح الظلم عبر خلق ظلم جديد. المطلوب هو صياغة حلول متوازنة تضمن استعادة الحقوق لأصحابها الأصليين، مع الحفاظ على الاستقرار القانوني للمتعاملين بحسن نية، والتمييز بوضوح بين من استفاد من الإكراه أو النفوذ، ومن أجرى معاملات مشروعة. فإعادة الثقة في نظام الملكية وسيادة القانون ركيزة أساسية لأي تعافٍ مستدام.
ورغم كل ما سبق، ما تزال ماروتا سيتي تُقدَّم أحيانًا كواجهة للإعمار الحديث. لكنها في حقيقتها درس قاسٍ في إعمار يتجاهل الحقوق. فالبناء الذي يقتلع الناس من جذورهم ويحوّل بيوتهم إلى أوراق مالية ليس إعادة إعمار، بل إعادة إنتاج للظلم. إن مستقبل سوريا لا يمكن أن يُبنى على المصادرة أو الإقصاء، بل على إنصاف المتضررين، وضمان التعويض العادل، وتمكين العودة الآمنة، وإشراك المجتمعات في رسم ملامح مدنها. فالمباني قد تُشيَّد بالإسمنت والزجاج، أما السلام فلا يقوم إلا على العدالة.
كيف يمكننا المساعدة
إن التحديات التي يطرحها هذا المقال، من استعادة الممتلكات إلى المساءلة المؤسسية والمشاركة المجتمعية، لا تستلزم إرادة سياسية وحسب، بل تستوجب أيضاً خبرة تقنية متخصصة. البرنامج السوري للتطوير القانوني يقدم خدمات استشارية في مجال حقوق الإنسان و الأعمال التجارية لمراكز الأبحاث وصانعي السياسات والمسؤولين بما يخص التعامل مع هذه القضايا المعقدة في سوريا. تستند خبرتنا إلى تجربة راسخة في القانون الدولي، ومبنية على التفاعل مع المجتمعات المتضررة.
للتواصل: info@sldp.ngo / تفضل بزيارة : https://sldp.ngo/en/what-we-do








